رحيل .. هيكل .. الأهرامات ..

عصام محمد جميل مروة
2021 / 10 / 7

من البديهي عندما تأتي ذكريات حرب اكتوبر المجيدة في السادس من شهر اكتوبر تشرين الأول من كل عام بعد تاريخ سنة 1973 التي تم تجسيد وتكريس ادب الإنتصار وإن لم يستسغه البعض وربما الكثر . لكن محمد حسنين هيكل كان من افضل اللذين منحوا شهرة واسعة عن اضواء تلك المرحلة الدقيقة التي عاشتها وذاقت حلاوتها ومرارتها في آن وقالب واحد . الصحافة في حياتنا هي اداة نتعامل معها من حيث لا ندرى ، اهم انجازات مصر ونصرها المجيد لم نكن نتعرف عليه لولا تصريحات ذلك العملاق وصاحب اكبر خزان من المعلومات عن الحرب وعن السلم منذ بداية تحديد اعطاء الحرية الكاملة للصحف لكى تفضح المستور وتقدم التجدد في حداثة حتى وإن وُصِمت فوضوية كاتب هنا وصحافي هناك .
لم يكن فقط كاتباً صحافياً بل كان أديباً وإعلامياً من الدرجة الاولى ودبلوماسي ما بعدهُ محاور بالكلام منذ سنوات الغضب الناصري والذي لازمهُ حتى في الحرب من النكسة ثم الهزيمة الى رحيل الهرم الرابع على حد تعبير الشاعر السوري والعربي نزار قباني . عندما هجاه، ثم عندما رثاه . واسماه الهرم الرابع ( جمال عبد الناصر). وعاصر هيكل السادات كمستشار يقرأ لَهُ ما يصلح للمرحلة من التنبه لها ومع اغتيال السادات في ذكرى عبور الحرب قال هيكل (عبر الى الخالق بلا عودة الى نصائحي) ؟!. كما كان الرئيس حسني مبارك قد جعلهُ في خانة المتهم من خلال الدعاية الإعلامية والتي كانت الرئاسات والعهود الثلاثة "" الناصرية - الساداتية - المباركية -"" !؟. قد منحتهُ فرصة رئاسة تحرير جريدة الأهرام التي كانت شبه رسمية وموالية للحقبات من حكم الرؤساء الثلاثة، ولكن الاستاذ هيكل كان لَهُ مزاجاً واتجاهاً اخر بعيد عن الاضواء حيث الثقافة والفن والسياسة وكانت رؤيتهِ الثاقبة واهمية فتح الابواب امام الجميع تحت عنوان الثقافة في متناول الجميع . قد قربتهُ اكثر من الكتاب والروائيين نجيب محفوظ ومحمود عباس العقاد وتوفيق الحكيم وام كلثوم، التي كانت لا تغيب عن مقالاتهِ في عز الحرب ، وجعل من مكاتب جريدة الأهرام مقراً ومنتدى وملتقى لكل المثقفين من مصر ولبنان وسوريا وفلسطين والعراق . كان الصحافيون "" علي أمين -ومصطفي أمين -واحمد بهاء الدين-"" كانوا ربما في تنافس مهني معهم، وفيما بينهم، برغم وجود بعض الإشارات من هنا وهناك عن علاقة المخابرات المصرية والموساد وحتى ال سي اي آيه ؟! وبرغم تلك الإشاعات لم يعطها هيكل اهميةً . وذلك في سبيل سيرهِ الصحافي المستمر والانتحاري بين الألغام والهالة الكبرى من تخبط العالم العربي .وللصحافة في رأى هيكل هي صِمَام الأمان للشعوب والتي تتعرف على ثقافتها من خلال القراءة وكان يقول دائماً بلا صحافة ليس هناك اي بصيص امل للمعرفة الحقيقية .. وحدد في فترةٍ زمنية لا بأس بها بعد النكسة وتراجع عبد الناصر عن إستقالتهِ الشهيرة وكأنها هي النكسة بحد ذاتها الأساسية !؟. وكتب محمد حسنين هيكل عن كيفية الالتزام للضباط الأحرار من الذين صنعوا تغيير تاريخ مصر من حكم الملك فاروق الى سلطة الشعب والعسكر . وكان اللواء والمشير وأول رئيس لجمهورية مصر العربية محمد نجيب قد انفرد في قراراتهِ الحماسية في قضية "" العداء للسامية ولليهود"" ، مما اضطر قيام زملائهِ ان يعيدوا النظر في استقالته وتعيين مكانه ضابطاً اخر ، وللبكباشي جمال عبد الناصر شخصيةً كارزمية قد حولتهُ الى (معبود الجماهير).
وظل هيكل يلعب دور الناصح والمستشار والاعلامي ومن موقعهِ في وزارة الإرشاد القومي والتي منح من خلالها إعطاء وإطلاق الحريات للصحافة في مصر والدفاع عنهم وعن قضاياهم واعتبارهم خارج الاتهامات التي كانت المخابرات، ومقص الرقيب الإعلامي يفعل فعلهِ في الإعتقال لاصحاب المقالات التي تنتقد الزعامات في الدولة وزجهم في السجون..
ولهيكل علاقات دولية مع صحافة الغرب وذلك للأهمية للأدوار وللكتابات التي كانت تنقل وتترجم لَهُ في الصحف الامريكية- والإنجليزية - وعلى صفحات جريدة "" الفيغارو الفرنسية "" ، وحتى لم تكن محطة فضائية كانت الا ولكي تشرع مصداقيتها لا تكتمل ألا مع وعند "" إستجواب عميد الصحافيين العرب "" ، وحتى كانت وصارت محطة الجزيرة التي تبث من دولة قطر قد قدمت برنامج (كلام في السياسة) والذي جذب كثيراً من المشاهدين على شهادة محمد حسنين هيكل على العصر الصحافي !؟. الذي كان قد ساهم وشارك ببنائهِ العملاق وارتبط بهِ ومعهٌ منذ سنوات ما قبل الأحتلال الصهيوني الى ارض فلسطين وفي كتاب (زيارة جديدة للتاريخ) كان هيكل قد التقى الكثيرين من الزعماء والرؤساء والفلاسفة ومن الملوك، وشاه ايران ، قبل الثورة .ولكنني حسب ما وجدته ولقيته وقرأتهُ عن تلك السِيّر الذاتية لأولئك الزعماء ، كان العالم "" والفيلسوف الفريد أنشتاين "" ، صاحب النظرية في الجاذبية والنسبية قد اجتمع معهُ مختلياً في جامعة أمريكية في نيويورك في نهاية شهر ديسمبر كانون الاول من سنة 1952. اي بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار مباشرة ، وكانت بعثة مصرية قد سافرت الى الولايات المتحدة الامريكية لأطلاع الرأي العام الامريكي عن منجزات التحول الجذري ، والذي كان هيكل في بداية وعيه الصحفي ، وعند المحادثة كانت الثورة التي أنجزتها ثلة من ضباط احرار مصر قد وصلت اليه اي لألفريد أنشتاين عبر قنوات مخابراتية من المعلومات وسأله أنشتاين !؟ عن ماذا أنتم فاعلون، هناك بأهلي اي هل سترمون اليهود حقاً في البحر؟!. ومن ذلك اليوم عمل هيكل على كشف وفضح كل ما يمكنهُ القيام به في الكتابة الصحفية عن اليهود، وعن العرب، وعن الأقباط، وعن الغرب ،وعن النكبة ،وعن النكسة، وعن العبور، وعن السجون ،والاعتقالات ،وعن الأغتيالات ، وعن النفط . ولهيكل آراء قد طرحها على جمال عبد الناصر في سنوات مابعد النكسة من تشكيل وتجمع دول عدم الأنحياز ، والذي لعب ناصر دوراً طليعياً في تأسيسه مع الرئيس "" جوزيف تيتو اليوغسلافي - والذي كان عضواً في معسكر حلف وارسو والاشتراكي تحت غطاء الاتحاد السوفياتي "" ، كذلك" جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند" ، ورؤساء في بعض الدول في افريقيا والزعيم نيكروما. ولكن ارشادات هيكل لناصر كانت لا تأخذ فعاليتها وذلك من تداعيات الحروب والتي كانت أقوى من أفكار ناصر وتجمعه في حلف متواضع يفتقد الى كل شيئ،!؟ وهيكل وقلمهِ وبنفس الهمة والثقة التي جعلت مِنْهُ كاتباً لا ينام ولا ينهزم ولا يسمح لنفسهِ بأن تكون الأحداث بعيدة عن قلمهِ . ولقد كتب عن الربيع العربي "" بصراحة "" لا تمت بصراحتهِ عندما كان( عاموده ) ، اليومي في جريدة الأهرام.
وكان الشاعر الساخر احمد فؤاد نجم قد كتب قصيدة ساخرة يهجي بها هيكل ، وقد غناها المطرب الشيخ امام، وقدمها كرد على اعتقال الأمن المخابراتي المصري لكل من نجم وأمام وعزة بلبع ، ورفاقهم وباقي المجموعة التي غنت ضد الطغيان وقد شكلوا ثنائي في غناء ثوري كان يعرف تداعياته الراحل الصحافي محمد حسنين هيكل .
تقول كلمات القصيدة!؟
بصراحة يا أستاذ ميكي..
إنك رجعي وتشكيكي..
قاعد لا مؤاخذة تهلفط..
وكلامك رومانتيكي..
ولا ناوي تبطل تكتب..
بصراحة كلام بولوتيكي..
والأيام كانت وما زالت شاهدة على التاريخ المهني الممييز الذي تركهُ لنا كقراء لكى نعرف الحقيقة .

عصام محمد جميل مروة ..

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية