فيلم- الإصلاح الأول - يعكس الصراع بين الشك واليقين في قضية الايمان!!

علي المسعود
2021 / 10 / 6

أنجز الكاتب و المخرج " بول شريدر " على مدار الأربعين عامًاالماضية أفلامًا مميزة والتي يمكن توصيفها بأنها من أجرأ الأعمال التي قام بها أي مخرج أمريكي آخر في هذه السنوات الأربعين، ولكن افكار هذا المبدع وأفلامه لم تجتذب الدولارات الى خزانة شركات الانتاج التي يهمها الربح قبل أي شئ ولا يهم مقدار التقديروالإعجاب الذي يحظى به الشريط السينمائي ، ورغم ذالك ، ظل "بول شريدر" مشغولاً في صناعة الأفلام ، فيلمه "الإصلاح الأول" الذي يعد من أبرز الأعمال الفنية الرائعة التي أنتجت عام 2018 من تأليفه وإخراجه ومن بطولة "إيثان هوك" بالاشتراك مع" أماندا سيفريد" و"سيدريك ذا انترتينر" والذي يستعرض فيه قصة كاهن بروتستانتي في حالة حرب مع إيمانه ، ويواجه شكوك حول الإيمان والأخلاق في الوقت الذي يخدم فيه كقس في كنيسة تاريخية. الفيلم تصدّر قائمة أفضل عشرة أفلام للعام من قبل العديد من النقاد ويذكرنا بالأفلام الأولى للمخرج الشاب المتمرد وهو المولود في ميشيغان لأسرة متدينة بروتستانتية ذات أصول هولندية. وقد تأثر كثيرا في حياته المبكرة بالمبادئ الدينية الصارمة وتعاليم والديه. حصل شريدرعلى بكالوريوس الآداب من "كلية كالفن"للفنون الجميلة بألاضافة الى دورة في دراسة اللاهوت. ونال درجة الماجستير في الدراسات السينمائية من جامعة كاليفورنيا. فيلم "الإصلاح الأول " دراما دقيقة مذهلة ومعتمة في نفس الوقت تكشف أزمة الكاتب والمخرج "بول شريدر" في مسألة الايمان وهي قضايا كانت قد أشغَلته منذ بداية مشواره السينمائي وسعيه المستمر من خلال أفلامه في التعبير عن هواجسه الذاتية في البحث بعُمقً في القضايا الإيمانية لدى شخصيات مُعذّبة ومرهقة وتعاني من فَرط الشكوك والحيرة والامتعاض ممن هم حولها وتتصارع دواخلها نفسياً في مسعاها المستمر نحو الخَلاص ، في فيلمه "الإصلاح الأول" او في عنوان آخر "التائب الاول"، الشخصية الرئيسية كاهن (إرنست تولر) ويقوم بأداء دوره (إيثان هوك) الراعي في كنيسة تقع فى نيو إنكلاند شمال ولاية نيويورك يواجه أزمة إيمان ، حيث يخرج (إرنست تولر) عن السيطرة بعد مواجهة كبيرة وجدال محتدم مع ناشط بيئى قلق ومتطرف حين طلبت زوجته ماري(أماندا سيفريد) وهي إحدى رعايا تول أن ينصح زوجها مايكل (فيليب إيتنجر)وهي حامل والزوج رافض المولود الجديد ، لأنه زوجها مايكل يعتقد أنه من غير الأخلاقي إحضار طفل إلى هذا العالم الملوث ، تتغير معالم حياة الكاهن "إرنست تولر"ويتحول مجراها بَعد أن وَصل إلى مرحلة من الانهيار الروحي تجاه ما يَشهده هذا العالم من آفات إنسانية وبيئية وزيف سياسي وتخاذل إجتماعي ليتفاقم ذلك كلّه مع دخول "ماري" (أماندا سيفريد) الإمرأة المتدينة الى حياته. تقدم الممثلة"أماندا سيفريد " أداءً رائعًا بدورماري الحامل (ليس هناك ضرورة للتكهن بأن "ماري" ربما لا يكون اسمًا عرضيًا لهذه الشخصية) ، والتي تلجأ إليه من أجل إيجاد حلول لقضايا إيمانية تزهق روح زوجها، العالم البيئي المتطرّف والذي يَحمل نظرة متشائمة تجاه هذا العالم أيضاً وبرغبته الملحة في إجهاض زوجته لجنينها من أجل تخليص هذا العالم من آفاته التي كانت نتيجة التكاثر البشري الغير محكوم سيطرته. ليدخل الكاهن بموجبه هذا المنعطف من الإصلاح بموازاة ما يُعانيه هو الآخر من اضطرابات راهنة، يقضي الكاهن ليالي في بيته في الكنيسة مع زجاجة ويسكي ودفترمذكرات يسجل فيه أفكاره في محاولة للسيطرة على الحزن والاضطراب الذي يصيبه وتصبح اليوميات سجلاً لانهياره ، حيث تتحول الكآبة التأملية إلى اليأس . ويتبع القس المضطرب إرنست تولر (إيثان هوك) وهو يخوض أزمة إيمان ناجمة عن تقصير الكنيسة في إدارتها للعالم الطبيعي في مواجهة تغير المناخ العالمي . الشاب اليائس الذي يعتقد أنه من واجبه الأخلاقي إجهاض طفله الذي لم يولد بعد وقضاءه بعض الوقت في نقاش مع القس مايكل تولر بأن الله يعترض على تدمير الإنسان للعالم ، مما يضعه في موقف حرج مع الرأسمالي الجشع " إدوارد بالك " رجل الصناعة والملياردير ويقوم بدوره الممثل مايكل جاستون وهو صاحب شركات( بالك) المسؤول الاول عن تلوث البيئة لكنه سخي في تبرعاته للكنسية والذي يشعر القس تجاهه بأعمق ازدراء . ويشعر تولر بشكل متزايد بأنه غير قادر على غض الطرف عن هذه الشراكة غير المقدسة بين الدين واليمين الأمريكي . تدهور حالته الصحيه والتي تصل الى حالة تبوله الدم ممايجعله يشتبه في إصابته بمرض خطير، وكذالك الغضب من التراجع والتهميش الذي يشعر القس به والذي يأتي من رؤسائه في الكنيسة ، يحاول رئيسه الكنسي والراعي للكنيسة (أداء رائع لسيدريك ذا إنترتينر) والساكت عن قول الحقيقة بخصوص جرائم الرأسمالي صاحب مصانع بلوك في تلوث البيئة ، يحاول رئيسه إقناعه والخروج به من حيرته وحزنه وكآبته، وطلب من القس مساعدته في التخطيط للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 250 لكنيسته. وفي مشهد طويل ومذهل في وقت مبكر من الفيلم وهو مشهد يذكرنا بمهارات شريدر ككاتب ، يناقش الشاب(مايكل) المهتم بالبيئة والقس تولر الطرق التي تقوم بها البشرية بسرعة بنهب الأرض والآفاق المستقبلية القاتمة لكوكب الأرض . بينما يحث القس على أنه لا يزال هناك الكثير من أسباب الأمل ويحاول التخفيف من قلق وتخوف مايكل، لكنه تأثر بكلمات مايكل بقدر تأثره بالعكس . يزداد هذا الموقف خطورة عندما أخبرت ماري القس تولر أنها اكتشفت سترة ناسفة صنعها مايكل . ولأن العالم يبدو متجهًا نحو كارثة طبيعية ، لذا إستغل المخرج بول شريدر الوريد الوحيد الذي يمكن أن يوفر الراحة. على الرغم من أن شريدر لا يحاول أن يفترض أنه يمكننا بالضرورة تجنب الكارثة ولا يعفينا من مسؤوليتنا في نهاية العالم ودماره . عندما تفتح عيون القس القس" إيثان هوك" على الطريقة التي تنهار بها البيئة تدريجيًا ، يقع في أزمة وجودية، غير أن الحب والإيمان يسيران جنباً إلى جنب وبصرف النظر عن مدى كونهما مجردين وبصورة تدريجية ، يتمتع راعي الكنيسة القس إرنست تولر (هوك) بنفس القوة ، لكنه على الجانب ألاخر ، هو رجل مضطرب ، في الليل يشرب وحده ويبدأ في الاعتراف ببؤسه وسرعان ما نعلم السرّ ما وراء وجهه الحزين ، لقد كان قسيسًا عسكريًا سعيدًا عندما شجع ابنه الجندي على التطوع في الجيش والذهاب إلى العراق، وبعد مقُتل الابن وإنهيار زواج القس تولر وتركه محطماً ظل يعاني من عقدة الشعور بالذنب، كما إن مهمته في هذه الكنيسة هي أجزاء من التكفير عن الذنب والنكران . أما الكنيسة التي تبدو أنها تعمل على صناعة الحلي السياحية أكثر من تهذيب الأرواح - وكانت ذات مرة محطة توقف على خط السكك الحديدية تحت الأرض للعبيد الهاربين المتجهين إلى كندا. في الوقت الحاضر ، تعد بشكل أساسي منطقة جذب سياحي تعمل تحت رعاية كنيسة ضخمة أكبر يديرها جيفرز (المعروف باسم سيدريك ذا إنترتينر). الفيلم يحمل البعد الفلسفي في سرده لقضية الايمان والصراع بين الشك واليقين في قصة الايمان. الحياة بدون اليأس هي حياة بلا أمل"، كما يقول الرجل الذي كان محور"أول إصلاح". هذا التناقض يشمل العالم كما هو الحال ألآن ويقترح عالماً أفضل من أجل صنعه. أن حب شريدر لأعمال روبرت بريسون (ولا سيما يوميات كاهن الدولة) معروف أيضًا لعشاق السينما، فإن "الإصلاح الأول" يطرح بصدق السؤال الروحي النهائي، ماذا لو كانت هذه هي الجنة؟ وكيف ستكون جهنم؟. إذا كان هناك شيء معبر، فإن التصوير الملفت للنظر الذي عكس صراع رجل من رجال الدين ينقلب في هاوية روحية ، أعتبر هذا الفيلم هو أحد أفضل أفلام "بول شريدر" وأكثرها قسوة حتى الآن، عرض الفيلم لأول مرة فى مهرجان البندقية السينمائى ثم فى مهرجانات تيلوريد وتورونتو ونيويورك السينمائى، وقد حظى إشادات نقدية بارزة، ومخرجه شريدر هو صانع أفلام شهير، وكاتب سيناريو، وناقد سينمائى. و كاتب كلاسيكيات المخرج العبقري سكورسيزي ،(سائق تاكسي (1976) ، الثور الهائج (1980) و(الإغراء الأخير للمسيح) (1988).
يطرح فيلم شريدر العديد من الأسئلة ، على سبيل المثال : هل تستبعد الرحمة العاطفة ، وهل اليأس يفسد الرجاء وماذا نصنع من جموع المسيحيين الذين يغضون أعينهم يوميًا عن أضطهاد البشر؟ أو عن الاستغلال ألراسمالي الجشع للبشر؟، ولماذا السكوت الى تلوث البيئة وتدمير الطبيعة التي هي من خلق الله ؟ ، وهل الراعي الكنيسة مطلوب منه أن يكون قويا في قيادة القطيع ؟ . يطرح فيلم شريدر هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة الأخرى. رجل شريدر الوحيد في هذه الحالة هو تولر (إيثان هوك) ، قس يكتب مذكرات حياته المؤلمة والتي يبدو أنها تتحول ببطء إلى مرض يهدده . ومع ذلك ، يقع في إختبارعند طلب المساعدة من زوجين شابين ، ماري (أماندا سيفريد) ومايكل (فيليب إيتنجر). بينما ماري حامل بطفله لكن مايكل لا يتحمل إضافة شخص إلى هذا العالم ، كونه من دعاة حماية البيئة المتطرفين وأدركنا أننا تجاوزنا فترة طويلة نقطة إنقاذ الكوكب من الموت الوشيك لتغير المناخ. نظرًا لعدم تخصيص الكثير من الوقت للجدلية بين افتقار مايكل المطلق للأمل وطمأنة تولر الدينية ، سرعان ما انتحر مايكل. من هنا ، ظهر أن القس تولر ورث مستوى يأس مايكل من حالة الكوكب ، حيث أن ماري ورفاهية طفلها الذي لم يولد بعد هو المستقبل الذي يحتاج إليه لمعرفة ما إذا كان بإمكانه القتال من أجله ، الأمر الذي يأخذ به إلى مونولوج داخلي مشكوك فيه . في مهرجان تورنتو السينمائي في الخريف الماضي ، تحدث الكاتب والمخرج عن عمله في العديد من المقابلات والمناقشات، وتعليقاته - وصراحته في تأثره بإعمال كبار المخرجين وتقليدهم ، في حين أن العديد من الفنانين يبذلون جهدًا لإخفاء تلك التأثيرات على أعمالهم ، يعترف المخرج بول شريدر بمرح بأن فيلم " أول أصلاح" هو تقليد وأنه وقع تحت تاثير كبار المخرجين من بينهم إنغمار بيرغمان ، وأندريه تاركوفسكي ، وكارل دراير ، وبالطبع بريسون ويعتبرذالك بمثابة تكريم لهم ، لطالما كان فيلم "مذكرات كاهن الدولة" للمخرج روبرت بريسون فيلمًا تأثر به شريدر وبشكل رئيسيً ، وهي حكاية أخرى للواعظ الذي يحفر اضطراباته على المخطوطات ويكافح من أجل أداء واجباته بينما كان يعاني من مرض في المعدة . ومثل بطل فيلم بريسون (ورواية جورج برنانوس التي يستند إليها) فقد أصيب بطل الفيلم بسرطان المعدة. (عاش بطل بريسون على الخبز والنبيذ ؛ في حين يفضل بطل فيلم شريدر الويسكي ، ومع ذلك ، ما هو أكثر من إجلال يحدث هنا. نظرًا لأن بطل شريدر يلقي نظرة قاتمة على الحياة ، ويفكر في ارتكاب فعل متطرف كمحاولة يائسة لإيجاد الصدى والأخلاق في العالم ، ويقول في تصريح له :" شعرت بالكهرباء لأنني أحسست بوجود جسر بين الروحانية التي نشأت عليها والسينما( الدنيوية )"، وتابع شريدر"كان أهل الكنيسة يستخدمون الأفلام منذ أن تحركوا لأول مرة لتوضيح المعتقدات الدينية ، لكن هذا كان شيئًا مختلفًا. سيحدث التقارب بين الروحانيات والسينما في الأسلوب وليس المحتوى" . فيلم المخرج بول شريدر ( أول إصلاح ) يدور حول التشكيك في معتقدات القس تولر وأيمانه واختباره ، ويستحضر الكاتب والمخرج " بول شريدر" شخصيات سينمائية عملاقة أوروبية من خمسينيات وستينيات القرن القرن الماضي تناولت تلك المسألة ، مثل ثلاثية إيمان إنغمار بيرغمان . ليس من المبالغة القول إنه أعطى شريدر صورة واقعية لكاهنًا متألمًا وفي نفس الوقت مساوٍ لكاهن بريسون والمخرج السويدي العبقري بريغمان . لكن المقارنة الأكثر وضوحًا هي مذكرات روبرت بريسون لكاهن الريف اقرب الى هذا العمل الفني ، يتألم تولر في العقل والجسد والروح وغير قادر على مسامحة نفسه على نصحه ابنه بالتجنيد في حرب العراق - مات في القتال - وعانى من آلام في المعدة التي من المحتمل أن تكون السرطان. بول شريدر مثقف سينمائي من الدرجة الأولى - عندما كان طالب دراسات عليا يبلغ من العمر 24 عامًا ، كتب "أسلوب التجاوزي في الفيلم" ، وهي دراسة نقدية عن بريسون وياسوجيرو أوزو . أعتبر فيلم "الإصلاح الأول" لبول شريدر ، والذي يلعب فيه إيثان هوك ببراعة قساً وراعي الكنيسة بروتستانتيًا مدمنًا على الكحول يمر بأزمة روحية ونفسية عميقة ، فيلمًا مذهلاً ومبهجًا ، ويعتبر تتويجاً لعمل أحد أهم فناني السينما الأمريكية . وتماشيا مع أفلام شريدر الأخرى ، يبدو أن المحتوى الديني ليس مؤثرًا بقدر ما هو نداء حقيقي في وقت متأخر من الحياة !! . في هذا الفيلم ، يعود الممثل «إيثان هوك» إلى تصدّره مَرتبة متقدمة لأفضل أداء وما قدمه في مسيرته الفنية من خلال هذا الأداء الذي يتّصف بالإجادة عن طريق نقل الحالة الذهنية والنفسية والجَسدية لكاهن يثقل كاهله التخاذل المجتمعي والصمت الإلهي، فضلاً عن الألم الجَسَدي إزاء حالته الصحية ، ناهيك عن علاقاته الكهنوتية التي يمارسها مع أناس يُريدون إصلاحاً من جانبه ولم يَعد قادراً على مَنحهم بركاته ونصائحه الإيمانية ، بالإضافة إلى ما يَتحمّله من زيف الذي يتعامل به الناس مع الدين وأسلوب تلَقيه القائم على بِضعة طقوس وروتينيات وسياحة أسبوعية إنه تحدٍ للممثل أن يرتدي طوق رجال الدين ويجعلك تصدق ذلك، لكن إيثان هوك أصبح ممثلاً مرنًا لدرجة أنه أخذ دور إرنست تولر ، وهو قسيس عسكري سابق وجد ملاذًا في حياته كقسيس بلدة صغيرة ، مما يجعله مقنعًا ومتألقا في أداء دور القس تولر ونقل انفعالاته وهواجسه وحيرته الى المشاهد وكان أدائه الأكثر خبرة وحرفية حتى الآن بصفته القس إرنست تولر ، الذي يشرف على جماعة صغيرة في الكنيسة الإصلاحية الأولى في شمال ولاية نيويورك. علمنا في وقت مبكر أن القس تولر هو قسيس عسكري سابق شجع ابنه على الانضمام الى الجيش والذهاب إلى العراق حيث قُتل على الفور. كان القس تولر وطوال الفيلم حزينًا. وحده في الليل يشرب ، ويعترف بخطاياه ويشك في الله من خلال الكتابة في يومياته . إنه لا يعاني فقط من ألم روحي ولكن أيضًا حرفيًا في جسده. فيلم "أول إصلاح " هو ذروة أعمال بول شريدر وهو دراسة شخصية جزئية لرجل في حالة انهيار روحي يبحث عن الخلاص ، يأخذ الكاتب والمخرج القضايا التي أفسدت حياته المهنية بالكامل وجعلتها جديدة للقرن الحادي والعشرين. إنه صعب وغير متهاون لكنه يمثل عودة إلى الشكل الحاد لواحد من أكثر الأصوات الشخصية والأكثر قوة في السينما الأمريكية . القس إرنست تولر رجل على مفترق طرق . هناك شخصية غامضة وهي تلعب دورا في افساد حياة الكاهن و الكثير من ابناء القرية الا وهوالرجل الرأسمالي الجشع وهو (مايكل جاستون). في مشهد لاحق حين اتصلت به ماري ، حين تكتشف ماري وجود سترة ناسفة تخص زوجها في مرآبهم. يأخذها تولر واعدًا بتقديم المشورة لمايكل بشأن ذلك ، تناقش الزوجة ماري و القس تولر الذهاب إلى الشرطة ، لكن تولر يشعر أن ذلك سيزيد حالة مايكل سوءًا، وقبل الموعد التالي مباشرة أرسل مايكل إلى القس تولر رسالة نصية يطلب فيها الاجتماع في حديقة محلية ولكن حين يصل الكاهن تولر الى الحديقة يجد مايكل ميتًا بعد اطلاق الرصاص على راسه من بندقيته. يمتلك القس تولر كمبيوتر مايكل المحمول والذي أخذه بعد انتحارمايكل لمنع الشرطة من اكتشاف تطرف مايكل وإثارة المشاكل لماري. يستخدمه القس للبحث عن أسباب مخاوف مايكل ، بما في ذلك المواد الموجودة في مصنع بالاك وتاثيره على التلوث البيئي، وعرف الكثير من الاضرار التي سببها هذا الراسمالي صاحب المصنع الملوث في تلوث البيئة والذي تسبب في الكثير من الامراض السرطانية الى أهل القرية . يطلب القس تولر من ماري ألا تحضر خدمة الذكرى السنوية. خلال استعداده لدوره في الحفل السنوي للكنيسة ، يرتدي القس السترة الناسفة ولكنه عندما رأى ماري تدخل الحفل ، يخلع السترة ويلف نفسه بالأسلاك الشائكة تحت زيه الكنيسي ، تدخل اليه ماري ويحتضن الاثنان بعضهما ، ويقبلان بعضهما بحماسة قبل أن يتحول الفيلم فجأة إلى اللون الأسود . يدور فيلم شريدر حول البيئة بشكل مطلق وحول تدمير أثمن مخلوقات الله ، ويلقي شريدر إشارة ذكية للطريقة التي يمكن بها للمال أن يفسد الكنائس ، وكيف يمكن لللامبالاة المسيحية أن تسبب شكوكًا من غير المؤمنين. في النهاية، قد يبدو الفيلم متشائم كما هي أفلام السويدي (بيرغمان)تحديداً فيلمه (ضوء الشِتاء 1963) الذي يتقاطع مع هذا الفيلم في كثيرٍ من تيّماته ، إلا أن ما يرومه (بول شريدر) ليس هذا بالتأكيد، فهو في الحَقيقة عبارة عن مرثية غَضب يحملها الرجل تِجاه ما يذهب إليه جنون هذا العالم، موسيقى الفيلم كانت مقتضبة الحضور وشبه منزوعة، تاركة لشريط الصَوت في التدفق بأصوات الطبيعة والمَكان الذي يؤمه الكادر، لكن عِندما تَضرب، فإنها تضرب بغضَب عن طريق خروجها من أبواق متوحّشة وخانقة للموسيقار (براين ويليامز)، والتي كانت تترجم غضب وضيق القِس (تولر) . النهاية جنونية ، لكنها أيضًا حقيقية في طريقتها – وجهة نظر مناسبة لفيلم يتحدث عن الحب واليأس ، الخير والشر ، وصراع في روح الرجل . حوارات القِس (تولر) المُطوّلة والتي يختزلها الفيلم مع أشخاص من مجالات مختلفة وذوي آراء متباينة يتفاوتون بتلقيهم الجاد للوضع الراهن؛ فمنها حواره مع "مايكل"الرجل البيئي الذي انتَحر بَعد أن أعطى نَفسه فُرصة الخَلاص من فِكرة العالم المشؤوم الذي سوف يكون عليه بَعد عقدين آخرين مِن الزَمان والذي من أجله سيفرض عليه التضحية بجنين زوجته الآن لخِدمة قضيته الكبرى، ناهيك عن الحوارات التي قَسمَت ظَهره مع كبير القَساوسة الذي يُدير المجمّع الكَنسي كنوع من (البرستيج) والتشبّث في المَناصب وعِندما يطارحه القِس بتلك الهواجس وسؤاله بـ" هل سيَغفر لنا الله؟" يُعطي ظهره لجميع ما تم ذُكره ويَرمي الإجابة على شماعة إسمها (الأمل)التي لازالت تنهش في العمود الفقري للأمم والحضارات، الدينية بالتَحديد، ما لم يُصاحِبها وعي حقيقي بمقتضيات ما يعكسه الواقع البيئي من خطر قادم يُهدد البشرية ثم إن ما كان يَهتمّ بِه المخرج و الكاتب "بول شريدر"هنا هو الإلقاء بنظرة فاحصة على حقيقة المؤسسات الداعمة في ظاهرها نحو التوجه الإصلاحي ولكن في حقيقتها تجهض جميع القوانين الهادفة إلى محاربة الهجمات التي تشنها الشركات الصناعية على البيئة . تم تصوير الفيلم في فترة زمنية قصيرة مدتها 20 يومًا ، بميزانية تبلغ حوالي 3.5 مليون دولار ، هذه معايير ضيقة ، لكن شريدر يشك في أنه كان سيتمكن من صنع فيلمه بطريقة أخرى . يقول: "قبل بضع سنوات ، رأيت تغير الاقتصاد وتراجع تكلفة صناعة الأفلام بشكل كبير" ، مضيفًا أنه بسبب التحسينات في التكنولوجيا ، "تحصل على لقطات أولية في 20 يومًا أكثر مما اعتدت أن تحصل عليه في 50 يومًا. يعترف بأنه "مندهش قليلاً" من رد الفعل على الفيلم حتى الآن ، "لأن الأفلام التي صنعتها تميل إلى استقطاب الناس. إنها تهدف إلى استقطاب الناس بطريقة ما. لذلك لم أحصل على فيلم أبدًا بتفاعل إيجابي من جانب واحد ". نال الفيلم استحسان النقاد الذين أشادوا بشكل خاص بأداء هوك ، وسيناريو وإخراج شريدر ويعمل شريدر في هذا الفيلم بأسلوب فخم ، يغلب عليه اللون الداكن ، بعض تقنيات المخرج - الدمدمة البطيئة والصمت المثير للقلق في تصميم الصوت وأستخدام الظلال العميقة للتصوير السينمائي الرقمي (بواسطة الكسندر دينان) ؛ الحركات السلسة والشبحية للكاميرا – تجعل فيلم "ألاصلاح ألاول " يبدو يبدو وكأنه فيلم رعب وهو كذلك من بعض النواحي . ومع ذلك فان مصدر الرعب ليس حضورًا خارقًا للطبيعة بل غيابًا ميتافيزيقيًا. في حديث للمخرج (بول شريدر) لمجلة "فاريتي ": من السهل جدًا الوقوع في اليأس وعليك اتخاذ قرار بعدم القيام بذلك". "عندما تنظر إلى البشرية وجنسنا ، يبدو واضحًا جدًا أننا اتخذنا قرارنا وسنترك هذه الكارثة الوشيكة تأخذ مجراها"، ويضيف: "الشيء الذي يتجاهله الجميع نوعًا ما هو الطبيعة وهي الأساس لهذا الأمر. كل الأشياء السيئة التي حدثت في العشرين سنة الماضية يمكن أن تحدث الآن في السنوات الخمس القادمة. بمجرد أن تبدأ معادلات المناخ هذه - تتفاعل بمجرد أن تبدأ في الحركة". هناك عدة طرق لوصف ما يحدث له - كأزمة منتصف العمر ، أو الانهيار النفسي ، أو الصحوة السياسية ، أو الحساب الديني. لا يقترح السيد شريدر أن هذه خيارات حصرية للطرفين ، بل يوضح كيف أن خيوط تجربة القس تولر تلتف إلى حبل يقيده ويصيبه ، حتى تبدأ الإجراءات المتطرفة في الشعور بأنها منطقية وحتمية .
في الختام :
لا يمكن أن يصنع مثل هذا الفيلم إلا مخرج سينمائي يمتلك عنفوان الشباب أوصانع أفلام بارع ويعمل خارج نظام الاستوديو ويتمتع بحرية فعل ما يشاء . هو فيلم اشكالي يبحث مسألة الايمان والتوبة، متسائلا عما إذا كانت البشرية تستحق النجاة بعد ما اقترفته في حق الأرض. إنه سؤال صعب بالنسبة للقس تولر وهو رجل لطالما لجأ إلى إيمانه الراسخ. لكن السؤال يفرض مأزقا أكثر صعوبة للمشاهد حتى وإن أضاف الكاتب والمخرج بول شرايدر تلميحا للخلاص في النهاية وبارقة أمل في حياة أفضل لعالمنا وكوكبنا الجريح .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية