آليات الهيمنة الرأسمالية والصراع الطبقي

عبد السلام أديب
2021 / 9 / 26

1 – لكي يتمكن الناس من العيش من المحتم عليهم العمل، أو بعبارة أخرى، أن يعمل بعض الناس لكي يتمكن الجميع من العيش. علما أن العمال لديهم عموما القدرة على انتاج أكثر مما هو ضروري لبقائهم على قيد الحياة، ولهذا السبب لا يتطلب تأمين تكاثر مجتمع بشري أن يشتغل الجميع.

2 – على مر التاريخ كان هناك دائما أشخاص غير قادرين مؤقتا أو بشكل مستمر على العمل بسبب المرض أو الإعاقة أو الحمل أو الإصابة أو التقدم في السن، فمثل هؤلاء الأشخاص يستفيدون من العمل الفائض للفئات القادرة على العمل.

3 – على مر التاريخ أيضا ظهرت طبقات قادرة على العمل لكنها لا تعمل، بل تستغل عمل الآخرين، ليس فقط لسد حاجياتها الضرورية الخاصة، بل في مراكمة الثروات عبر التصرف في منتجات العمال المنتجين بالبيع والشراء، وعلى هذا الأساس نشأت طفيليات المجتمعات الطبقية واختلفت بحسب اختلاف نمط الإنتاج السائد.

4 – في نمط الإنتاج العبودي كان العبيد هم من ينتجون العمل الفائض الذي يستولي عليه الاسياد، وفي نمط الإنتاج الاقطاعي كان أقنان الأرض هم منتجو فائض العمل الذي يسيطر عليه الاقطاعيون، وفي ظل نمط الإنتاج الرأسمالي أصبح العمال هم منتجو العمل الفائض الذي يسيطر عليه الرأسماليون.

5 – وإذا ما قارنا بين أوضاع منتجي العمل الفائض، فإن أسوء وضع طبقي هو وضع العمال في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي. ففي ظل المجتمع العبودي كان العبد يشترى مرة واحدة، ويكون على الاسياد رعاية العبد ان أرادوا ضمان استمرار انتاجه الدائم للعمل الفائض، اما العامل المأجور فهو مضطر لبيع قوة عمله كل يوم وبأسعار بخسة، وقد يتم الاستغناء عنه في أية لحظة كما قد تخونه قوته فيلقى به الى الشارع. أما بالنسبة لوضعية اقنان الأرض في عهد الاقطاع فإن وضعهم كان افضل من وضع الطبقة العاملة في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي، لان القن يعيش فوق قطعة أرضية يستطيع ان ينتج من خلالها فائض العمل له وللإقطاعي، أما العمال فمحرومون من كافة وسائل الإنتاج أو أنهم فصلوا عنها، لذلك يصبح مضطرا للعمل المرهق وبأجور متدنية.

5 - لهذا السبب، عملت المجتمعات الطبقية دائمًا على ايجاد اساليب لجعل بعض الناس يعملون من أجل القوى المهيمنة أو، بعبارة أخرى، لإيجاد طريقة لتنظيم العمالة الفائضة. وقد تكون القدرة على أداء العمل الفائض شرطًا لإمكانية وجود الإنسانية على هذا النحو، لكن جانبها السلبي القاتم، هو تبلور المجتمع الطبقي. فمن أجل تحقيق هذا المجتمع الطبقي، أصبح من المتعين على بعض الأشخاص معرفة كيفية إجبار الآخرين على العمل لفائدتهم. فكيف يمكن للمرء أن يفعل ذلك؟ وكيف تعمل مجموعة من الناس على فرض نفسها كطبقة حاكمة؟ ثم كيف يمكنها إنشاء وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية التي تسمح لهم باستغلال طبقة من الكادحين؟

6 - على مر التاريخ، اعتمدت الطبقات الحاكمة بشكل عام على الجمع بين الأيديولوجيا والتهديد بالعنف. فالأيديولوجيا تحدد كيفية فهم الناس للعالم الذي يعيشون فيه وما يعتبرونه عادلاً وظالمًا، وضروريًا وعرضيًا، وطبيعيًا ومصطنعًا، وإلهيًا وإنسانيًا، وحتميًا وقابل للتغير. فمثل هذه الأفكار والتخمينات تسهم كإحداثيات لإنتاج العمل الفائض وعلى أساسها تبلورت المعتقدات الدينية ذات الطابع الأخلاقي الاجباري، ولهذا السبب أيضا، أصبحت الأيديولوجيا والأديان مصدرًا مهمًا لسلطة الطبقات الحاكمة. وعادةً ما تحتكر هذه الأخيرة سلطة الاكراه والعنف وتمارسه بشكل مكشوف لضمان استمرار العمل الفائض على أساس الشرعية المصطنعة التي تضفيها على جهاز الدولة أيديولوجيا، وعلى أساس ذلك يتم ضمان اخضاع الجماهير لإرادة الطبقة الحاكمة لان الانسان بطبعه يحاول تجنب الألم والموت، لذلك فإن التهديد بالعنف غالبًا ما يكون قوة دافعة فعالة.

7 – وقد اعتمدت المجتمعات الطبقية ما قبل الرأسمالية، على العنف في جهودها لاستخراج العمالة الفائضة من المنتجين سواء في بلاد ما بين النهرين القديمة، والتي استندت بشكل منهجي على العمالة البشرية القسرية. كما أن العبودية كانت أيضا أساس هيمنة سلالة تشين وأوائل أسرة هان في الصين، نفس الشيء بالنسبة إلى اليونان القديمة والإمبراطورية الرومانية. كما قام أساس المجتمع الإقطاعي هو الآخر على ممارسة العنف. ففي ظل هذه المجتمعات الطبقية ما قبل الرأسمالية، كانت الطبقات الحاكمة تعتمد على العنف في جهودها لاستخراج العمالة الفائضة من المنتجين. ولم يكن المنتجون أحرار، بمعنى لم يكن لديهم الحق في الانسحاب من العلاقة الاستغلالية وأن أي محاولة للقيام بذلك، على الأقل في ظل الظروف العادية، تنطوي على صعوبات ومخاطر كبيرة.

8 – خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر تم فصل الفلاحين عن الأرض في بريطانيا وهو ما أجبرهم، بدون عنف، على بيع قوة عملهم للملاكين العقاريين الكبار، الذين باعوا بعد ذلك منتجاتهم كسلع في الأسواق التنافسية بهدف كسب المال. فالسعي وراء الثروة في شكلها النقدي، بدأ في التسلل إلى النسيج الاجتماعي بأكمله؛ حيث أصبح رأس المال هو القوة الاقتصادية المهيمنة، ويؤكد كارل ماركس في هذا الصدد على أن مسام رأس المال تقطر بالدماء والدموع من رأسه إلى أخمص قدميه (الفصل 24 من رأس المال المجلد الأول).

9 - ومع ذلك، بمجرد تأسيس نمط الإنتاج الرأسمالي، تم إعادة هيكلة العنف تدريجياً بواسطة شكل آخر من أشكال الهيمنة، يصفه كارل ماركس بالإكراه الصامت للعلاقات الاقتصادية. هذا الإكراه الصامت لا يخلق الهيمنة الطبقية التي يقوم عليها الإنتاج الرأسمالي، بل "يختتمها ، على حد تعبير ماركس.

10 - لم يؤد ظهور الرأسمالية، إذن، إلى ابعاد السلطة عن الاقتصاد، بل ساهم في تشكيل جديد للسلطة. فقد تمركزت القوة القسرية المطلوبة لضمان علاقات الملكية في يد الدولة، وانفصلت رسميًا عن تنظيم الإنتاج واستخراج العمالة الفائضة، التي أصبحت محكومة بشكل تجريدي وغير شخصي، ثم اتضح أن هذه الطريقة الجديدة تاريخيًا في تنظيم إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية كانت عنيدة ومتعددة الاستخدامات وأتيحت بدافع توسعي شرس. وبعد خمسة قرون، أصبحت اليوم، أكثر رسوخًا من أي وقت مضى.

11 – فبدلاً من أن تنبع من القدرة على إيذاء وتقييد أجسام البشر جسديًا عبر العنف أو القدرة على التأثير في طريقة تفكير هذه الهيئات عبر الأيديولوجيات والدين، فإن القوة الاقتصادية أصبحت متجذرة في قدرتها على ترتيب الظروف المادية للتكاثر الاجتماعي بطريقة يضطر الناس معها إلى القيام بأشياء معينة لتلبية مطالب رأس المال طوعا للمساهمة في إنتاج فائض القيمة.

12 – إن أي شكل محدد تاريخيًا وجغرافيًا للرأسمالية، تشكل من خلال قوى اجتماعية متعددة، بالإضافة إلى دور الظروف التاريخية والجغرافيا، والتي قد تسرع أو تثبط أو تشوه أو تحبط أو حتى تعيق الديناميكيات الجوهرية لرأس المال، فإذا أردنا أن نعرف شيئًا عن كيفية عمل القوة الاقتصادية لرأس المال في تكوين اجتماعي محدد زمنيًا أو مكانيًا، فعلينا الانتباه إلى هذه العوامل. وهذا يشمل أيضًا الصراع الطبقي ومقاومة رأس المال.

13 - المقاومة البروليتارية منتشرة موضوعيا في كل مكان. ومع ذلك، يطرح السؤال حول لماذا لا يزال رأس المال قادرًا على الاستمرار؟. فهناك عدة آليات طورها نمط الإنتاج الرأسمالي لضمان استمرارية هيمنته.

14 – فالدين يعتبر في جذوره، علاقة هيمنة بين المدين والدائن، حيث يشكل الدين آلية تضمن التزام رؤوس الأموال الفردية بتنفيذ القوانين العامة لرأس المال.

15 – كما يجب الانتباه الى الأشكال المختلفة لرأس المال ودورها في إعادة انتاج العلاقات الرأسمالية. فهناك رأس المال المنتج، ورأس مال التجاري ورأس المال الحامل للفائدة... كما تتعدد فئات مختلفة من طبقة الرأسماليين وكيفية توزيع فائض القيمة فيما بينهم، كربح الشركة وإيجار الأرض والفائدة. فمن المفيد دراسة كيفية مساهمة الأشكال المختلفة لرأس المال في إعادة إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية بشكل عام. كما يمكن للمرء أن يتكهن، على سبيل المثال، بوجود نوع من تقسيم العمل داخل الطبقة الرأسمالية. حيث يحصل ملاك الأراضي على ريع الأرض كمكافأة لإبعاد البروليتاريين عن الأرض، وبالتالي تأمين علاقة الهيمنة. ويلاحظ كارل ماركس أن الوظيفة الوحيدة للملكية الخاصة للأرض في الرأسمالية هي أنها "لا ينبغي أن تكون ملكية عامة (مخطوطات 1861 – 1863، الصفحة 278).

16 – كما يعتني رأس المال الإنتاجي بهيمنة رأس المال على العمال داخل مكان العمل. ويساعد رأس المال التجاري على توسيع السوق وتسهيل تقسيم العمل بين رؤوس الأموال، ويمكن القول أن وظيفته هي توسيع وترسيخ أشكال السلطة الرأسمالية بين الناس. ويؤدي من جهة أخرى رأس المال المالي العديد من وظائف الهيمنة على إرادة ورغبات الكادحين. فهو يشحم النظام بأكمله عن طريق تمويل الاستثمارات، ومعادلة الأرباح وتسهيل تحقيق السوق العالمية، بما في ذلك المشاريع الإعلانية الإمبريالية لرأس المال.

17 - ومع ذلك، فإن شكل الهيمنة الخاص برأس المال المالي هو الدين. فجذور الدين تكمن في علاقة الهيمنة بين المدين والدائن. وقد اعتبر كارل ماركس أن نظام الائتمان عبارة عن سلاح رهيب في معركة المنافسة، سلاح يعمل عن طريق خيوط غير مرئية. كما يوضح ماركس أن علاقة المدين بالدائن مثل العلاقة بين فصائل مختلفة من رأس المال، أي كخصم بين "رأس المال كملكية" و"رأس المال كوظيفة" (مخطوطات 1864 – 1865 الصفحة 481). على هذا النحو، فإن الدين يشكل آلية تضمن التزام رؤوس الأموال الفردية بتنفيذ القوانين العامة لرأس المال.

18 – وقد أصبح الدين في العصر النيوليبرالي، مركزًا للاقتصاد بأكمله بشكل متزايد، ليس فقط كعلاقة بين مختلف فصائل رأس المال، ولكن أيضًا كعلاقة بين رأس المال والدولة وكذلك بين الرأسماليين والبروليتاريين. فقد أظهرت برامج التقويم الهيكلي في الثمانينيات وأيضا حالة اليونان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كيف يمكن للدين العام أن يشكل قبضة قوية على سلطة الدولة، مما يجبرها على الامتثال للأسواق.

19 - كما أظهرت الزيادة الهائلة في ديون المستهلكين مثل الرهون العقارية، وديون الطلبة، وديون بطاقات الائتمان، وما إلى ذلك، في العقود الأخيرة أنها عنصر مركزي في هيمنة رأس المال على البروليتاريا. وقد انتقد ماركس فكرة أن بؤس البروليتاريا يمكن علاجه عن طريق بنوك الادخار. حيث رأى أن مثل هذا النظام، سيشكل، آلة طاغية تعيد الأجور إلى الرأسماليين وبالتالي تعمل على تقوية هيمنتهم المباشرة على الشعب" (أجر العمل ورأس المال 1849 المجلد 6 الصفحة 427).


20 – ويؤكد كارل ماركس بأن القوة القسرية للدولة تقف متربصة دائمًا في الخلفية، وعلى استعداد للتدخل إذا تبين لها أن الإكراه الصامت لرأس المال غير كافٍ، وقد شاهدنا ذلك بالملموس عند ممارسة القمع الشرس للإضرابات العمالية أو للحركات الاحتجاجات كما حدث مع حراك الريف مثلا.

21 - كانت أنماط استخراج فائض العمل ما قبل الرأسمالية تقوم على العلاقة الحميمة بين المنتجين ووسائل الإنتاج؛ إما أن المنتجين يخضعون لوسائل الإنتاج، كما هو الحال مع أشكال العبودية المختلفة، أو أن وسائل الإنتاج توجد تحت يد المنتجين، كما هو الحال في الإقطاع. كما أن سلطة الطبقات الحاكمة كانت في ما قبل الرأسمالية تقوم على ضمان وحدة المنتجين ووسائل الإنتاج. لكن على النقيض من ذلك، فإن قوة الطبقة الرأسمالية أصبحت ترتكز على إعادة إنتاج الفصل بين وسائل وظروف الإنتاج والطبقة العاملة المنتجة على المستوى الكوكبي.

22 – ولكي يدخل منطق التثمين كوسيط بين الحياة وظروفها، يجب أن تكون حالة البروليتاريا عالمية. فالرأسمالية الامبريالية تعتمد في جذورها على شرخ سياسي بيولوجي، يتم فيه اختزال الحياة البروليتارية في إمكانية خالصة للعمل، ومنفصلة عن شروط تحقيقها. فهذه هي الهيمنة الطبقية الأساسية التي يفترضها نمط الإنتاج الرأسمالي. وهي هيمنة طبقية يتكون الجزء التابع لها، ليس فقط من أولئك الذين يتم استغلالهم مباشرة من قبل رأس المال، ولكن من كل من يعتمد على دوائر رأس المال، بغض النظر عما إذا كانوا أجراء أم لا. من أجل التأكد من أن إنتاج فائض القيمة يصبح شرطًا لإعادة إنتاج الحياة، أصبح رأس المال الامبريالي يحول مجتمعات بأكملها إلى بروليتاريين منفصلين عن وسائل الانتاج.

23 – إن الفصل بين الحياة وظروفها يجبر البروليتاريا على إرسال بعض أعضائها إلى السوق، حيث يبيعون جزءًا من حياتهم كسلعة تعرف بقوة العمل. فعلى خلاف العبيد وأقنان الأرض تجبر البروليتاريا، بحكم حاجتها للعيش على اخضاع نفسها للاستغلال.

24 – يتفاخر المدافعون عن رأس المال بكون العلاقة بين المشتري وبائع قوة العمل يقوم على عقد طوعي بين وكلاء أحرار. لكن وجود سوق لقوة العمل بحد ذاته يشكل نتيجة للهيمنة الطبقية. فعندما تذهب البروليتارية إلى السوق، فإنها تواجه وجهًا آخر لهيمنة رأس المال، تتمثل في القيمة والمنافسة. فتنظيم إعادة الإنتاج الاجتماعي عن طريق تبادل منتجات العمل التي ينتجها المنتجون المستقلون والخاصون، يحول العلاقات الاجتماعية بين الناس إلى تجريدات حقيقية تواجههم كقوة غريبة، فيفقد المجتمع السيطرة على نفسه. فالعلاقات الاجتماعية تستقل وتتجسد في النقود، والتي يؤدي تفاعلها مع السلع في السوق إلى تحديد الشروط التي بموجبها يتمكن الناس من الوصول إلى الأشياء التي يحتاجون إليها من أجل العيش. وبالتالي فإن العامل التي يذهب الى السوق لبيع قوة عمله يواجه ما يسمى "بالسعر". فبدلاً من أن تشكل المعلومة وسيلة لتخصيص الموارد بشكل عقلاني، يصبح السعر أمرا الزاميا صادر عن السوق.

25 – وتعتبر المنافسة شكلا من أشكال الهيمنة التي يخضع لها الجميع وليس فقط البروليتاريا. فالهيمنة الاقتصادية لرأس المال تنتج عن اقتران نوعين من الانفصال يقفان خلف المنافسة الرأسمالية، وهما، فصل الحياة عن ظروفها، وفصل المنتجين عن المنتجين الآخرين والعمال عن العمال الآخرين.

26 – الإكراه الصامت لرأس المال إذن هو نتيجة لمجموعة معينة من العلاقات الاجتماعية ومجموعة معينة من الديناميكيات التي تحركها تلك العلاقات. فهما معًا، يفسران لماذا يهيمن على المجتمع الرأسمالي منطق توسعي للتثمين يفرض نفسه على المجتمع ليس فقط عن طريق العنف والأيديولوجيا ولكن أيضًا من خلال تغلغله في النسيج المادي لإعادة الإنتاج الاجتماعي.

27 – أما من حيث الصراع الطبقي للبروليتاريا فتجده يتخذ موضوعيا عدة اشكال تختلف باختلاف الظروف المادية لواقع الاستغلال واليات الهيمنة الرأسمالية المعولمة، الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاكراه المادي. ويتساءل عدد من المناضلين الثوريين عن مدى نجاعة استغلال الانتخابات وما يسمى بالبرلمانية الثورية ولو من اجل جعل محطة الانتخابات منبرا للتنديد بالاستغلال والتحريض على الثورة البروليتاريا. الجواب البديهي على هذا التساؤل انه ليس من مصلحة الطبقة العاملة ولا من مصلحة المناضلين الثوريين اللجوء الى ذلك.

28 – فالطبقة العاملة لن تستطيع الدفاع عن نفسها من خلال المجالين الانتخابي أو البرلماني. فعلى مدى عقود، لم تنجح الطبقة العاملة أبدًا، حتى على المستوى العالمي، في فرض حد أدنى من الإصلاح الحقيقي والدائم على البرلمان أو على أي هيئة أخرى منتخبة من سلطات البرجوازية في أي مجال مهما كان، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي. وهناك العديد من الأمثلة، حتى في ظل الحكومات التي سمت نفسها بالاشتراكية، كحكومة فرانسوا ميتران في فرنسا التي دامت مدة 14 سنة وحكومة عبد الرحمان اليوسفي في المغرب التي دامت مدة ست سنوات. وقد اتضح من خلال هذه التجارب الملموسة على ان وصول الأحزاب اليسارية إلى الحكم، كان يمثل دائمًا تضحيات جديدة للعمال وبدون أي تحسن في أوضاعها. وهذا يعني انه في ظل الديموقراطية البرجوازية فان كافة اشكال الحكومات هي عدوة بالضرورة للبروليتاريا، وتعمل على تكريس معاناتها مع الاستغلال، سواء من خلال الهجمات الشاملة ضد العمال عبر التقليص العام لمستوى المعيشة من خلال الزيادة في الأسعار وتراجع الخدمات العمومية، وتجميد الأجور، ومضاعفة البطالة وتسريح العمال، وتخفيض جميع المزايا الاجتماعية وكذا عبر قمع نضالات العمال.

29 - بغض النظر عن الانتماءات السياسية للأحزاب التي تفوز بالانتخابات، فإن الظروف المعيشية للطبقة العاملة تتدهور باستمرار سواء مع تسارع الأزمة الرأسمالية أو حتى مع حدوث انتعاشه في الظرفية الاثتصادية، فجشع رأس المال يعز عليه الزيادة في الأجور بدون رفع مضاعف من مستوى أسعار المعيش اليومي للكادحين بالمقابل.

30 – إن وظيفة الانتخابات اليوم هي تحريف العمال فقط عن وعيهم ونضالاتهم ضد الاستغلال. فالرأسمالية التي بلغت اليوم أقصى تناقضاتها حيث لم تعد قادرة على التغلب على أزماتها الاقتصادية. لم يعد بإمكانها الاستمرار إلا من خلال الدخول في دوامة أزمة - حرب - إعادة إعمار – ثم أزمة أكثر حدة ... تجر معها البشرية جمعاء نحو المزيد من البربرية والبؤس متعاظمان باستمرار، وهذا يعني ضمناً مستويات جديدة من الاستغلال والاضطهاد واخضاع البروليتاريا. فلم تعد البرجوازية قادرة على منح أي إصلاح حقيقي ودائم في أي مجال على الإطلاق.

31 - لم تعد الرأسمالية إذن نمطًا تقدميًا للإنتاج بسبب الهبوط التدريجي لمعدلات الربح الرأسمالي بفعل قوانينها الداخلية. كما أن انحلالها الناجم عن ذلك، يؤدي الى انحلال كافة علاقات الإنتاج الاجتماعية التي كانت بمثابة الأساس لتطورها. وهي تدفع الطبقة العاملة نتيجة لذلك نحو ضرورة وإمكانية العمل بشكل مباشر من أجل الإطاحة بها.

32 - المهمة الوحيدة أمام البروليتاريا اليوم، هي أن تشكل نفسها على أساس، أنها القوة الاجتماعية العالمية الوحيدة القادرة على تدمير الرأسمالية الامبريالية. وحيث تجب مراجعة أساليب معينة كانت معتمدة في النضال، بل ورفضها، ومحاربتها، لأنها لا تؤكد فقط على أن الزمن قد عفا عنها تمامًا، ولكنها أصبحت عوائق، وأسلحة في أيدي العدو، والبرجوازية، ضد التطور. وهذا هو الحال مع قضايا الوطنية والنقابية والبرلمانية، ففي ظل هذه الظروف، لم يعد لدى الطبقة العاملة ما تفعله في المجال الانتخابي.

33 – ان مجموعات اليسراويين التحريفيين الذين يحثون البروليتاريا على المشاركة في الانتخابات بأي مبرر كان، لا يستهدف سوى إسقاط العمال في الفخ الانتخابي، فهي في الواقع مجموعات برجوازية، لها وظيفة لا غنى عنها داخل الجهاز السياسي البرجوازي للرأسمالية المتحللة. فهي تتبني عبارات ذات صبغة ثورية لخداع واستخدام العمال الأكثر نضالية، كما أنها عملية صرف البروليتاريا عن الوعي بأن النضال العمالي هو بالفعل مجال العمل الوحيد الممكن اليوم.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير