آني سكران

سلمى الخوري
2021 / 9 / 26

كنا نعيش في مدينة جنوب العراق ، آلا وهي مدينة البصرة ميناء العراق الحيوي
حيث كانت الحياة في هذه المدينة حية نشطة ، إضافة لكونها ميناء ، فهي غنية بالنفط
الذي صار شريان الحركة والعامل المساعد في التطور الحضاري في مجالات كثيرة
في أقطار العالم المتطور الذي يسعى حثيثاً الى الأنتاج الصناعي والتقدم التكنولوجي ،
وهذان العاملان كونها ميناء وتنتج النفط أيضاً وتصدّره وفّر فرصاً للعمل للكثيرمن
الباحثين عن لقمة العيش آنذاك في فترة الخمسينات .
وكنا كعائلة أنحدرنا من قرية في أطراف الموصل الى البصرة بفعل الوظيفة لوالدي
حيث كان له موقع أجتماعي في مجال عمله ، وله من المعارف والأصدقاء الذين لم
يصدوه في طلبه إذا كان هنالك مجال لتحصيل عمل للمعارف القادمين من الموصل
وأطرافها من القرى المجاورة لها ، ففي تلك الفترة الزمنية من القرن الماضي كان
الكثير من خريجي المدارس الثانوية ، والذين ينحدرون من عوائل كادحة ليس لها
القدرة أن ترسل أبناءها للتعليم العالي في الجامعات وللتخصص في مجالات العلوم
والأداب، ولهذا كان الشباب يتوسل أي عمل يجلب له بعض المال ليعيش هو ويساعد
عائلته ، وعلى الأكثر كانت العوائل كبيرة من حيث عدد الأبناء ، حيث لا تقنين ولا
سيطرة على الأنجاب ، فمعظم العوائل لن تكون أقل من أربعة أبناء وما فوق من عدد
الأطفال الذين يعتبرون مفخرة للعائلة وكنزاً يتباهى به ، فعدد الأبناء وخاصة الذكور
منهم سيسندون عائلاتهم في المستقبل .
كان توفيق قد وصل هذه المدينة من سنتين تقريباً ووفّق في إيجاد عمل له مع أحد
المقاولين في مجال البناء ، ولكن الذي حدث أن خلافا حصل بينه وبين أحد الزملاء
في العمل فأفترى عليه زوراً بقضية جعلته أن يحجز في مركز الشرطة حتى يثبت
براءته ثم تخلية سبيله . فأرسل طلباً الى أخ زوجته لكي يأتي الى البصرة لمساعدته
ويجد له طريقاً لأخلاء سبيله.
وصل إسحاق وطرق الباب حاملاً كيسه الذي يحوي فيه حاجاته الخاصة من
ملابسه القليلة ، ثم قدم نفسه " جئت لكم من قريتي وأنا مفصول من وظيفتي وليس
في جيبي أي شيء يُمكني أن أذهب الى مكان أدفع لهم ، لولا هذا المسخم زوج أختي
وأنتم تعرفونه ، الذي ساعدتموه ليعمل مع مقاول والذي هو الآن صار له أكثر من
عشرة أيام في مركز التوقيف بتهمة النصب والأحتيال ، وأرسل لي طلب أن آتي
وأساعده كي يخرج من التوقيف "، ولا نعرف هل هذه التهمة صحيحة أم مجرد إتهام ؟

ليس هنالك خيار إلا القبول من ناحية إنسانية لطلب بقائه عندنا . مرت الأيام وكان اليوم
الرابع ، ثم السابع ، وكان يحاول جاهداً الأتصال بزوج أخته ليفهم منه الأسباب الحقيقية
التي أدت الى توقيفه حتى يتم التحقيق ثم الحكم في القضية ، وكان أسحاق كثير الكلام
وسكيراً ، كان يشرب العرق كل ليلة ، والعرق مشروب مسكر شائع في الكثير من البلاد
العربية ، وكان أسحاق قد جاء بقنينته معه من قريته . اليوم نحن في اليوم الثامن من
وجوده معنا ، وكان اليوم الخميس عصراً ذهبنا لزيارة عائلة قريبة لنا ، فغداً الجمعة
وهي عطلة رسمية لعامة الوظائف في الدولة ويمكننا الأستمتاع بالوقت وترك الأطفال
يستمتعون باللعب مع أطفال العائلة التي سنزورها ،وهنالك أيضاً أمر آخر كان شائعا
في ذلك الزمن وهو ان العائلة المستضيفة لا تستثقل أستقبال نصف دزينة من أطفال
العائلة الزائرة ، فلقد كان نظاماً أجتماعيا متعارف عليه لأنه سيقابل بالمثل .

لكون مجموع الأطفال كانوا مستمتعين بوقتهم وكذلك الكبار فحصل أن تأخرنا لحدود
الساعة التاسعة مساءً عندهم ، وكان الزمن صيفاً حاراً ، وفي العادة في ذلك الزمان
الناس كانت تلجأ الى سطوح المنازل لكي تستمتع بأجواء أكثر برودة من داخل البيوت
وعلى سطوح البيوت يتسامر أهل البيت بأحاديث عائلية أو قصص للمتعة لأنه في ذلك
الحين لم يكُ التلفاز قد شاع بعد ولا وسائل التبريد كما هي اليوم .
نعم عدنا الى البيت ومن بُعد بضعة أمتار لمحنا الضيف جالساً على عتبة دارنا ينتظرنا
وكان يصرخ بأعلى صوته يشتم ويلعن رئيس وزراء العراق حينذاك نوري السعيد ،
ويصرخ بأقصى طاقته منتقداً الحكومة .
كان موقفاً مُربكاً ومقلقاً لنا ، رأينا الجيران المحيطين بنا معظمهم قد أتكاؤا على الجدران
الأمامية لسطوح منازلهم ينظرون بتعجب لهذا الغريب وجرأته لسّب رئيس الحكومة آنذاك
، من هو هذا الشخص الذي يسب ، ولماذا ؟؟!! وهم يعرفون جيداً أن أهل هذه الدار أناس
لا يتدخلون بالسياسة ويبتعدون عن السب والشتم ، ولا يريدون المشاكل لا لأنفسهم ولا
لغيرهم ، فمن هو هذا الشخص ؟ لا بد أنه يبدو مخموراً أو فاقداً رشده وصبره ، كي يتجرأ
على سب رئيس الحكومة آنذاك .
أسرع والدي الخطى ليسكت هذا الضيف الذي فرض نفسه ومشاكله وجعل المحيطين بنا
يتساءلون من هو هذا الشخص ؟ فتح والدي باب الدار وطلب من هذا الضيف أن يدخل سريعاً
لكي يهدأه ولا يجعل صراخه ومسباته تقلق الجيران وتثير فضولهم ، وبعد وجودنا معاً داخل
الدارعرفنا من كلامه العبثي ، انه سكران ، قدمنا له العشاء ليأكل ثم آوى إلى فراشه.

في اليوم التالي مساءً حدث أن كانت كنيسة قرب البيت وهذه الكنيسة كانت مسماة على
أسم السيدة العذراء ، فدخل إليها بعد الغروب طالباً من الحارس أن يسمح له بالدخول
والصلاة لبضعة دقائق فلبى له الطلب ، وكانت طلبته " يا عذراء هذه معي بطاقة يانصيب
، أرى أن جدران الكنيسة الداخلية تحتاج الى صبغ ، فإن ربحت بطاقة اليانصيب التي في
يدي أعدك سأصبغ جدران كنيستك "، ثم جاء بيتنا ليتعشى وكلمنا بما نذر للسيدة العذراء .
وكان اليوم التالي وهو موعد سحب بطاقة اليانصيب ، ونال هذا الشخص الحظ الذي
كان يتمناه ، فلقد ربح 100 دينار في ذلك الحين وهو ما يعادل راتب موظف بسيط لمدة
بضعة شهور أو نصف سنة ، فدخل البيت عندنا فرحاً يبشر بحصوله على ربح اليانصيب ،
فردّ عليه والدي ممازحاً ،
- " هذا جيد جداً ، فأنت البارحة وعدت السيدة العذراء إن ساعدتك في ربح اليانصيب
ستصبغ الكنيسة ، فهل أنت عند وعدك "..؟؟
- أجاب والأبتسامة العريضة ترتسم على وجهه ،" ليش العذراء غشيمة ؟؟ هي ما تعرف
آني سكران عندما طلبت منها الطلب ، والسكران لا يؤآخذ على قوله لأنه سكران ".
- " نعم كُنتَ سكراناً " رددنا عليه بصوت واحد ، لنستكشف تهربه من وعده الذي عرضه
على السيدة العذراء . " أبطل السكر كي تفي بوعودك مستقبلاً " .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير