الحماية الكمركية لا تحمي سوق العمل

محمد رضا عباس
2021 / 10 / 12

كان من المعتقد ان فرض ضرائب عالية على الاستيرادات سوف تحمي سوق العمل لمحلي , لأنه ببساطه استبدال المنتوج المستورد بالمنتوج الوطني سوف يزيد الطلب على العمال ويزيد الإنتاج وتنتفي الحاجة من الاستيرادات , او على الأقل ينقذ البلد من ازدياد العاطلين عن العمل. بهذا التفكير شرع قانون Smoot-Hawley , في الكونغرس الأمريكي ووافق عليه الرئيس الأمريكي آنذاك Herbert Hoover في عام 1930. هدف القانون هو انقاذ البلد من الكساد الاقتصادي , والذي وصلت نسبة العاطلين عن العمل خلاله نسبة 25% , وكان من المؤمل من هذا القانون هو القضاء او تخفيف وطئت البطالة في البلاد بعد ان صعد الكونغرس نسبة الضرائب الكمركية بمعدل 60%. ولكن القانون بدلا من ان ينقذ اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية , أصبح هو السبب بانهيار الاقتصاد الأمريكي والعالمي سويتا.
التراجع الاقتصادي العظيم الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي عام 2009 ,ارجع الى الاذهان قانون Smoot-Hawley مرة أخرى , حيث امر الرئيس الأسبق براك اوباما ادارته بمراجعة الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة الامريكية وكندا والمكسيك (NAFTA) , ومعاهدات تجارية أخرى , فيما اتخذت بلدان مثل روسيا , الهند , واندونيسيا قرارات برفع معدل نسبة الضرائب على استيراداتهم , وتوعد الرئيس الفرنسي نيكولز ساركوزي الى حماية الشركات الفرنسية من المنافسين الأجانب.
الا ان التحرك نحو زيادة معدل نسبة الضرائب على الاستيرادات جوبه بالرفض من قبل الأكاديميين في القارتين الامريكية والأوروبية. فقد كشفت دراسة اعدت من قبل اقتصاديين من جامعة Stanford , هو ان مجرد الحديث عن الرجوع الى عهد الحماية الكمركية أدى الى ارباك الأسواق العالمية وتذبذبات في الأسواق الأوراق المالية واخاف المستثمرين , وعلى ضوء هذه الدراسة تراجع الكونغرس الأمريكي من اصدار قرارات تدعوا الى المواطنين الأمريكيين شراء البضائع المصنعة محليا بدلا من المستوردة (Buy America).
الاتفاقات التجارية العالمية الواسعة وتأسيس منظمة التجارة العالمية (WTO) سوف لن يسمحوا من بعث قانون Smoot-Hawley من قبره مرة أخرى , وان الدول الصناعية الكبرى سوف لن تسمح لاي منظمة عالمية من ارجاع الاقتصاد العالمي الى زمن الكساد الاقتصادي الذي ضرب العالم في الثلاثينات من القرن الماضي. العالم تغير والنظرة الى التجارة تغيرت الى درجة ان حتى أعضاء البرلمانات في الدول الكبرى لا يسمحون لقادتهم من فرض ضرائب جديدة او وضع موانع على مرور البضائع بحرية.
قيادات الدول الكبرى وصلوا الى قناعة ان شركاتهم الإنتاجية العملاقة لا تنتج للسوق المحلي فقط وانما أصبح لها فروع إنتاجية حول العالم , وان البعض منها أصبح لها شركاء في الدول المضيفة , وأصبح عند هذه الشركات قوة هائلة لمنع أي تحرك سياسي نحو فرض عقبات امام التجارة الحرة. شركات صناعة السيارات الامريكية على سبيل المثال , لديها فروع انتاج في دول عديدة مثل اليابان , كوريا الجنوبية ودول أوروبية أخرى. وعليه سيكون من غير المعقول فرض موانع امام الاستيرادات من هذه الدول. لهذا السبب فان شركات السيارات الامريكية طلبت من الحكومة الاتحادية مساعدات مالية وليس فرض ضرائب عالية على استيراد السيارات من الخارج خلال الركود الاقتصادي العظيم عام 2009.
تصدق او لا تصدق , ان التراجع الاقتصادي لعب دورا إيجابيا على التجارة العالمية , لان في زمن التراجع الاقتصادي تقوم الشركات الخدمية والصناعية بالبحث عن أسواق خارج حدودها الجغرافية من اجل تسويق منتجاتها , وهذا ما أخبرنا التاريخ عنه. ان اتفاقية NAFTA وطاولة ير وكواي المستديرة Uruguay Round, المسؤولان عن تأسيس منظمة التجارة العالمية قد جاءت وسط الركود الاقتصادي الذي ضرب العالم في أوائل التسعينيات من القرن الماضي , فيما ان الصين وتايوان قد اضما الى منظمة التجارة العالمية خلال فترة انهيار الأسواق المالية في القارة الأسيوية.
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جرب حظه مع فرض الضرائب على البضائع الصينية , ولكن هو الاخر فشل مرتين. المرة الأولى , هو رفض شركات أمريكية عملاقة مثل شركة صناعة المشروبات الغازية والكحولية , شركات صناعة المكائن الثقيلة , وشركات البناء من فرض ضرائب على صادرات الصين من الحديد والألمنيوم , لان فرض الضرائب على هذه المواد سوف يزيد من كلف الإنتاج في الولايات المتحدة , ويقلص الأرباح , ويجعل الإنتاج الأمريكي ضعيف امام المنافسة العالمية. والثانية , هو قرار الصين وقف استيراداتها من المنتجات الزراعية من الولايات الزراعية والتي تعتبر مراكز قوة للحزب الجمهوري , حزب ترامب , وكان سببا في خسارة مقاعد مهمة للحزب في هذه الولايات. وفي الأخير تصاعدت الصادرة الصينية الى الولايات المتحدة الامريكية بدلا من انخفاضها , وخسر ترامب الرهان.
لا مجال الان بالرجوع الى العهود الماضية , زمن تشجع الحكومات على التصدير وتحارب الاستيراد , لان الساسة والاقتصاديون في ذلك الزمن كانوا ينظرون الى التجارة الخارجية على انها لعبة رياضية , فيها رابح وفيها خاسر , وكانت تنظر الى الصادرات على انها عملية ربح تجلب الذهب والفضة الى خزينة الدولة. هذا التفكير قد انتهى ولا أحد يجرى على التحدث به الان, لان مئات، بل الالاف الدراسات قد اثبتت ان التجارة الخارجية لعبة يربح فيها الاثنين , البائع والمشتري.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية