اميركا: عراقية هي ام اوربيه!!؟/1

عبدالامير الركابي
2021 / 10 / 13

صادف اكتشاف القارة الامريكيه جمله من الاحتدامات افضت الى عملية هجرة استيطانيه افنائية، ستنتهي الى سحق مايقرب من سبعين مليون كائن بشري من اهل البلاد، وسكانها الأصليين، هم ابناء مجتمع اللادولة الأحادي الأمريكي، في اللحظة نفسها التي كانت فيها الثورة الالية الراسمالية ماتزال لم تفصح بعد عن مكنوناتها، مع انها بدات ماخوذة باثر حضور الاله كعنصر جديد، تدخلي في العملية الاجتماعية، ودياميات اصطراعيتها، كما كانت قد وجدت بناء على الاشتراطات البيئية وغلبتها، بينما لاح اليوم مايشير الى التدخل الواعي فيها، الامر الذي عززه ميل راس المال الى الانعتاق من وطاة الاصطراعية الطبقية الموروثة.
ولم يكن حدث اكتشاف القارة الجديدة معزولا عن الانقلاب الحداثي الغربي، او عن دلالاته التاريخيه، وماقد اتاحه من ممكنات لم تكن مطروحة، ففي الوقت الذي كان الغرب الراسمالي يتمدد استعماريا، موسعا دائرة تحقق الديناميات الجديده، بتوفير الأسباب الضرورية للتخلص من وطاة الانحباس الاصطراعي الداخلي، وجدت القارة الجديدة بمثابة متنفس إضافي، ومجال توسيع للثروة والراسمال من الصعب تصور حال اوربا ونهضتها، واستمرارها من دونه، ذلك في الوقت الذي كانت أمريكا نفسها بحكم كينونتها، وكيفيات تحولها الى "كيانيه مفقسه خارج رحم التاريخ"، بلا خلفية تأسيسية مرتكزة كما الحال المجتمعي المعتاد، للتفاعلية المجتمعية البيئية، في وقت كانت الالة فيه قد حضرت فاسحة المجال امام الاحتمالية الجديدة، وموجدة عينه نموذجيه عن المجتمعية اللابيئية، السائرة الى الاليه بالدرجة الأولى.
ويغطي الغرب سواء متعمدا ورغبة منه، او لاسباب قصورية عقلية ماتزال غالبة على علاقته بذاته والعالم في اللحظة الراهنه المنبثقة عن التحول، من اليدوية الإنتاجية، الى الالية، يغطي على الحقيقة المستجدة المرافقة لظهور الكيانيه الامريكيه، الامر الذي مايزال ظاهرا بوضوح في الكتابات الموضوعه عن الولايات المتحدة الامريكيه(1) حتى الان، والتي تقع مسبقا تحت طائلة النمط المفترض، الجاهز الراسمالي، كما جرى تكريسه الى الان، وكأن أمريكا امتداد طبيعي للغرب وظاهرته الحديثة، مع بعض التفصيلات.
هذا مع العلم ان "الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ"، وجدت، وتاتي بالأحرى باعتبارها المحطة الضرورية اللازمه، قبل مغادرة المجتمعات صفتها وطابعها الارضوي الأحادي، بعدما بلغ شكله، او مستوى تطوره الأعلى والاقصى، مع الظاهرة الغربية، والثورة الالية البرجوازيه، ولاشك ان أمريكا تتطابق مع نموذج " المجتمعية المصاغة بالفكرة والالة"، مقارنه بالمجتمعات التي كانت قد قامت بالاصل، محكومة لاشتراطات الطبيعة وتدخلها، حيث الفكرة تابعة وانعكاس لواقع قائم، ليس للارادة فيه مكان فاصل.
وحيثما كان المهاجرون الاوربيون البيوريتانيون مايزالون على سواحل القاره الجديده، فانهم قد صاغوا وقتها نوع المجتمعية التي يريدونها، او هم عازمون على اقامتها فكانت "سنبني مدينه على جبل"، الشعار التوراتي اللاارضوي العراقي، الذي سيظل حاضرا في تكوين وبنية الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ، باعتباره الخاصيةـ و "الرسالة" التي تميز أمريكا وتعطيها شخصيتها. ولان الارضوية الأحادية غالبة مع تصوراتها وحكمها على الأشياء والظواهر، وبالذات للمجتمعات كما وجدت بحسب الاشتراطات البيئية، فان الشعار الانف الذكر لم يتسن له ان يوضع في مكانه، ضمن سياقات التفاعلية المجتمعية التاريخيه، الذاهبة الى اللاارضوية ابتداء ومنتهى.
الا ان أمريكا عاشت كراسمالية تتصدر الامبرياليات بحسب الاوصاف الاصطراعية الغربية، القطبيه خصوصا، كما انها ككيانيه قد امتازت ب"اللاوطنيه"، أي اننا عدنا وعثرنا هنا، وفي اخر الشوط المجتمعي، على كيانيه تذكر بالتشكلات التي تتعدى الوطنيه، وبالذات الابتدائية الرافدينيه منها، فامريكا لاتستطيع كينونة ان تكون موجودة بصفتها كيانيه مكتفية بذاتها، ومنكفئه "محلوية"، و "وطنية". وكما كانت بدات بالاصل "مدينة على جبل"، فانها تستمر بعد ان تقوم كهيكل دولة، باعتبارها قوة رسالية، مكلفة من الله برسالة للعالم، المفهوم المكون لمنظومة التفكر الأمريكي، والمكرس المتكررمن قبل قادة هذا الكيان، حتى مع سطوة وقوة نفوذ الراسمال، الذي يعجز هنا، ولايستطيع ان يوجد ويحقق غاياته، من دون جوهر رسالي، و "حلم"، يكون متضمنا داخل كينونته الإمبراطورية المنتشره على امتداد الكوكب.
بمعنى اننا قد صرنا نقف مجددا، امام ظاهرة "ازدواج"، راسمالي ارضوي منقول، ورسالي لاارضوي، هو الاخر منقول، مايحضر العراق بمقابل اوربا الطبقية باعلى واخر تجلياتها الراسمالية الالية، ويجعل من هذا الموضع فريدا، وله مدلولات تحولية استثنائية، فاذا دققنا اكثر في وجوه التشابه الرافديني الأمريكي، فلابد ان ننتبه الى وقع الظاهرة "التحققية"، و "اللاتحققية"، بما هي حالات مؤقته لازمة، واضافة الى اللاكيانيه والامبراطورية ككينونه، والازدواج، يحضر النداء الأول وكانه التجربة الابتدائية العراقية ابان الدورة الأولى، وتعذر تحققه، و بقائه معلقا على مدى ثلاث دورات تاريخيه، هذا بينما عدم التحقق اللاارضوي الأمريكي متأخر، يعاني ابتداء من وطاة الراسمال المتداخل مع سطوة المنظور والمفاهيم الأحادية، مع انه يتوفر على الأسباب المادية للتحول، والتحقق المطلوب، الا انه يفتقر الى القاعدة التاريخيه البنيوية لارض مابين النهرين، هكذا تكون أمريكا حصيلة ونتاج هجرتين: لاارضوية نبوية ابراهيميه منتكسه مابين نهرينيه، وراسمالية آليه تتوفر لها الأسباب والاشتراطات في حينه، وابان نهوض اوربا، لان تخطف الكيانيه الجديده، وتسبغ علبها مفهومها ونظرتها القاصرة الأحادية الارضوية، كما فعلت للعراق بالقائها عليه صيغة " العراق الويرلندي" المركب من الخارح، المقحم، والمفبرك.
وهكذا نصير اليوم امام موضع حديث مابعد مجتمعي بيئي، تنطبق عليه تسمية "المجتمع المفقس خارج رحم التاريخ "،ينطوي على مؤشرات لاارضوية، ويمتلك الأسباب والوسائل المادية الضرورية للتحقق اللاارضوي، مابعد المجتمعي، يقابله مجتمع هو اللاارضوية البنيوية التاريخيه التي طال عليها الزمن، ولم تتمكن من التحقق، لافتقادها للأسباب المادية الضرورية اللازمة للانتقال الى مابعد مجتمعية، والى اللاارضوية، بينما يقف حاجزا وفاصلا اليوم بين الموضعين، وإمكان تفاعليتهما الانتقالية العظمى، تاخر بدء مظاهر "العيش على حافة الفناء" واحتمالية شموله العالم برمته، كما هو مقرر من "الغائية الكونيه العليا"، وقد بدات أولى العلامات البارزة الدالة عليه مؤخرا، كافتتاح وبدء طور من تاريخ المجتمعات، في الوقت الذي تكون فيه ارض مابين النهرين قد انتقلت قبل قرابة نصف قرن، الى الطور الثاني من حالة واشتراطات "العيش على حافة الفناء الثانيه"، المستمرة من مفتتح الثمانينات الى اليوم.
تاتي الولايات المتحدة الامريكيه اليوم الى ارض مابين النهرين، باحثة عن ذاتيه منتكسه مغلقة امامها الافاق،كما كانت تفعل روما وفارس، وإذ هي تسهم في تكريس حالة "العيش على حافة الفناء"، بحربين امحائيتين كونيتين، وحصار هو الاقسى المضروب على دولة في التاريخ، فتسحق الكيانيه الويرلندية الغربية الأولى، اقتناعا بتعدي الديناميات الللاكيانيه العراقية لها، مع بروز احتمالية "الإمبراطورية النفطية"، كجزء من تخبطات نظام فقد مرتكزات وجوده، بالحرب العراقية الايرانيه، الأطول بين دولتين منذ الحرب العالمية الثانيه، والتي اجهزت على فائض الريعيه النفطية، وحملت النظام النفطي العقيدي القرابي، ديونا اعادته مجددا الى نقطة البدء، حيث فقدانه الاستقلالية التي كان الريع يوفرها الريع له، كي يتحرر من المجتمع، مع كل أعباء ومترتبات وعقابيل الحرب الطويلة، ماجعله يخرج عن القواعد وثوابت مايعرف بالنظام الدولي، بقراره المعلوم الدوافع، الغاء دويلة الكويت، مع كل ماكان يعنيه ذلك من انقلاب شامل في الاستراتيجيات الغربيه والامريكيه، في موضع من العالم، هو الأكثر حساسية.
فعراق يضع يده على نفط الكويت، لايعني فقط تمددا جغرافيا، اذا احتسبنا موقع العربية السعودية ضمن الاستراتيجيات النفطية، وكمرتكز لها، وماكان سيحدث من اضطرارها الرضوخ لوطاة العراق، مع كل مايمكن تصوره من محركات كان النظام العراقي سياخذها باعتباره، او يلجا اليها من باب الاحتياط، او الرغبة في تعزيز المكانه والنفوذعدا السطوه، مع ماكانت توفرت له من خبرات اكتسبها خلال سنوات الحرب الثمانيه، وقدرات عسكرية قيل انها الرابعه في العالم، من مليون ومائة الف منتسب، وكل مامتوفر من طاقات بشرية وتاريخيه ثقافيه، لايمكن الوثوق من انها ستظل مغلقة، ولا تنتج قفزة تذكر بالموقع الامبراطوري، وكل هذا يجب ان يضع إسرائيل ونكانها ومصيرها في الصورة، كذلك شعار "الوحدة العربيه" الذي هو مبدا عقيدي للحكم، فاذا بالنفط الذي اكتشفه الغرب وقبل استعماله لاجل استمرار صيغة من صيغ " الدولة الويرلندية"، ينقلب بقوة فعل الديناميات المتعدية للويرلنديه، لاحتمالية متفوقة على مامتاح، ومايمكن ان يكون مسموحا، في مكان من العالم غير عادي، وبمنتهى الدلالة والاثر.
ماتقدم يتواقت اليوم مع اشتراطات انقلابيه امريكيه ذاتيه، هي من باب الضرورة الداخلية القصوى، كما الكوكبيه، مع بدء مظاهر انغلاق الرسالية الكاذبه المدعاة، كما فبركتها الراسمالية، وغطت بها على النداء الأصلي "سنبني مدينه على جبل"، محورة إياه، بتحويله الى رسالية خادعة، وقد غدا اليوم، ومن هنا فصاعدا، الى تهافت صارخ، بما يوميء الى انكفاءامريكي، يترافق مع وقوع العالم تحت طائلة " ثار البيئة"، الذي ان اوانه بعد قرابة ثلاثة قرون محتدمه من التعدي عليها من قبل الراسمال، في حين تشارف الولايات المتحدة على دخول طور من الاصطراع الداخلي، والانفجار الازدواجي، لن يجد حله، ويستقيم، الا مع تجديد النداء الابراهيمي الأول، النبوي اللاارضوي الرافديني المنتكس غير القابل للتحقق، والتطلع نحو الرؤية الابراهيمه "العليّة" الاخذه بالانبثاق، مع " قرآن العراق"، والانتقال الى "الأممية اللاارضوية" نواة تحقق انقلاب اللاارضوية الأعظم على مستوى المعمورة.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تظل كل النظرات الموضوعه عن أمريكيا، محصورة ضمن منظومة الجاهزية اللاارضوية بصيغتها الغربية الحديثة، لتتحول الى مايقرب من الوصفية بلا قدرة على تعدي نطاقها، بالضبط كما يحصل مع قراءات الغرب لاصل المجتمعية في مابين النهرين، حيث التوقف دون الجوهر.
وابتداء من الفرنسي توكفيل الذي كتب عن " الديمقراطية الامريكيه"قي القرن التاسع عشر، ولاحظ ميلها البارز للمساواتيه كخاصية، وصولا الى ايمانويل تود في " مابعد الإمبراطورية الامريكيه" دراسة في تفكك النظام الأمريكي"، و ميشيل بوغنون ـ موردان في " اميركا التوتاليتارية: الولايات المتحدة والعالم الى اين"، يعجز التحليل الغر بي عن العبور من ذاته الى المنطقة الأخرى التي تنتمي لها الظاهرة الامريكيه كينونة، فتتكرس المصادرة، بدل الذهاب الى الإفصاح عن المكنون.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية