لم يعد هناك مكان في الوسط

حسام تيمور
2021 / 9 / 28

...

هناك خبر شبه مؤكد، عن زيارة يعتزم القيام بها وزير الدفاع الاسرائيلي، "بيني غانتس" الى المغرب، الأيام القادمة، على رأس وفد استثماري يضم مستثمرين يهودا من اصل مغربي في مجال الصناعة العسكرية.
...
قبل ايام، و بعد اعلان الجزائر اغلاق مجالها الجوي في وجه الطيران المغربي، ظهرت بيانات منسوبة الى الفدرالية، تدعوا المغرب الى التهدئة و اقالة الموظف المسؤول عن اعتراف "القبايل"، او ما يظهر على أنه النقطة التي افاضت الكأس !
و غير بعيد، كان موقف البعض في اليمين بعيدا عن الصواب، حيث اتهم "الفدرالية" بالترويج للجبن و الانهزامية و الانبطاح، هل الأمر فعلا كذلك ؟
هنا بالذات وجب طرح سؤال بسيط و سهل : هل يعكس موقف "الفدرالية" قناعاتها الحزبية، او قناعات مكاتبها السياسية و قواعدها المناضلة ؟!
ليس المهم هو الجواب بالتحديد، قد يكون كذلك، و قد يكون اكثر "انهزامية" من منظور يميني طبعا، لكن السؤال الذي يجب طرحه هنا بالذات هو بخصوص الموقف الرسمي، و بصيغة اوضح، هل بيان الفدرالية، ترجمة لموقف رسمي غير معلن، أو يختمر داخل اروقة السياسة و صنع القرار؟ لاسيما تزامنه مع هجوم "وضيع" و معتوه، تقوده انكشارية "اخنوش" الاعلامية، ضد "السياسة الدبلوماسية الخارجية في شخص "ناصر بوريطة"، و كأنه كذلك، هو المقرر و الآمر و الناهي داخل وزارته ..
تحديد اجابة معقولة على هذا السؤال، يكون منطقيا بانتظار ما ستنتجه الايام القادمة من تطورات، و هذا هو الشكل الموضوعي الوحيد للاجابة، او نصف الاجابة، حيث يبقى السؤال متفرعا الى اتجاهين ..
هل موقف الفدرالية، ترجمة او ايماء مباشر، من دوائر عليا، او جناح مشارك في صناعة القرار، حيث يصنع طبعا ؟!
أم انه في حال تم اعتماده كمسلك ديبلوماسي رسمي، يبقى مجرد تلاق في النظرة الى الامور، أي تلاقي نظرية "اليسار" عن وحدة الشعوب و تجنب النزاعات المفتعلة، بالمنطق البراغماتي للسلطة، الذي يتجنب خوض غمار مجهول، قد لا يعلم بم سوف يبدأ و بماذا سوف ينتهي ؟!
...

أثناء كتابة هذه السطور، نتذكر ما سمي، من باب السخرية، ازمة "بانكيمون"، و كيف اضطرت "الدولة" الى الاستعانة رسميا، ب "نبيلة منيب" كموظفة سلك ديبلوماسي غير معلنة، او سفيرة نوايا يسارية حقوقية، حسنة، و كيف كان لهذا التوظيف دوره المعتبر، في سياق كانت الديبلوماسية الفعلية نوعا ما "مهزوزة"، بسبب توترات مع "فرنسا" و دول الخليج العربي كذلك خصوصا !
"نبيلة منيب" هنا، لم تكن تمثل حزبها او احزاب الفدرالية، بل كانت تمثل الدولة، كشخصية سياسية لها وزنها "السياسي" ذات اليمين و ذات الشمال، و بمعنى انها تملك نوعا من المصداقية لدى اغلب الاطراف، و هو ما جر عليها انتقادات و همسات من داخل الاحزاب نفسها، احزاب اليسار الاصلاحي و قواعد النهج، منها التلميح لاشتغالها على نيل منصب او حقيبة ديبلوماسية .. او وزارة الخارجية حتى !!

...

"بيني غانتس"
وزير الدفاع الاسرائيلي، الجنرال السابق و بطل الحرب، معروف بكونه يساريا، علمانيا حداثي الهوى، يراس تحالف "اسرائيل ازرق أبيض"، الحزبي الانتخابي، الذي يدعوا الى التغيير و السلام، أو الاستسلام للجميع، تحت راية علمانية بيضاء و دولة زرقاء، تكفل للجميع الحقوق و المساواة و الحرية و العدالة، و تنهي الفصل و التمييز الديني و العنصري !

كان "بيني غانتس" رأس الحربة و المقاتل الاشرس، في معركة كسر العظام، التي اطاحت بحزب الليكود، و "نتنياهو" خلال خمس جولات انتخابية و انحباس حكومي سياسي، دام اكثر من سنة !! ليحصل مؤقتا و بعد ذلك بشكل حاسم على "حقيبة الدفاع"، كما نص الاتفاق "بينيت/لابيد"، و "بيني غانتس"، و القائمة العربية .. في انتخابات عجيبة و سريالية كذلك !!
قبل تشكيل الحكومة النهائية، التي سوف تطيح ب "نتنياهو"، تم تشكيل عدة ائتلافات حكومية مؤقتة، اعطت وزارة الدفاع ل "بيني غانتس"، مؤقتا، بجوار "نتنياهو" كرئيس وزراء، ثم بعد ذلك تم اعطاء الوزارة الهامة، لرئيس الحكومة الحالي، "نفتالي بينيت"، خلال الائتلاف الرابع او الخامس، و قد كانت هدفا مبكرا له، منذ تقديم /افيدور ليبرمان/ لاستقالته من المنصب، اواخر سنة 2019 ، و هذا الاخير يمثل حليفا معلنا لليمين الصهيوني، الى جانب "نفتالي بينيت"، و حزبيهما ال عبارة عن نسخ شبه متطابقة، خطا و ايديولوجيا و عقيدة، "البيت اليهودي" / "اسرائيل بيتنا .. و حيث بنى كل منهما برنامجه الانتخابي على لازمة "استئصال" حركة حماس، فور الوصول الى منصب رئيس الحكومة بالنسبة ل "افيدور"، و الوصول لوزارة الدفاع بالنسبة ل "بينيت" الذي تعهد ايام شغله لوزارة التعليم، بالقضاء على كافة قادة حماس في ظرف 24 ساعة بمجرد وصوله للمنصب !
و خلال الجولة الأخيرة التي سوف تسقط "نتنياهو"، حدث ما لم يكن في الحسبان، او حدثت المفاجئة، حيث كانت احزاب اليمين تحاول ما امكن، و فقط، نيل اغلبية برلمانية زائد وزارة العدل و الدفاع، ما يمكنها من اتخاذ قرار الحرب و السلام بحرية و اريحية بعيدا عن حسابات حزب الليكود المنهك و المكبل بالفضائح و المتابعات القانونية و متتاليات الفشل. لكن المفاجئة كانت، أو الخيانة كانت، كما اصلها و جذرها، عربية..، حيث و بتزامن صعود "يائيير لابيد" على حطام "بيني غانتس" الذي فشل في اسقاط الليكود انتخابيا، ستندلع بشكل مبهم احداث الشيخ جراح، و حرب غزة الاخيرة، لتزعزع موازين اللعبة، و تخلخل خزانات الانتخاب، داخل الدولة اليهودية، ضف الى كل هذا، قيام احزاب القائمة العربية الموحدة و الاسلامية، بشكل سريالي و مفاجئ، بدعم تحالف "بينيت-لابيد" في الزمن القاتل، ليصير "نفتالي بينيت" محظوظا بالحكومة و الخارجية، تناوبا مع "لابيد"، بينما يعود "بيني غانتس"، بشرف الخاسر، الذي قاتل الى النهاية، لاخذ "وزارة الدفاع" !!
...
أثناء الفترة التي اعلن فيها "بيني غانتس" خسارته لرهان "اسقاط الليكود" انتخابيا، بكل شجاعة و وضوح، تم استقباله في احدى شاشات الاعلام العبري ، ذات امسية و بشكل البث المباشر، لاعلان خسارة تحالف "ازرق ابيض"، لرهان تشكيل الحكومة و الظفر بالأغلبية، و في مشهد قد يظهر تهكما صهيونيا او مواساة، بالمفهوم الحداثي اليساري، خاطب المنشط ضيفه "بيني" .. قائلا ..
المهم ان المواطنين العرب /عرب 48 تعرفوا خلال الحملة الانتخابية على سياسي لطيف جدا و مهادن، و متشبع بقيم التسامح و السلام" ..

هنا امتعظ "بيني غانتس" من كلام المنشط التلفزي قائلا، لا اقبل هذه الصورة على أية حال، كسياسي حاليا أو كعسكري سابق، و يسترسل فخورا و منتشيا ربما ليقول ..

"انظر هناك .. هناك .. هناك قبور مازالت تحمل اسمي في لبنان و الضاحية الجنوبية الى اليوم" !


ختاما ..

هل ستقبل مثلا، "نبيلة منيب" لقاء "غانتس" و وفده المهم جدا، مشاركة في ذلك من موقعها، كشخصية سياسية يسارية و برلمانية، في اطار نفس موضوعها السابق، المتعلق بالوحدة الوطنية و المصالح العليا ؟!
و هل نتخيل مصافحة بين الاثنين، و همسا من قبل هذا الاخير في أذن "اليسار البرلماني" او "البرمائي"، بما مفاده "ايييه الحلاوة دي" ؟؟؟

يا وطنيين .. يا مطبعين .. يا ممانعين ..
لم يعد هناك مكان في الوسط !!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية