التاريخ والحضارة

عباس علي العلي
2021 / 9 / 28

التأريخ والحضارة
مفهوم الحضارة والحضارات ونشأتها وتطورها وزوالها واندثارها من المواضيع الأكثر ألتصاقا بعلم التأريخ باعتبارها منجز بشري تأريخي أولا، أضافة إلى هذا الأرتباط هناك سلسلة من الروابط التي تربط موضوع الحضارة بالعلوم الإنسانية الأخرى التي توضح وتفسر الأمر من جهتها أستنادا للفهم التاريخي، حتى مع ظهور علم الحضارات كعلم متخصص يدرس الحالة بمنهجه وطرائقه العلمية لكن دون أن ينكر ما للتأريخ من علاقة أساسية في كل ذلك، فكثيرا ما يخلط بعض الدارسين بين دراسة علم الحضارة بين كونه مجال متخصص قائم بذاته وبين تأريخ الحضارات كونه جزء من علم التأريخ العام.
فالحضارة إذا في جانبها العام جزء من السيرورة الطبيعية لتأريخ الإنسان والمجتمعات ومراحل تطور تلك السيرورة، لذا فمن عرف الحضارة أشار إلى هذا المفهوم ولو ضمنا، فقد عرف الكثيرون من المفكرين والمعرفيين أن الحضارة بأبسط مفهوم ترجع بدلالتها المعنوية إلى الجذر اللغوي (حضر) بمعنى أنتقال الإنسان من مرحلة أجتماعية إلى مرحلة سكن الحواضر التي تشير إلى مرحلة الأستقرار والسكن في أماكن ثابته تفرض شروطا ومظاهر تبعا لذلك، هذا التعريف أجده قاصرا وغير ملامس لجوهر المعنى، فهو يخلط بين التمدن وبين الحضارة، فالتمدن هنا هو ما تشير إليه حقيقة المعنى وهو أنتقال الإنسان من مرحلة التنقل (البداوة) أو مرحلة الأستقرار النسبي المرتبط بالأرض وأستغلالها في الزراعة (القروية)، إلى مرحلة تأسيس المدن وإنشاء نظام جديد يعتمد على أسس أجتماعية وأقتصادية وثقافية جديدة تتلائم مع طبيعة المدينة، والتي تقوم على أساس علاقات متعددة الأطراف ولا تنحصر بنمط أقتصادي أو قبائلي محدد، المدنية هي ان يكون الإنسان الفرد مرتبط بشبكة من المصالح والروابط تعتمد على دوره هو في بنائها وتطويرها، ولا تعتمد على أسس مسبقة وروابط محصورة بعامل واحد كما في البداوة أو القروية.
أما تعريفها لغويا ومن وجهة نظر أكاديمية فهي لا تبعد عن ذات المعنى السابق وهذا ما يجعله قاصرا أيضا في إدراك جوهر القصد الام من المعنى الحقيقي، فقد عرَّفها مثلا مَجمع اللغة العربيّة في القاهرة بأنّها (الرُقي الاجتماعي والأدبي في الحضر)، أمّا اصطلاحاً فقد تأثّر مفهوم الحضارة بالعديد من التطورات ممّا أدّى إلى تنوع تعريفاتها ومفاهيمها، فعُرِّفت مثلا (بأنّها نظام وبيئة اجتماعيّة تُساعد الأفراد على تطوير إنتاجهم الثقافيّ)، ومن المفاهيم الأُخرى للحضارة هي (عادة يُطبّقها الأفراد في حياتهم)، كما تُعرَّف الحضارة (بأنّها مجموعة من المحاولات البشريّة للتفكير والاختراع والاكتشاف الخاص بالطبيعة بهدف الوصول إلى حياةٍ أفضل)، والحضارة بالتالي هي (جميع النشاطات الإنسانيّة المُرتبطة مع نواحٍ مُختلفة سواء دنيويّة أو دينيّة أو روحيّة أو ماديّة أو عقليّة)، كل هذه التعاريف تشير إلى نوع من التطور في النظام الأجتماعي والثقافي المرتبط أساس بالأستقرار وسكن المدنية، ولا توضح ولا تفسر لمعنى الحضارة بأنها أعلى مراحل التطور البشري من الناحية الروحية والمعرفية المنتجة لقيم وسلوكيات بالغة التعقيد للمجتمع الإنساني للتعبير عن نفسه من خلال أنتاج وتطوير وأستخدام المعرفة كما ترتبط بالناحية الأقتصادية وأستحكامات الأثر هذا على بناء الحضارة.
اعتمد التعريف العربي أو ما ورد فيه على عنصر الجغرافيا السكانية أساسا لفهم معنى الحضارة، وهو فهم متدني ومختلط لم يجد مقاربة ولا تأويل لروح الحضارة وما تمتلك من بعد ثقافي وعلمي ومعرفي معه، ناهيك على ما تفرضه الحضارة من يقيم وسلوكيات إنسانية مصاحبة لبروزها وأهمها عنصر الأخلاقيات والفنون والجمال والأنتاج المعرفي المتطور، فالمعنى الذي أشير إليه وإن تطور أولا في ظل أنظمة ثقافية وحضارية غربية أعتمدت على إحساسها بالعنصر الحضاري وأعتماده بالتعريف كونها تتعامل معه بالأساس حتى وصل إلى مرحلة النضج والتكامل حين أخذ الكتاب هذا المعنى ليكون مجالا للبحث الدلالي المتكامل، فقد عرفه الفرنسي تيرجو في موسوعته (تأريخ البشر) عام 1752 مثلا وهي أولى محاولات تعريف هذا المفهوم ( بأنه التحضر السلوكي الذي يناقض التوحش والهمجية الذي يصيب الأمم كما يصيب الأفراد)، هذا التعريف والذي يستشف منه روح العنصرية وروح التعالي الأوربي الذي يصف الأقوام والمجتمعات الأولى بالتوحش والهمجية لأنها لا تتوافق مع معايير أوربا الثقافية وتنظر إليها نظرة الدونية، ولنفهم ان الهمجية والتوحش لا يعني البته البدائية او الأولية الطبيعية بقدر ما يعني تحول القيم الحاكمة على الإنسان والمجتمع من العقلانية الطبيعية إلى طغيان الأنا المتمردة، ومحاولة سحقها للأخر المختلف بأعتباره غير لا ينتمي لها، وبالتالي فأروبا العنصرية الأستعمارية وفق هذا المفهوم هي أمم متوحشة وهمجية في معظم تأريخها لو أردنا الأنصاف العلمي والتاريخي للوصف.
لم ينضج المفهوم في مرحلة تطوره حتى أقترن مفهوم الحضارة بالثقافة أو كاد يكون في الأستعمال أقتران وربط بالرغم من كون الثقافة جزء من العالم الحضاري، حتى تم التطور المعنى لاحقا لنصل للفصل بينهما ليعطي مفهوما محدد للحضارة يقوم على معنى مثالي ومادي مشترك على يد الفلاسفة، يقول الدكتور عمار علي حسين في بحثه الموسوم في مفهوم الحضارة أن الفلاسفة (عندهم الحضارة تعني المبادئ المعيارية، والقيم والمثاليات، المرتبطة بالروح والعقل، وقد أعاد صمويل هنتنغتون دمج المفهومين ليعرّف الحضارة بأنها «الكيان الثقافي الأوسع، الذي يضم المجموعات الثقافية مثل القبائل والجماعات العرقية والدينية والأمم، ولذا فالحضارة هي بمثابة القبائل الإنسانية الكبرى» ).
هذا المعنى وإن كان أكثر تقدمية وإنسانية من التعريفات السابقة لكنه أبدا لم يعطي مفهوما وإفهاما خاصا لمعنى الحضارة كونها أسباب وعلات تطورية قادت لنشوء تجمع ثقافي فكري وروحي ومادي يتميز بالتنظيم عال المستوى وقليل الحدوث بهذه الكيفية والكونية في كل مكان وزمان، فالحضارة كيان أجتماعي متقدم في السيرورة الأجتماعية البشرية قليل الحضور والتمكن إلا من خلال توافر عناصر أساسية، يقع في مقدمتها الرفاه المادي والروحي والغنى المعرفي الذي يجعلها قمة من قمم التطور الأممي في مسيرة التأريخ، الحضارة إذا نماذج غير ممكنة التكرار بناء على قرار أجتماعي، بل هي تطور حتمي لأسباب موضوعية في الغالب تقود التطور في مسارات تصاعدية يراعى فيها أكثر الجانب المعرفي والعمراني وتنمية روابط الروح بالشكل الذي يجعل التعجيل التطوري في أقصاه.
شرط الرفاه المادي والأجتماعي يعطي للإنسان مجالا أوسع للحرية وقدرة أكبر للتعامل مع العلم والعرفة حتى يتمكن من خلال أتساع المساحة الزمانية الممنوحة للعلم والمعرفة من زيادة التراكم المعرفي والثقافي الذي هو البذرة الحقيقية لنمو الحضارة، ومن المعارف الأهم التي تزيد من فرص تكون الحضارات بناء مفاهيم إنسانية أكثر ملائمة مع وجودية الإنسان، منها الأخلاق وقيم الفضيلة والخير والعدل وتنمية روح العمل، والتفكير في المستقبل بدل الأهتمام بالماضي والانخراط في البحث عن حلول لإشكاليات وجودية محتملة قد تكون أو لا تكون ولكن يبقى الإنسان الحضاري مهيا لها ومستعدا للتعامل معها، فالحضارة إذا تكوين تأريخي ثقافي واجتماعي يمكن أن يكون في أي نظام سياسي أو أقتصادي شرط أن يكون هذا النظام هو من يؤسس ويعمل على ديمومة الرفاهية الأجتماعية، فإذا لا يمكن أن يكون للحضارة وجه سياسي ولا أقتصادي يتعلق مثلا بالتحولات المادية للأقتصاد ودوره في بناء اجتماعي مميز.
بعض الحضارات ولدت ونمت على أسس روحية أو فكرية أو عقائدية لأن النظام الأجتماعي الخاص بها إنقاد تحت تأثير القيم الخاصة على توفير وتعظيم الرفاه الأجتماعي للفرد والمجتمع، ومن الحضارات ايضا من قام على أسس علمية ومعرفية عملت بنفس الدور الذي أنشأ الحضارات الروحية وقد تكون هذه الحضارات وجه أخر لنفس الحضارة الروحية بعد تطور العامل الروحي إلى عامل علمي، وقد تنشأ الحضارة لأسباب وقواعد مادية أقتصادية حينما يكون الأقتصاد هو القوة المحركة في المجتمع والقائدة في توفير الرفاه الأجتماعي بأفضل الصور وأكثر مظهرية، إذا الحضارات لا تنمو مع الفقر والجهل والتخلف وغياب القانون العادل الصارم حتى لو سكن الإنسان في المدن وتحضر على أساس جغرافي أو على اساس المكان الأكثر أستقرارا، لذا مثلا لا يمكننا أن نصف مجتمعات مدنية عديدة بأنها حضارية بالمفهوم العلمي، بالرغم من كونها مجتمعات حضرية مدنية لأنها لم تنجح في توفير ذلك العامل المحوري وهو توفير بيئة رفاهية وبيئة صالحة لنمو المعرفة بشكل قادر على ولادة نوع من أنواع الحضارة.
التفريق هنا ضروري بين أن يكون إسقاط لشخصية المعرف المعنوي على الموضوع وبين حقيقة الموضوع مجردا من أثر أو صفة أو وصف خارج عنها، فلو عدنا لدراسة تاريخ الحضارات القديمة ومنها الحضارة العراقية القديمة وما جاورها من حضارات أو عاصرها في جزء من تأريخها، نجد أن العوامل الأساسية المكونة لهذه الحضارات كان الإنسان حين تمتع بشيء من المعرفة التي فتحت له أبواب التطور والرقي، فلولا القانون العراقي القديم والديانات ودور المعبد في تقدم وتطور المعرفة والرخاء الأقتصادي والبيئة الجغرافية التي منحت الإنيان العراقي أن يتمتع بالرفاهية في عصر التكوين لم تتولد الحضارة تلك.
فبعد أن تعلم الزراعة وتخطيط المدن وتنظيم الري وانتشار القراءة والكتابة وسيادة القانون العادل والصارم الذي يتساوى الجميع فيه، لم نشهد تلك الذائقة الجمالية والفنية التي لونت المجتمع العراقي في سيرورة التطور ليكون بعد ذلك واحدة من أكبر واهم الحضارات الإنسانية التي أسسها الإنسان، حتى أن الشعور بالعظمة والتفوق والأعتزاز بمعطى الحضارة دفعه أي الإنسان الحضاري أن يرى وجوده أولا أكبر م الواقع وأشد صلابة منه، لذا جاءت التعبيرات الفنية والمعمارية الإنعكاسية عن الذات الأجتماعية مثل النحت والعمران الهندسي تتسم دائما بالضخامة والقسوة في مادتها.
هذا الأمر هو ما يفسر مثلا ضخامة الأهرامات المصرية والقصور الملكية وحتى التماثيل والمنحوتات في العصر الحضاري لكل أمة، أنه ليس إبهارا فقط بل هو رؤية الأنا لواقعها من خلال ما تعطيه من تعبير وتترجمه باللا وعي لتقول للأخر أنها عظيمة وكبيرة وصلدة لا تقاوم، هذا الأمر ليس موقوفا على الحضارات القديمة بل أمتد وعلى مر التأريخ مع كل الحضارات الإنسانية التي ترجمت هذه الأنا عبر الواقع، فنادرا ما تجد ضآلة أو تقزيم لوجه من أوجه القوة في مجتمع حضاري حقيقي فالمدن واسعة وكبيرة مثلا الطرق الجسور المباني وحتى في الأشياء الخاصة نجد مظهر العظمة واضح وصريح وبين في الأكل والملبس وحتى في أستخدام القوة والسلاح.
فكل حضارة نمت أتخذت من القوة مفهوما تاليا ومظهرا عاما تتسم به لتظهر عظمتها وقدرتها على الأحتواء والتغلب على الاخر المختلف، فأهتمت بالجيوش الكبيرة ومعداتها وأختارت أعظم الرجال لقيادته، فكانت الحروب مع الأخر ومحاولة فرض قيمها هي على مجتمعات أخرى لأسباب ومبررات شتى سببا في بداية النخر في هيكليتها الأولى، هذا الشعور الأناوي الطاغي بالرغم من كونه إنعكاس طبيعي للشعور بالعظمة إلا أنه كان سببا في ضعف الحضارة وانهيارها، عندما تقلصت مساحية الرفاهية والتنعم والقدرة على الأستمرار في الحفاظ عليها وحلت القوة وقوانينها محل الثقافة والعلم والمعرفة .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية