جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى ... التماعة 8 تتمة

محمد نور الدين بن خديجة
2021 / 10 / 4

ـــ جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى .. التماعات الذاكرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




.. علاقتي مع الغناء سواء مع الفنان نور الدين معين أو صلاح خالوب .. لها جدور في الطفولة .. فالغناء كان يستهويني بشدة .. ولكن في الطفولة كان مع الغناء الشعبي .. فحي السبتيين الذي نشات فيه كان يعج بفن القول الشعبي وخاصة الطوائف الصوفية وعلى رأسها الطائفة الحمدوشية بموسيقها التي تنشد أعماق الروح .. حيث يستعملون آلة النفخ ــ المزمار ــ شبيه بما يستعمله أهل الصعيد بمصر نسميه نحن ــ الغيطة ــ كذلك فرق كناوة موسيقى الارث الزنجي .. وفرق الطبالة والدقة المراكشية التي تعج بعشاقها ومزاويلها جميع حارات مراكش وتتبارى فيما بينها أيها أجودها ... بالإضافة للفنون الأمازيغية والعربية التي استوطنت المدينة ... كل هذا أثر في ضائقتنا الفنية ... بالإضافة لفن حمادة الذي تشبعت بماياته وقصائده العربية لشعراء في الغالب مجهولين ... وكذا الأذكار والأشعار المغناة من شعر حساني عربي أو فصيح كانت تردده الجدة رحمها الله واختها يزانة والتي كانت تتكلم بلكنة عربية بدوية قحة ... كل تلك الأبيات أو المسماة كاف أي بيت القاف مازال العديد منها في ذاكرتي .. وكذا مررددات رقصة الكدرة العربية ..ولا أنس أمي الثانية المرحومة الأمازيغية جامة هته المرأة العظيمة التي ساعدت أمي كثيرا في أعباء التربية بل وأعباء العمل المنزلي .. لا، بيتنا ظل مزارا دائما للبدو العرب والأمازيغ وغيرهم من أصدقاء الوالد ومقاومين قدماء كانوا رفاق له فترة الاستعمار . قضيت معها رحمها الله معظم طفولتي وتشبعت أذني بايقاعات أمازيغية مختلفة حيث كان المذياع مصدرها في الغالب .
حي السبتيين هذا يقال بأنه كذلك من أعرق أحياء مراكش خاصة دربه المسمى درب السقاية ..أما الدروب الأخرى فمستحدثة . كما أن حلقات الملحون كانت تدار تقريبا كل جمعة بمنازل عشاقه ورواته .. مثل منزل الحاج الفاضل الذي كان يسكن جوارنا .. كل هذا لابد أن يترك أثره على الإنسان ولو لم يزاول الفن .
حي لابد أن تتعلم فيه وزن كلامك واستعمال السجع من صغرك أحيانا أثناء الحديث العادي أو ماكان يسمى بالغوص وهو كلام غامض قد تفهمه أنت وصديقك فقط في حضور آخرين قد لاينبغي أن يعرفوا فيما تتحدثون .
أقول أن هذا ساهم بوعي او دون وعي في أن أنظم الكلام وأنا ابن اثنتا عشرة سنة ..
عطلتي الربيع والصيف كنا نقضيها في البادية بقبيلة اولاد أبي السباع العربية ... يوم السفر كان أكبر عيد بالنسبة لنا بل وأعظم من العيد .. لأننا سنتحرر من قيود الأب السيد المتجبر كعادة أغلب الأعراب النازحين للمدينة ولذيك كانوا يتخوفون من المدينة في سريرتهم ولم يستطيعوا الاندماج في النسيج الاجتماعي لمدينة .. فحتى علائقنا بقيت مرتبطة بالأهل والنازحين من البادية .. ولكننا كنا نقتنص حريتنا رغم كل شيء وبكافة الطرق الماكرة والمشروعة .
في البادية سنمتطي الذواب ونظل في لعب جنزني دزن مراقبة او وصاية ... بل وأذكر أنني تجرأت على ركوب فرس وأنا في سن السادسة فانطلقت بي دون لجام في عدو سريع نحو البيت فأمسكت بعنقها .. ربما كانت ستكون النهاية مفجعة لولا تواجد جدي وجدتي قرب مدغل المنزل اللذان كان يشيرات لي بالانحناء .. سأفهم من بعد بأن الأمر كان درأ لعط اصطدامي بعتبة البيت العلوية .. وكان كذلك وتوقفت بي داخل المنزل البدوي الواسع إلم نقل الشاسع .. لأن بداخله كانت تجتمع الأغنام والذواب وكذا البيوت .
في البادية الصيف يمر كله أعراس .. والفرجة جماعية من فن حمادة .. كان يستهويني ويثيرني ذاك السواد الذي ترتديه كل نساء القبيلة ... وكن أثناء العرس يفترشن الحصائر ويجلسن مقابلات لصف الرجال الذين يرددون المايات وأحيانا لازمات القصائد التي يتغنى بها شعراؤهم أو منشدوهم :
أعجبت بحكاية الخالة والتي تزوجت بعد تغزل عاشقها فيها قبل زواجها في أحد الأعراس بقصيدة رائعة مازلنا نرددها للآن .. فقد كان شاعرا قصادا كبيرا ..وأغلب قصائده ضاعت بسبب ترددها الشفهي ولم تدون للأسف . كما أنه توقف عن قول الشعر بعد ذهابه للحج .
وحكايات المايات التي يرد فيها الغزل كانت سببا في زواج بعض الفتيات ممن تغزل بهن . فكانت بمثابة شفرة حتى للأسر كذلك .
المبدع لايصبح مبدعا هكذا بمحض الصدفة فالمحيط يلعب أدوارا كبيرة في التنشئة الابداعية أو حتى إقبارها .
الغنى الشفهي لهذه القبيلة راجع للتحولات التي عرفتها من تنقلها من مجال الصحراء إلى مجال الحوز حيث تنوع فنها من رقص الكدرة إلى فن حمادة ...كما أن النكبات التي عرفتها تاريخيا أسس للاشعور جمعي جعلها تحتمي لمدة طويلة في عصبة لاتفتر عروتها .. حتى وإن ابتعدت مجالات تواجدها بين موريطانيا او رحامنة أو دكالة او الغرب او حتى في مصر وسوريا وغيرها من الدول العربية . فبعض القصائد المغناة القديمة هي بمثابة توثيق سياسي لأحداث عرفتها المنطقة .
كل هذا المخزون ساهم في تطوير تجربتي فيما بعد .. وتجارب فنانين آخرين بالطبع ...
فمولاي رشيد الأطلاني مثلا ... وهو ابن حومة السبتيين ومن أوائل عازفي العود بابن بطوطة ـــ ساهم في إشاعة أغاني الشيخ إمام بشكل ككبير .. كما لحن أغان مسرحية رائعة تستمد جذورها من هذا المخزون الشعبي الكبير .. ففي مسرحية ــ صهيل الذاكرة الجريحة ــ سيلحن مطلع قصيدة رائعة عن الشهيدة سعيدة المنبهي :والتي يقول مطلعها : سعيدة العيد ف عينيها ... غيران الإنس كتعرفها ــــــــــــــــــــــ ونجوم الليل كتونسها ... وامواج البحر تعرفها .. وقد لحنها على غرار مردودات للطائفة الصوفية التهامية ... واحتفظ بها كلازمة للأغنية .. ولكن اللحن سينتقل لجمل موسيقية أخرى مخالفة .
مع نور الدين معين سأجد نفسي وبتواضع متمكن نسبيا من العزف على الايقاع ... وتكويني عصامي في هذا الشأن فلم ألج معاهد موسيقية . ونفس الأمر سيتم مع الصديق صلاح خالوب وهو من قدماء ابن بطوطة عازف وملحن متميز .


ـــ من هوامش الذاكرة :

الفنان معين نور الدين :
ــ أغاني التسعينات :
من ألحان معين نور الدين قصيدة لميخائيل نعيمة :
https://www.youtube.com/watch?v=Fnm8Uv3rnzc
ـــ
أغنية أحمد العربي من شعر محمود درويش :
https://www.youtube.com/watch?v=x6Vm1_vwoYc

ـــ من الأعمال الجديدة :
https://www.youtube.com/watch?v=x6Vm1_vwoYc






ــــ إنجاز : محمد نور الدين بن خديجة
3 أكتوبر 2021 مراكش الحمراء

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا