تعريف - النائب سعيد إسحق - 15

مريم نجمه
2021 / 10 / 1

قرأت لك - تعريف : النائب سعيد إسحق ؟ - 1
من النضال الوطني في سوريا
أحببت اليوم أن أنقل صورة حيّة صادقة مشرّفة عن ماضي سوريا الوطني ونقاء أهله , للأجيال الجديدة التي لم تعش هذه التجارب والبدايات الإستقلالية لشعبنا وحبه للحرية والقانون والعدالة والتنظيم . وأنا أفتش في بقايا مكتبتنا " المتنقلة " التي حاول زوجي العزيزالراحل جريس الهامس أن يقتني الكتب الفريدة التي زودتنا بصور شعبية صادقة لرجالات سوريا ونظافة الكفّ والتربية وحب الإنتماء والتضحيات والوفاء للأرض والإنسان
..... وجوه شعبية قيادية وطنية جديدة
المقدمة

إن أجيال اليوم قد لا تعرف إلا القليل القليل عن الأحداث السياسية الضخمة التي عصفت بسورية منذ أن دخلها الفرنسيون , بعد موقعة ميسلون وخروج الملك فيصل منها , وإذا قرأت في كتب التاريخ شيئاً عن ثورات الغوطة , وجبل العرب , وجبل الزاوية , وجبال اللاذقية, فإنها لا تعرف حتماً أي شئ عن ثورات الجزيرة السورية ضد الفرنسيين , هذه الثورات التي قادها المجاهد سعيد إسحق ونفر من رفاقه , وكان مركزها بلدة عامودا ............... من هنا أهمية هذه المذكرات التي جاءت لتكشف ذلك الجانب البطولي الذي أغفله المؤرخون , ولتكمل حلقة الإنتفاضات الشعبية التي شهدتها سورية منذ العشرينات , أي منذ أن وطئت أقدام المستعمر الفرنسي تربة بلادنا المقدسة .
لقد ظلت هذه المذكرات الهامة مدفونة في صدر صاحبها الأستاذ سعيد إسحق حتى واتته الهمة لأن يضعها , وهو في خريف العمر , فجاءت صادقة , دقيقة , أمينة , نابعة من شعوره الوطني النابض بحب العروبة والقومية .
هناك جانب آخر في حياة المجاهد سعيد إسحق لا يقل أهمية في نظري عن الجانب السياسي والقومي , هو تلك الفترة العصيبة التي قضاها من شبابه في ظل الحكم التركي , وكيف كافح واضطر إلى أن يعمل عاملاً بسيطاً في مد سكة حديد حلب العراق بطعام يومه , ولقمة عيشه مع عدد من أفراد أسرته ليتقي شرّ العوز , ثم كيف اشتغل بتجارة الصوف والسمن , وبيع الأقمشة , ولجأ إلى دير الزعفران - الذي كان قد درس فيه العربية والسريانية والتركية - هرباً من الظلم والإضطهاد في تلك الأيام الحالكة السواد .
لا أبالغ إذا قلت إن أفضل أنواع القراءة هو قراءة المذكرات , لأن الإنسان يبوح فيها للمفكرة بصدق وصراحة وعفوية , وبلا أي تكلف , فكيف إذا كانت هذه المذكرات تتعلق بجانب هام من تاريخنا الوطني والسياسي , وكان كاتبها رجلاً حنكته التجارب , وطحنته الأحداث , وعاش حلو الحياة ومرّها , وتقلب في المناصب الحساسة , واحتك عن كثب بالعديد من رجالات السياسية والوطنية كهاشم الأتاسي , وشكري القوتلي , وسعدالله الجابري , وفارس الخوري وغيرهم ...
دمشق في 5 / 9 / 1978 ......... عيسى فتوح
=======

وُلدتُ في قرية " قلعة الأمراء , " سنة 1902 , والدي هو إسحق مقدسي من آل كبسو , ووالدتي هي مريم عبدلكي .
والقلعة قرية كبيرة تقع شرقي مدينة ماردين , وتعلو عن سطح البحر ألفاً ومئتي متر , وسكانها عرب من عشيرة تغلب , ويرتفع في ضاحيتها دير الزعفران الشهير , مقر الكرسي البطريركي الأنطاكي للسريان الأرثوذكس . تقع القرية بين جبلين , ولها مركز استراتيجي هام لأنها على طريق المواصلات المؤدي إلى ماردين , والذي تمر منه القوافل والزوار إلى تلك المدينة . وأهلها عبارة عن عدة أسر تربط المصتهرة والعروبة بينهم جميعاً , وهم متضامنون , يعيشون منذ عدة قرون عيشة الصمود والشجاعة للدفاع عن كيانهم والحفاظ على سلامتهم , وهم مسيحيون من الطائفة السريانية الأرثوذوكسية .
دخلتُ المدرسة في الرابعة من عمري , وتعلمت فيها العربية والسريانية , وكان كتاب القراءة فيها هو التوراة , بدءاً من أول الخليقة وعهد آدم إلى عهد نوح والطوفان , وتاريخ ابراهيم الخليل , وسلالته من اسماعيل وإسحق وما رافقها من تقلبات وملوك وحروب , إلى آخر التوراة . ثم قراءة الإنجيل المقدس وأعمال الرسل إلى آخر رسالة يوحنا .
مكثت في مدرسة القرية خمس سنوات حتى أنهيت آخر صفوفها . وكان والدي يعمل بالتجارة والزراعة في بلدة عاموده التي تبعد عن مسقط رأسي خمسة وعشرين كيلو متراً , وكان عمي يعقوب مختار القرية , فلما انتهيت من الدراسة في القرية سافرت إلى عاموده لزيارة والدي فأخبرني أن الحكومة التركية قد فتحت مدرسة اعدادية في بلدة عاموده لتعليم أولاد العشائر , واقترح أن يسجلني فيها لإتمام دراستي . وفعلاً ذهبت إلى المدرسة مع والدي وقابلنا مديرها لتسجيلي كطالب نظامي فيها , وكان مديرها صالح فروخ عربياً من أهل ماردين , فأفهم والدي أن التعليم فيها إسلامي و وباللغ التركية , وعلى الطالب فيها أن يقبل ويتقيد بأنظمتها وبرامجها ........ وهكذا سجلت فيها , وباشرت الدراسة , أما دروس اللغة العربية فكانت لا تتعدى القرآن الكريم , وتعلم فروض الدين الإسلامي من صلاة وصوم ......
واظبت على هذه المدرسة مدة سنتين كاملتين , تعلمت خلالها القرآن الكريم , وأركان الإسلام ومبادئه السامية , وأتقنت فيها اللغتين التركية والكردية حتى نلت الشهادة بدرجة جيدة جداً . ثم مارست التجارة في دكان والدي فاكتسبت خبرة عملية في الحياة ...
ثم عدت إلى قريتي القلعة , فدخلت مدرسة دير الزعفران الواقع شرقي القرية , وتابعت الدراسة فيه باللغات العربية والتركية والسريانية , وبعد سنة واحدة نلت شهادة أهلية التعليم , وصار عندي معلومات واسعة عن الديانات السماوية الثلاث : اليهودية والمسيحية والإسلامية وتهيأت للسفر إلى اسطنبول لإتمام الدراسة العالية .
2 -
في هذا الأثناء أعلنت الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء من جهة , ودول المحور من جهة ثانية , وكان الحلفاء بريطانيا وفرنسا ثم انضمت إليهما الولايات المتحدة الأمييركية وروسيا , أما دول المحور فهي ألمانيا وتركيا والنمسا .
اشتدت الحرب فاتهم الأتراك الأرمن باتصالهم بالروس , لذلك صدرت الأوامر بترحيلهم من الحدود الشمالية المتاخمة لروسيا , ونقلهم إلى البلاد العربية , وخلال ذلك هلك منهم عدد كبير بسبب التعب والجوع ولم يصل منهم إلا عدد قليل سكنوا في حلب والموصل .
3 -
هاجم الفوضويون قريتنا , ولكن رجالها قاوموا الهجوم وصدوه , فانتقلت أسرتي مع سكان القرية إلى دير الزعفران , وهو دير كبير محصّن . ذهبت إلى الدير مع والدتي وإخوتي , أما والدي وعمي ويعقوب فكانا في هذه الأثناء في بلدة عامودا لذلك لم يصبهما أي أذى , لأن أهالي البلدة اعتبروهما منهم وفيهم , إلا أن أحد الوشاة أخبر الجيش التركي الذي كان يمر في عاموده , في طريقه إلى العراق , بأن في البلدة أسرة أرمني , ولها محل تجاري على الطريق العام , فأخطر والدي بالأمر واختبأ مع أخيه في منزل مجاور , بينما فتك الجنود بالمحل ونهبوه , وهكذا أصبح من المستحيل البقاء في عاموده , فانتقلا إلى قرية قريبة , ومنها فرّا ليلاً إلى دير الزعفران .
خفت حوادث الهجوم على المسيحيين عندما تحصّنوا في " دير الزعفران " وصارت دوريات الأمن تأتي إلى الدير لتتفقد الأحوال فيه , وفي تلك الأثناء القي القبض على والدي بحجة أنه مطلوب إلى الجندية وسيق مع رفاقه من أهالي القرية إلى ولاية ديار بكر , فأصبحنا لا نملك شروى نقير , لأن أموالنا نهبت في عاموده والقلعة معاً .
4 -
عزمت على السفر إلى ماردين لأقوم بإعالة الأسرة فقصدت السيد عبد اللطيف الجلبي , عميل والدي في التجارة , طلبت منه إيجاد عمل لي , فأجابني بقوله : هذا محلي موجود , وهو محل لبيع الأقمشة , فالتحقت بالمحل , وباشرت العمل فيه , ثم استأجرت شقة للسكن , وبعثت في طلب والدتي وإخوتي من ماردين , وظللت أعمل مدة سنة ونصف , وكان عملي جيداً , إذ أطلق لي صاحب المحل حرية التصرف , بعد أن وثق مني , ولمس قدرتي على العمل , وكفاءتي فيه . ولما عاد الأمن والإستقرار إلى المنطقة عزمت على السفر إلى عاموده , مركز والدي التجاري والزراعي , وعرضت الفكرة على عمي ووالدتي فوافقا على الإقتراح لتأمين مستقبل أفضل ينقلني من موظف في محل تجاري إلى صاحب عمل .
عدت إلى عامودة مع والدتي وإخوتي وعمي وزوجته وأولاده وعند وصولنا رحب بنا الأهالي وقدموا لنا بيتً للسكن , وساعدونا على استئناف العمل التجاري وبقينا مدة على هذه الحال .
5
لكن حدث أمر لم يكن في الحسبان , وها أن الحرب قضت على وجود المواد التموينية في الأسواق , لأن الألمان اشتروا أكثر الحبوب والمواد الغذائية وخزنوها , حيث كانوا يعملون في مدّ سكة الحديد من حلب إلى العراق , لنقل الجنود , الذي كان مهدداً من جهة الشرق بهجوم الجيوش الإنكليزية المرابطة في الهند .
انتشرت المجاعة في كافة المناطق , فعمل الناس كعمال في سكة الحديد مقابل تأمين طعامهم فقط , ولذلك لم يبق أمامي إلا العمل في هذه الشركة التي تقوم بإنشاء سكة الحديد المذكورة , فذهبت إلى بلدة نصيبين , حيث المركز الرئيسي لمديرية العمل وقصدت المحطة - مقر الألمان - ورحت أبحث عن مدير مصلحة العمال حتى اهتديت إليه وقابلته , وهو يوناني من أهل اسطنبول إسمه نقولا أفندي , فاستأذنته بالدخول , ولما دخلت مكتبه أخبرته بأنني وأفراد عائلتي وأقربائي نزيد على ثلاثين عاملاً نطلب العمل , فسألني عن موطني وأصلي , وكنا نتخاطب باللغة التركية , فأعلمته أنني من عاموده , ومحلنا بعيد فأذن لي بالجلوس ثم أخذ يقلب أرواق محلات العمل فأخبرني أخيراً بأنهم سيفتتحون ورشة عمل في قرية " تل زيوان " , القريبة من نصيبين , وأنه سيخصص خيمة كبيرة للعمال , وخيمة صغيرة لمراقب العمل , أما الأجرة فهي عبارة عن رغيف من الخبز لكل عامل مع شئ من المعلبات والحبوب والأرز والبطاطا , فقبلت الشروط , ونقلنا الخيمتين بواسطة عربة خيل إلى القرية المذكورة , ولما ركزناهما سافرت إلى عاموده وأحضرت والدتي وإخوتي وعمي يعقوب واسرته وإبنه عبد الأحد .
6 -
ثم ذهبت إلى نصيبين , حيث كان صهري موسى إيلو - الذي سيم قساً فيما بعد بإسم القس موسى - هو وزوجته أختي شمسة وأخوه وأولاد عمه ملكووعمسو وآخرون من قريتنا , فأتيت بهم إلى الخيمة في تل زيوان , وباشرنا العمل , ولحق بنا عدد آخر من جبل الطور , ولم ننفك حتى أمنّا المعيشة وسلمنا من المجاعة التي أودت بحياة لكثيرين .
باشرنا العمل في ورشة عبارة عن ترابية طولها خمسة كيلو مترات , دام العمل فيها أربعة أشهر , وبعد انتهاء الورشة قررنا ترك العمل والعودة إلى عاموده , وبعد وصولنا حضر إلى عاموده مدير جباية العشر من المحصولات الزراعية فؤاد كرجية من أهالي ماردين , فزرْته في مضافة فرحان آغا , وكانت الغاية من حضوره السؤال عن شباب يحسنون القراءة والكتابة , وغير مكلفين بالجندية لصغر سنهم , وطلبت منه أن يعينني , وبعد أن خاطبني باللغة التركية , وسألني ما إذا كنت أعرف اللغة الكردية , أجبته بالإيجاب , فقال بما أن جميع الشروط المطلوبة متوافرة فيك , فإنني سأعينك حارساً قضائياً على مزروعات قرية " البلقية " , وفيها محصول جيد , فتم التعيين , وفي هذه الفترة توفي أخي عزيز بالتيفوئيد . ولم يبق لي سوى أخ واحد إسمه مَلَك .
أرسل مدير جباية العشر معي دورية من الجنود , وذهبت إلى القرية المذكورة , واستلمت العمل الذي دام أكثر من شهرين , حتى تمت تصفية المحصولات بالطرق العادية القديمة , وبعد الإنتهاء حضر المدير المذكور واستلم العشر المخزون في دار خصوصية , وتقاضيت أجرتي التي بلغت خمسة وعشرين كيساً من الحنطة وعشرة أكياس من الشعير , شحنت منها عشرة أكياس حنطة إلى عاموده للمونة وبعت الباقي إلى تجار الحبوب في الشركة الألمانية .
7 - مع التحيات ............ يتبع

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان