آفة الخوف والمجتمعات الممسوخة!

وهيب أيوب
2021 / 10 / 13

المجتمعات العربية والإسلامية؛ هي أكثر المجتمعات التي تمارس الكذب والنفاق والمداهنة والمسايرة والتقيّة والمجاملات غير الصادقة، وهي المجتمعات التي تختزن في داخلها أكبر وأعظم إرثٍ من الخوف والرعب والقلق.
بالتأكيد هناك أسباب منطقية لوصول تلك المجتمعات إلى هذا الحال، وتقديري أن المجتمعات المحكومة بالقهر والقمع والعنف من أنظمة ديكتاتورية مستبدّة، يُدفعون فيها الناس إلى الكذب دفعاً، لعدم جرأتهم على البوح وقول الحقيقة بما يخصّ مجمل حياتهم اليومية بوجه السلطة الطاغية؛ خوفاً من العقاب والسجن والتنكيل والاضطهاد.
حتى الطفل الذي يُعاقب دائماً بالتعنيف والضرب، سيتحوّل لاحقاً إلى فنان مُبدع بالكذب والمراوغة وإخفاء الحقيقة، خوفاً من العقاب الذي ينتظره فيما لو اعترف بحقيقة ما اقترفه من ذنب أو خطأٍ ما، وسوف يُصرّ على الكذب رغم الضرب!
السبب الثاني؛ تلك المجتمعات تتكوّن من قوميات وأديان وطوائف ومذاهب متعدّدة، وتمارس الطائفة الأكبر قهرها للأقليات، مما يجعل تلك الأقليات الدينية والطائفية بأن تُمارس المساترة والتقيّة والكذب والنفاق وإخفاء حقيقة معتقداتها وإظهار ما لا تبطنه، لاتقاء شرّ الأكثرية الدينية من الاضطهاد والتنكيل والقتل أحياناً، كما رأينا في السنوات السابقة وكما جرى عبر التاريخ البعيد.
كما أن الأكثرية القومية وهي العروبة؛ مارست عبر تاريخها منذ نشوئها حتى الآن؛ الاضطهاد والقمع والتهميش وهضم الحقوق تجاه القوميات الأُخرى، وحرمتهم حتى من ممارسة ثقافاتهم ولغاتهم القومية ...
إذاً ؛ خوف الجميع من السلطة وخوف السلطة من تمرّد الناس عليها، وخوف الأديان والطوائف والمذاهب من بعضها البعض، وخوف الأكثرية الدينية من تآمر وتمرّد الأقليات الدينية عليها، وخوف القوميات الصغيرة من القومية الأكبر؛ الاستبدادية الفاشية العروبية الطاغية، وخوف القومية الأكبر من الأقليات القومية في التحالف مع جهات خارجية.
يعني في النهاية خوف الكل من الكل، ويُصبح الكذب ممارسة اجتماعية يومية على مدار الساعة أمرٌ لا فكاك منه.
في النهاية؛ هذا سيخلق بالتأكيد مجتمعاً فاقد الثقة كُلٌّ بالآخر، مجتمع يكذب وينافق ويساتر ويجامل كلٌّ على الآخر من أجل الأمن والسلامة والحياة والبقاء. لأن تجارب التاريخ والمجازر التي ارتُكبت بحق بعض الأديان والطوائف والأقليات من قِبل السلطة حيناً ومن الطائفة الأكبر أي الأكثر عدداً أحياناً أُخرى؛ علّمت هؤلاء ألا يقولوا إلا ما يُرضي السلطة والأكثرية الدينية، وأن يسكتوا عن الحق والحقوق التي لهم، حتى ولو كانت بائنة كالشمس، فلا يستغرب ويستعجب البعض من تلك السلوكيات،
فا "اللي اتلسع من الشوربة بينفخ فى الزبادي"
"واللّي ما ذاق المغراية ما بيعرف شو الحكاية"!
إضافة لكل ذلك، فإن خوف الأفراد في مجتمعات محافظة من ممارسة حرياتهم الشخصية نتيجة العادات والتقاليد، يدفع هؤلاء للكذب للتغطية على ممارساتهم التي يدنها المجتمع ويقمعها رجال الدين، فيغدو الحب والعشق في السر وممارسة العلاقات الحميمة في الخفاء ، خوفاً من الفضيحة، وحتى البوح بحقيقة الآراء والمواقف والمشاعر قد تؤدّي إلى العقاب، والكل يخاف من الكل!
في كتابين "الإنسان المقهور" و "الإنسان المهدور" للكاتب اللبناني مصطفى حجازي، وهما كتابان في التحليل النفسي والاجتماعي، يوضح حجازي بالتفصيل المُمل؛ كيف أن الخوف والرعب من القمع والاضطهاد والعقاب، يجعل من أفراد المجتمع مجرّد مجتمع قطيعي ممسوخ يُطيع مُضطهديه، ويُمسي الفرد كالكلب المُدرّب الذي يُطيع صاحبه ويتبعه أينما شاء.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية