أحزاب مُفلسة تقف خارج نطاق الخدمة

عزالدين بوغانمي
2021 / 9 / 28

نجحت "قيادات" اليسار نجاحًا ملموسّا في إضعاف أحزابها وسلبها قاعدتها الشعبية المفترضة، وإفراغها من الطاقات الفكرية والنضالية، وغلق أبوابها أمام الشباب، حتى تحوّلت إلى دكاكين صغيرة مقفلة لا تأثير لها. ولعل هذا ما يفسر سقوط هذه الأحزاب في الانتخابات البرلمانية السابقة، بحيث لم يحصل اليسار برمته ولو على مقعد واحد بمجلس نواب الشعب، باستثناء النائب منجي الرحوي الذي فاز لاعتبارات شخصية لا علاقة لها بحضور حزبه على الساحة الشعبية.

باتفاق الجميع، ومن خلال التشخيص الموضوعي، هذه الأحزاب ليس لديها أرضية في الشارع، ليس لها أفكار ولا إنتاج نظري. ليس لها حضور نضالي فعّال، ليس لها ثقافة، ولا أدب، ولا أغاني، ولا تكوين، ولا إعلام، ولا نشاط اجتماعي، ولا أيّ شيء ينفع الناس على الإطلاق. حتى أن بعض الأكاديميين، بل بعض السياسيين لا يعرفون أسماء هذه الأحزاب، ولا من يقودها، ولا عناوين مقراتها المركزية، فضلا عن المواطنين الذين لا يفهمون سبب وجودها أصلاً. وهذه مسألة تحتاج فقط قليلاً جدّا من الانتباه لكي نتيقّن أنّ هؤلاء الناس لا يُحبّذون أحزابا محترمة منغرسة في الجماهير، قادرة على توليد قيادات شعبية وشبابية (قد تهدد مواقع القيادة). وإنما يُريدون حانوتّا صغيراً فيه بعض الموالين، وصالحًا للاستخدامات الشخصية الضيقة. أمّا قضية التغيير التي تحتاج أحزابا منظمة مهيكلة ولها نفوذ ضارب في الشارع، وتحتاج تحالفات وسياسة وإبداع، فليست مطروحة على جدول أعمال هؤلاء إلا من باب المزايدة اللّفظية.

بسبب إفلاس هذه "القيادات" الصغيرة، وبسبب غياب السياسة كرسالة أخلاقية، وبسبب غياب بوصلة التغيير، انفضّ الناس من حولها، وأغلقت مقرّاتها الجهوية والمحلية، حتى بلغت "أحزاب اليسار" حالة محزنة من الضعف والهوان. وهذا أدّى إلى إنفجار الخلافات والانقسامات المُغلّفة ب"صراع المضامين والتوجهات"، فيما هي، في واقع الأمر، صراعات طفولية انتهازية، أقصى غاياتها هي: من يفوز بقيادة الحزب، لأن الحزب مجرد منصّة وُثوب، تُستخدم للصعود للبرلمان. ولذلك لا نرى ولا نسمع، مثلا، أن لحزب العمال أو لحزب الوطد الموحّد مؤسسات تشتغل بانتظام. وإنما المؤسسة الوحيدة الجاهزة للعمل هي لجنة النظام، المُسخّرة عادة لإزاحة المعارضين والشباب والأذكياء وتشويههم والتنكيل بهم..

أحزاب بهذه المواصفات، يقودها أشخاص محدودي المواهب، ضيّقي الطموح، يترصدون لحظة الانتخابات المقبلة للقفز في مركب البرلمان، ليس بوسعها الانخراط بوضوح وشجاعة في إسقاط منظومة الإرهاب والفساد والكُنطرة. وليس من طبيعتها الوقوف حيث يقف شعبها. ولا تنتج استراتيجيات للتغيير، ولن تكون شريكا في بناء البلد. وليس لها أي مستقبل. ولا هي أحزاب يسارية. ويجب تجاوزها نحو ٱفاق أرحب، لتأسيس حركة مواطنية تقدمية واسعة تحمل مشروع عدل ورفاه واستقرار لتونس وشعبها..

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية