تونس تنتصر.

عزالدين بوغانمي
2021 / 10 / 12

المطالبة بعودة البرلمان الذي شكّل الدّرع الدستوري والسياسي لحكم التضامن المافيوزي الخسيس بين الإرهاب والفساد. ومحاولات الغِشّ والتضليل التي تهدف لإقناع المواطنين بأنّ الديمقراطية تُساوي ذلك البرلمان، هي محاولات لا أخلاقية وستفشل فشلا ذريعًا. وسيُعزل رُوّادُها شعبيًّا لأنهم ينتمون إلى الماضي. وليس هؤلاء وحسب. بل حتّى الأحزاب التي جمّدتها مواقفها الغامضة ممّا حدث يوم 25 جويلية، ونقلتها تلك المواقف الضّعيفة من حالة الذّهول إلى حالة الشّلل، هي أيضًا مكانها في المتحف.
هنالك تغيّرات عالمية كبرى لها بالغ التأثير على المجتمعات وعلى الأفراد. وهنالك عالم جديد بدأ يتشكّل منذ سنوات، أيضا له تأثير ملموس على البشر وعلى الخارطة السياسية، هذه الرياح الجديدة هي التي أطاحت بالأحزاب التقليدية وافتكّت منها القدرة على التأثير والتعبئة لصالح جيل شبابي جديد ينتمي إلى مساحات الذّكاء. بمعنى أنّ كلّ القوى السياسية الفاسدة منها والفاشلة تأتي من الماضي. ووحدها حركات الشباب آتية من المستقبل.

أنتم شايفين الخوانجية صرفوا مليارات الدولارات منذ 25 جويلية لوقف الإجراءات الاستثنائية وإعادة البرلمان. وحول الخوانجية كل تلك الفئات المُتمعّشة من منظومة الفساد، والتي تنظر لشعبها بعين الرّيبة والخوف. تلك الفئات الحقيرة التي تعتقد أنّ الربّ اصطفاها للحكم وإدارة البلد ونهب خيراته، أما الشعب فهو في نظرها "مجرّد قطيع" يُساق بالعصا إلى حيث يُرادُ له أن يُساق. ولهذا السّبب، وانطلاقا من هذه الخلفية الجوهرية، يُهاجمون كلّ من يدافع عن شباب الثورة، ويتّهمونه ب"الشعبوية" وبالجنون. ويُطلقون وراءه الشّائعات وكلّ أنواع التشويهات لإسقاط ثقافة الانحياز للشعب.

منذ سنوات، كان واضحا أنّ معظم النّخبة التّونسية لم تفهم لحظة 14 جانفي. لم تقتنع بعدُ بأنّ ما حدث هو حركة تغيير تاريخية جارفة تجري خارج جميع الإرادات. وأنّ الدّولة، ومنظومة حكم الأقليات، ومنوال التنمية الكولونيالي، واللّصوص المتنفذين فيه المنتفعين منه، وكلّ النظام الإقليمي الذي استندت إليه هذه الدولة... جميعها وصل إلى آخر الطريق وأعلن نهاية صلاحياته التاريخية بما في ذلك الأفكار والأحزاب وحتى القيم. وهذا بعني أنّ المنطقة بِرّمتها تتغيّر مهما بدا على السّطح أن الأمور تعود إلى طبيعتها القديمة.

تونس كانت المهد الأوّل لحركة الثورة والتغيير بسبب تفرّدها ببعض العوامل المحيطية والثقافية الأساسية. ويبدو أنّه بسبب نفس العوامل، انتهت أمس موجة العفوية والفوضى والغُبار التي مكّنت الفئات الأكثر انحطاطا في المجتمع من الوُصول للسلطة بأغلبية. لتبدأ مرحلة ما بعد الفرز وسقوط الأقنعة. ويكفي تونس شرف تكليف رئيسة حكومة، وشرف تناصف الحكومة بين نساء ورجال. ويكفي ذلك تأكيدا على المساواة، بعد عشر سنوات سود من محاولات خَوْنَجَة الدولة والمجتمع.

ملايين التوانسة نزلوا إلى الشوارع في جميع المدن يوم 25 جويلية رغم الوباء والموت. ملايين زاحفة تُطالب بإسقاط منظومة الفساد. الملايين لم يتمكن المرزوقي وحمة وعصام واللّومي من إدراك مغزى تحرّكها العارم، فاكتفوا بوصفها ب"الشعبوية" و"الجنون" و"المرض" و"الانقلاب". ووعدوا بملاحقة الرئيس ومحاكمته.

سينهزم هؤلاء جميعا، وستفشل محاولاتهم اليائسة في ايقاف عجلة التاريخ. سيستمرون في المشهد كأحزاب ضئيلة العدد سخيفة السياسة. وسيواصلون تنديدهم بهذا النشيد الجماعي الوجداني الذي اندلع ليجرف أغلبية السكان وراء قيمة محاربة الفساد. الشيخ والطفل، المتدين والسوكارجي، صاحب الشّهادات العليا وغير المتعلم... الكل يشارك في نشيد الطّموح التونسي السبّاق لطرق الأبواب الموصدة. هذا النشيد الصّعب الذي يُسمع بالقلب ويُدرك بجوارح الشّعراء.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية