أقنعة المبدع_ السعيد عبدالغني

السعيد عبدالغني
2021 / 10 / 12

نرتدي الأقنعة لكي لا نواجه الآخرين بحقيقتنا.ونوازع الأمر كثيرة ربما خوفا من فقدانهم ،وربما خوفا من تجريم وجودنا بجوارهم، وربما خوفا عليهم من صدمة الاختلاف الكبيرة بيننا وبينهم وربما خوفا عليهم إن كانوا يمسونا عائليا من نظرة المقيدين لهم.وإن كنت على علم بسيكولوجيتهم وبمعارف أكبر عنهم وعنك فهذه هي المأساة.أي إن كنت كاتبا وتخفي أفكارك وتستخدمها بتبطين في شكل شخوص ولا تَسَلم أيضا من النعت بهويات شخصوك الخيالية بالنسبة لهم،الحقيقية بالنسبة لك.

نرتدي الكثير من الأقنعة أمام عائلتنا، أمام المجتمع، أمام الذات، أمام دور النشر والكُتاب الآخرين.. والخ،أمام كل ما يمثل سُلطة ممكنة أو له خاطر شعوري لدينا أو لديه منفعة شخصية لنا.

القناع أمام العائلة :
هو أصعب الأقنعة وأشدهم ثقلا على وجهنا، لأن التصريح بالهوية ممكن أن يتم إلى طردنا من البيت،إن لم يكن لدينا عملا يكفل لنا سكنا وحياة.وفي هذا العالم المقيد إن صرحت بهويتك لن تجد أحدا بجوارك ولا أحدا يدعمك ولا أحد يقبل أن يشغلك.

وقد حدث معي ذلك ولم أكن أشعر بذنب مِن ما في رأسي بل كنت أشعر بقدسية حريتي وقد كلفني ذلك الكثير ،الضرب والسباب والنبذ والتحقير في النظرات والنعت بالكسل والفراغ.والآن أفكر ماذا لو كنت أخفيت كل هذه الأفكار عن الدين والحريات أمامهم،وماذا كنت سأجني من دعم أو بشكل آخر كنت بطنت آرائي بمغلفات لا ترك الموروث ونقده كله.

وأسباب هذه الحرية في نظر المقيدين أنها رغبة في الاختلاف والظهور وإن كانت رغبة في ذلك فهذا المبدع الحر كان ممكن يستخدم نشاطه الإبداعي فيما يتناسب مع مجتمعه ويكون أكثر شهرة وأكثر تأثيرا وأكثر ظهورا.

المشكلة أن هذا القناع له مبررات من الذين يلبسونه وهي العلاقة العاطفية الطفولية مع أفراد العائلة وأهمهم الأم فأتذكر بعض الناس في قريتي قالوا لأمي أني ملحدا وقد أحدث ذلك بلبلة ووصلت إلى حد الإغماء عليها واصفرار وجهها تماما.والذي قال لها ذلك لم يكن ينوي سوى إيذائها ومعايرتها ليس لخوف عليّ إن كان هذا مدعاة خوف من الأساس.

يتم النعت من أقرب الناس لك بيولوجيا بالشيطنة والحقارة والجنون والكفر وإن كُنت ذات رهافة سيؤثر ذلك عليك وتغرق في متاهات التبرير ومحاولة تبرير إنسانيتك ومحاولة إفهامهم إنسانيتهم.وكذلك في الكآبة الإضافية على كآبة الفكر وعدمية الحياة ولامعناها، فالطاقة المبذولة في ذلك عظيمة جدا والطاقة الممتصة من النبذ تقريبا هي كانت كل الطاقة التي لدي. فإن حاولت إقناع عقلك بأن ذلك جهل لن تستطيع إقناع شعورك بالأمر ،فالكثير الكثير من الأفكار لا يعترف بها الشعور، ولا يتقبلها ويغرق في جلد ذاته بحقارته .

القناع أمام المجتمع :
إن جهرت بفكرك المختلف والمخالف لكل السائد والأعراف سيصنفوك في خانة المجانين والملحدين والكفار،والتصنيف ذلك من أبشع التصانيف في المجتمع الإسلامي،كونه يتبعه إهدار لحياتك ودمك فالنصوص واضحة في معاملة الكفار والمجانين واستلابهم حقوقهم بفرح تحقيق الأمر الإلهي.


ضِف إلى ذلك الوحدة التي كلفها لك وعيك والتي تجعل الناس تنفر منك وتبعتد عنك حتى أصدقائك الذين كانوا يشاركونك كل شيء حتى اختلفت ونقدت كل شيء يؤمنون به ـفمرة كنت أدخن الحشيش حتى قال لي بعض المشاركين "أنت ملحد،نحن نفعل كل شيء ولكن لا نقترب من الله"وتشاجرنا لدرجة أني مسكت لياقة أحدهم ومسك لياقتي وهو لا يعرف نظرتي للأمر ولا لله بل كل ما يعرفه هو البوستات التي أقوم بكتابتها على الفيسبوك فيها لفظ الله بدون حمد وثناء.

وأتذكر بعض الحكايا التي قيلت لي من أصدقاء حقيقيين خالفوا السائد والعرف بأن القرية حكمت عليهم في المسجد بالكفر وأقاموا خطبة كاملة عنهم.رغم أن كل الأفعال الشيطانية التي ينعتونها بذلك يقومون بها هم أنفسهم من مثلية وجنس خارج الزواج والخ،لكنهم يقومون بها بتبرير ديني ليس تبرير حرية حيث الدين تسمح نصوصه اللولبية بتبرير كل شيء.

والمجتمع الذي ينبذ كل الأفعال التي يظنها محرمة يقوم أناسه بفعلها بشكل كبير جدا،رغم هذا التحريم الكبير ،ولا يقوم بها حتى الناس العادية بل الشيوخ.

تم النظر لي باحتقار وتم الابتعاد عني وتم غلق أبواب البيوت في وجهي من آباء أصدقاء والقول لهم بأني غير مرحب بي في بيتهم، لهذه الحرية الحرة والعارية.

الآخر مشارك في وحدتي وفي هواجسي مهما ابتعدت ومهما كنت متوحدا ومهما انعزلت.والذي يؤكد ذلك أن أحلامي وقسط منها يدور حول صلبي ورجمي.

القناع أمام دور النشر والكُتاب الآخرين :
هذا القناع الذي يواجه المنفعة الشخصية والتعبير فلا تجد بسهولة من ينشر لك ويجب إن لم تكن ذا سمعة جيدة أن لا تكون ذا سمعة سيئة فالأفضل أن تكون مغمورا.

وفي هذا المجتمع العربي لا يتم التعامل مع النصوص على قدر جودتها بل على قدر كاتبها وإن كنت حرا ومجاهرا، فذلك سيؤذيك في النشر لتكتمل وحدتك ولينطمس إبداعك فإيجاد الأحرار في هذا المجتمع السلطوي المقيد يشبه البحث عن معنى للحياة.



القناع أمام الذات :
هذا هو أخطر قناع وأكثرهم مأساوية وأكثرهم تشويها لملامحنا الحقيقية لأنه إن لبسه الكاتب أو المبدع الحر بالعموم سيؤثر على إنتاجه وسيؤثر على مصداقية ما يقدمه وسيعيشه في مفارقات كثيرة وتضادات كثيرة بين مفاهيمه.وإن تم لبسه لفترة طويلة يصبح له دلالة تاريخية فيه وسلطة عليه.فهو يمسخ مفاهيمه كلها ولن يعبر بحرية بل سيعدل دوما على كل ما يكتبه ليدخله الإطار ويهذبه.

ولكن القناع يولد قناعا حتى تذهب الهوية الحقيقية ولكني لا أتحدث عن مفهوم الهوية هنا الضائع بين كل هذه الأقنعة بل عن سوسيولوجيا الأقنعة.

فإن لبست قناعا وأنا وحدي،في رأسي،على ورقتي،فهذا له نازعين إما الاستلاب وقهر الأقنعة الأخرى، وإما لعدم قدرتي على مواجهة ذاتي الحقيقية التي بشّعها المجتمع والآخر والعالم وخوّفني تارخي النفسي منها.

لا ألبس الأقنعة ولا أُخرس لساني إلا لسبب فكري بعيد عن الخوف من ما سألاقي،وهو عدمية كل شيء التي تفرد أحيانا ما يسمونه بالتهور في الدفاع عن أشخاص حتى هم بالنسبة لأنفسهم مذنبين ومجانين ووسخين.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير