الاسعار تتصاعد حول العالم ..فما هو السبب؟

محمد رضا عباس
2021 / 10 / 8

انه التضخم المالي , وسوف لن يعفي أحد من الدول بالمرور بها , سواء كانت هذه الدول صغيرة او كبيرة , صناعية او غير صناعية , وكان هذا هو المتوقع بعد ان شهد الاقتصاد العالمي تعافي سريع بعد وجع سريع في النصف الأول من العام الماضي. الدول غير الصناعية سوف تستورد التضخم المالي من خلال دفع فاتورة استيرادات اعلى من السابق. اما الدول الصناعية فان التضخم المالي سيظهر نتيجة ارتفاع الطلب الداخلي والخارجي على منتجاتهم. في الولايات المتحدة الامريكية صعدت نسبة التضخم المالي في شهر اب الى نسبة 5.3% وهو الأعلى منذ عام 1982. هذا الارتفاع في الأسعار كان له سبب وهو الكرم غير المعهود من الحكومة الفيدرالية الى المواطنين , حيث بلغت المصاريف الحكومية ما بين مساعدات للمواطنين والاعمال وما يصرف على البنى التحتية حوالي 13 ترليون دولار, وهو مبلغ يعادل نصف الإنتاج المحلي الأمريكي لعام 2020. لنفس الفترة , صعد التضخم المالي في المملكة المتحدة الى 3.2% في شهر اب وهو أكبر ارتفاع لأي شهر منذ كانون الثاني 1997, وفي تركيا الى 19.25% , وفي المانيا الى 4.2% وهو ضعف ما توقعته الإدارة الحكومية في شهر اذار, وفي البرازيل 8.4%, الهند 5.7%, بنغلاديش من 5.36% في تموز الى 5.54% في اب , وفي روسيا صعد معدل الأسعار الى 6.7%.
بطبيعة الحال , ان الأسعار لا تتصاعد بنسب متساوية. بالحقيقة , هناك حالات تنخفض أسعار بعض السلع , فيما ان أسعار بضائع أخرى تتصاعد , ولكن في المعدل , يضطر المواطن بدفع أسعار للبضائع والخدمات التي يشتريها اعلى من السابق. تأثيرات التضخم المالي معروفة , حيث منها سلبية خاصة على المواطنين أصحاب الرواتب الثابتة , المدخرين , المتقاعدين , و المصدرين, فيما ان ارتفاع الأسعار مرحب بها من قبل أصحاب الاعمال , لإنها تزيد من ارباحهم في الأمد القصير , وكذلك فصيلة المقترضين. فلو كان هناك مواطن اقترض قرض عقاري بفائدة قدرها 8% , وان معدل الأسعار صعد الى 5% فان سعر القرض العقاري الحقيقية سوف لن يكون 8% وانما 3%.
نظريا , ان مصادر التضخم المالي هي اما ارتفاع الطلب على السلع والخدمات او بسبب ارتفاع أسعار المواد الدخلة في الإنتاج. على سبيل المثال ارتفاع أسعار المعادن هذه الأيام في الأسواق العالمية يؤدي الى ارتفاع كلف المواد المصنعة منها. كما وان ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية كان أحد الأسباب في ارتفاع الأسعار في الدول المستوردة منه. لكل نوع من التضخم المالي له معالجات خاصة. ففي النوع الأول تحتاج الإدارات الحكومية الى تقليص مصاريفها او رفع نسبة الضرائب على المواطنين والاعمال من اجل تبريد حرارة الأسعار (تقليص الطلب الداخلي) , فيما ان النوع الثاني قصير الاجل ويتطلب من الحكومات البحث عن طرق جديدة لزيادة الإنتاجية او استخدام مواد بديلة للمواد المرتفعة الثمن.
لا يشكل التضخم المالي مشكلة كبيرة على الاقتصاد الوطني إذا لم تستمر الأسعار بالارتفاع لفترة طويلة. لان استمرار ارتفاع الأسعار سوف يؤدي الى افراغ جيب المواطن , ويصبح الفقير أفقر. بالحقيقة , استمرار التضخم المالي يؤثر على جيوب الجميع , وعندما تصل نسبة التضخم 1000% , يصبح الميسور فقيرا. هذه المشكلة تعاني منها فنزويلا حاليا بسبب الحصار الأمريكي , كما فعلتها سابقا مع السلفادور والعراق. الذين من اعماري يتذكرون ما أصاب موظفي الدولة العراقية من مصاعب مالية خلال فترة الحصار العالمي , حتى اضطر رب العائلة بيع شبابيك وابواب غرف البيت من اجل تامين غذاء او دواء لآهل بيته. لقد كان الطفل يموت بسبب نقص الادوية من الممكن شرائها من صيدليات الدول المجاورة. في تلك الفترة المظلمة انتهت الطبقة الوسطى من العراق , وأصبح الجميع (الا قليل) من الفقراء.
الخطر من التضخم المالي هو استمراره , لان استمراره يسبب بفقد ثقة المواطن باقتصاد بلاده وبعملته الوطنية. المواطن سوف لن يشعر بالارتياح وهو ذاهب الى السوق صباحا لشراء رغيف خبز ليجد ان أسعاره قد تضاعفت بين ليلة وضحاها , وهذا ليس غريبا عن كثير من البلدان. المواطن سيضطر بتحويل ما لديه من نقود الى شراء العقارات او المعادن الثمينة مثل الذهب. ولا ننسى ان استمرار ارتفاع الأسعار سوف يؤدي الى ازدهار سوق المضاربين والذين يشترون الأشياء الثمينة في مثل هذه الأوقات وبيعها في أوقات الرخاء المالي. وأخيرا , سوف يفقد المواطن الثقة بعملة بلده ويصبح مضطرا بتعامل مع عملة أخرى , كما جرى في العراق خلال فترة الحصار, حيث ازدهر سوق الدولار الأمريكي فيه.
لا يتوقع الاقتصاديون استمرار التضخم المالي الحالي طويلا , لان مصدره هو شحة المواد الأولية في الاسوق , وعند الانتهاء من هذه الشحة سوف ترجع الأسعار الى عافيتها او استقرارها. انهم يوعظون ان ارتفاع الأسعار بنسبة معقولة من الممكن ان يتحملها المجتمع إذا استطاع الاقتصاد الوطني من توفير فرص عمل كثيرة , وهذا ما جرى في الولايات المتحدة الامريكية , حيث استطاعت الإدارة الامريكية من تخفيض نسبة البطالة من 30% في اذار 2020 الى 5.2% في اب 2021.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا