جدّدت حبّك ليه

منير المجيد
2021 / 10 / 1

«إذا أردت أن تتكلثم فتسنبط». ذهبت هذه مثلاً في مدى تأثير رياض السنباطي على مسيرة أمّ كلثوم، إعتباراً من منتصف الثلاثينات، وتُوّجت على الخصوص في الخمسينات حيث لحّن لها ٣٣ أغنية من حصيلة ٣٥ في ذاك العقد.
السنباطي (١٩٠٦ - ١٩٨١) بدأ حياته مُغنياً يُرافق والده في حفلات أفراح مدينة المنصورة والبلدات والقرى المحيطة بها، في سن الثانية عشر، وكانوا يطلقون عليه لقب «بلبل المنصورة». حينها كانت أمّ كلثوم في السابعة عشر من عمرها، وكانت أيضاً تُرافق والدها لتُنشد في الإحتفالات الدينية والمآتم في المناطق ذاتها.
إلتقيا وتبادلا الحديث في الواقع مرّة في محطّة القطار، بحكم صداقة والديهما المهنية.
فيما بعد، وحينما بلغ التاسعة عشر غادر إلى القاهرة لدراسة الموسيقى، وكانت أمّ كلثوم إسماً معروفاً في الوسط الموسيقي هناك.
تقول بعض الروايات أنّه ترك الغناء وانصرف إلى التلحين بعد إصابته بالتيفوئيد. هذه لا أستطيع فهمها، لأنه أدّى بصوت جميل جداً في الفيلم الوحيد الذي مثّله أمام هدى سلطان عام ١٩٥٢ ( حبيب قلبي من إخراج حلمي رفله).
في القاهرة تعرّف إلى صاحب شركة إسطوانات «أوديون» المصري اليهودي «ليتو باروخ» الذي تعاقد معه ليُلحّن لمطربي الشركة إعتباراً من ١٩٢٩.
لم يتح له المجال ليُلحّن لأمّ كلثوم قبل ١٩٣٥ بسبب سيطرة محمد القصبجي وإعتباره المُلحّن الرئيسي لها، وبعد أن توظّف لدى دار الإذاعة المصرية (أول إذاعة رسمية عربية) وأشتهر كمؤدٍّ ومُلحّن إبّان إطلاق بثّها عام ١٩٣٤.
حينها، شغلت السنباطي تحقيق حرفيته، فبدأ مُقلّداً للإستفادة من علمين كبيرين حينذاك، القصبجي ومحمد عبد الوهاب. إستفاد من متانة بناء ألحان القصبجي وبراعة جمله الموسيقية وتوظيفه للآلات، وعبث عبد الوهاب في مجال الإيقاعات والتوزيع الأوركسترالي.
ظهرت منافسة القصبجي على أشدّها بعد النجاح الخيالي لرقّ الحبيب، فما كان منه إلّا أن قام بتقليده في «غلبت أصالح في روحي».
وعندما قزّمت أمّ كلثوم القصبجي إلى مُجرّد عازف عود في فرقتها، تربّع السنباطي تماماً على المسرح في الخمسينات. القصبجي الذي عاصر سيد درويش وسبق زكريا أحمد في التلحين بسنتين عام ١٩١٧، ودرّس محمد عبد الوهاب الموسيقى وقبل ١٣ عاماً من بدايات السنباطي الحرفية.
في الستينات فقد رياض مركزه لصالح بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب، اللذين قدّما لها ألحاناً لم يستسغها، خاصّة في اختيار الكلمات التي اعتبرها خفيفة مائعة لا تتناسب ومكانة وإسم «كوكب الشرق».

لا يمكن التحدّث عن مسيرة هؤلاء دون ذكر الشاعر أحمد رامي (١٨٩٢ - ١٩٨١).
عام ١٩٢٤ غنّت أمّ كلثوم من ألحان أبو العلا محمد «الصبّ تفضحه عيونه»، التي كتبها رامي في غزل جارة باريسية، حينما كان هناك موفداً دراسياً، ولم يكن قد التقى بأمّ كلثوم بعد. وحينما التقى بها، أُعجب بصوتها لكنه رآها قبيحة الشكل، وهو الشاب الوسيم.
سرعان ما تغيّرت الأمور، فهام بها حبّاً، تماماً مثل القصبجي، ورفض أن يتلقى أموالاً لقصائده الكثيرة التي أهداها لها. لقد سيطرت على كيانه بشخصيتها القويّة والفريدة.
وحين أعلنت عن زواجها رسمياً بالطبيب الحفناوي عام ١٩٥٤ هام رامي على وجهه بشكل أخرق في شوارع القاهرة في منتصف الليل غير مُدركٍ أنّه يرتدي البيجاما، بينما كانت ردّة فعل القصبجي أكثر تطرّفاً، إذ ذهب إليها مُهدّداً بمسدس.
بلغ مجموع ما كتب رامي لها ١٣٧ أغنية دار قسم غير يسير منها عن تجربته العاطفية الشخصية، مثل أغاني: هجرتك، يا مسهرني، غلبت أصالح، عودت عيني، وعلى رأس القائمة، دون شكّ «جدّدت حبّك ليه».
كما شكّلت رقّ الحبيب علامة فارقة في حياة أمّ كلثوم، وأنهت، بالمقابل، حياة القصبجي كمُلحّن، فإنّ جدّدت حبّك ليه كرّست مسيرة السنباطي كأحد أهم الملحنين في تاريخ الموسيقى العربية، وأنهت أيضاً نجوميته السينمائية كممثّل بلييد تافه، كما معظم نجوم الغناء الذين جرّبوا حظّهم في النجومية السينمائية.
شخصياً، ولست سوى متذوق موسيقي وبعيد كل البعد عن أيّة خبرة موسيقية حرفية، أعتبر جدّدت حبّك (١٩٥٢) أهمّ من مُجمل ما لحّنه السنباطي، ضارباً عرض الحائط بآراء الذين يعتبرون الأطلال (١٩٦٦) كأهم أغنية عربية على الإطلاق، وإنّ ما سبقها بسنتين (رباعيات الخيّام) هي التي صقّلت موسيقاه ودفعت توربين أعماله قُدماً.

هناك قصّص غير واضحة المعالم والحدث يلفّها الغموض، دفعت برامي ليكتب جدّدت حبّك.
الرواية الأرجح هي أن رامي أراد الإبتعاد عن أمّ كلثوم علّه يتماثل إلى الشفاء من حبّها، لكن الست لم تستطع التخلي عنه، فمعظم أغانيها الناجحة هو من ألّفها. رامي كان يرتاد صالوناً ثقافياً مع ثلّة من الأسماء المعروفة، وهي كانت على علم، فاتصلت به هاتفياً وأرادت مقابلته. في طريقه إليها كان يُكرّر «يا ترى جدّدتِ حبك؟». في اللقاء قالت له «يا رامي أنا عايزة كلام»، فقال على الفور «موجود». عاد إلى البيت وانصرف إلى كتابة نص الأغنية.
في الثالث من شباط ١٩٥٢ جلس رامي على المقعد رقم ثمانية في الصفّ الأول، حيث يُقابل أمّ كلثوم تماماً، بينما جلست زوجته في البيت تعتني بأولادهما الثلاثة وتسمع وقائع حفل صالة الأزبكية من راديو القاهرة. كانت ليلة عظيمة من الغناء، وغضب عظيم من الزوجة التي اتّهمته بالكذب عليها في شأن نهاية حبّه لأم كلثوم، فمنعته من دخول غرفة نومهما تلك الليلة.
بقي جالساً حتى طلوع الشمس ليذهب شاكياً حالته لمن؟ نعم! للقصبجي.

في جدّدت حبّك مارس رياض السنباطي الشكل السردي الدرامي الموسيقي مع اللوازم، هذا الشكل الذي طُوّر في مطلع الثلاثينات.
مقدّمته الموسيقية تتأرجح بين الكرد (طبعاً) والنهاوند، راوياً لقصة عشق رامي التي يعرف تفاصيلها جيداً، ومُلمّحاً إلى حيرته وهيامه. يتّضح ذلك بصفاء عزف عبده صالح المنفرد على القانون. هنا يذهب السنباطي في تنويع جُملهِ الموسيقية كما عُرف بها.
شجاعته كانت واضحة جداً في إدخال مقام أثر كرد الثقيل، ثمّ بالإنتقال بين النوا أثر والنهاوند، تعبيراً عن الشجن والحب المستحيل الواضح في صوت أمّ كلثوم حينما تسأل بلسان حال رامي وبحزن عميق «ليه؟».
وفي «يا هل ترى» ينقل إلى بيات النوا، ثمّ إلى النهاوند «صعبان عليّ».
«إنت النعيم والهنا» المُتارجح بين البياتي النوا وحتى راست السوزناك في «حبّك شباب» هو مقطع من أهم وصلات أمّ كلثوم الطربية، حتّى نهاية الأغنية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا