ضد لعبة النُخب

المنصور جعفر
2021 / 9 / 25

هدف هذا المقال الإسهام في تخفيض وجود وإختلافات النخب في السودان بدعم فكرة الثورة المتكاملة على كل أشكال النظام الليبرالي الحاضرة وفي المستقبل كونه نظام يؤجج وجود وصراعات النخب على حساب معيشة غالبية الكادحين.


1- لعبة الكراسي كبيئة لتكون النخب:
ارتباط أي نظام الحكم بحرية التملك والنشاط التجاري تجعله نظاماً ليبرالياً، ومثل هذه الليبرالية حاضرة في السودان منذ عام 1899 عند الغزو الرأسمالي الثاني للسودان، ولا يغير هذه الحقيقة حضور الحكم الليبرالي في السودان قبل أو بعد الإستقلال الشكلي بواجهة رجعية أو بواجهة حداثة، أو إن حضوره كان برئاسة عسكرية أو كان برئاسة حزبية، وسواء كان علمانياً كما في أيام تحكم زعماء الطوائف الإسلامية، أو كان حكماً ديني الكلام كما في أيام تحكم الجنرالات أبناء المؤسسة العسكرية العلمانية. وهو نظام ليبرالي فيه بقايا من النظم القديمة.


"الليبرالية" حالة أنانية تجارة وسياسة تشبه لعبة الكراسي التي يقل فيها عدد الكراسي واحداً أو إثنين عن عدد المتطلعين إلى الجلوس لكن الليبرالية في العالم الثالث وعلى وجه الخصوص في السودان ضيقة جداً تصل في بعض مناطقه مثالاً لمعدل قريب كرسي واحد / فرصة واحدة لكل مائة أو لكل ألف إنسان في التعليم، وإضعاف ذلك في مجال العلاج، وأيضاَ فرصة واحدة لكل بضعة آلاف إنسان للحصول على عمل مستدام محترم الامكانات والعائد. من ثم في مجالات هذه البيئة الليبرالية تتكون النخب متسمة بأنانية شديدة الشراسة لسبب من قساوة هذه اللعبة السياسية المكونة لها بنسبة أنانية عالية جداً.


2- الأنانية كمركز للحكم الليبرالي:
عدد العاملين المدنيين والعسكريين في جهاز الدولة قد لا يفوق المائتي ألف إنسان أي ما يعادل حوالى 0.5% من عدد المواطنين أو حتى 1% مع محاسيبهم وتجار هيئاتهم ومع ذلك فإن حوالي 90% من صرف الحكومة النخبوية التكوين يتجه بهذه النخبة الكبيرة إلى تمويل ذاتها أو مباشرة أو تمويل خدمات بعض مناطق تركز النخب أو تجديد بعض مصادر الضرائب. أي إن 99% من سكان السودان في جهد تمتصه حكومة الـ1%

إذن كيف نصدق الكلام عن الليبرالية كحرية وعن الديمقراطية كحل بينما تتحكم النخب المدنية والعسكرية والتجارية القليلة الجهد والعدد في معيشة ومصير ومستقبل غالبية المجتمع؟!


منذ صيف 2019 تركت غالبية النخب الليبرالية الرجعية أو الحداثوية مطالب الشعب الثلاثة (المدنية، المحاسبة، والمعيشة) وتمسكت بتحقيق شعارات (حرية سلام عدالة) بالتعاون مع النخبة العسكرية الإسلامية في ما عرف بـ"شراكة الدم"، وبدأت في تسيير الأمور مرة بشكل إستراتيجي ومرات بشكل تلقائي. وفي الحالتين تمسكت كل النخب بالحرية النسبية للتملك والنشاط التجاري ورفضت إلغاء أهم أسس الإستعمار الداخلي وهي الملكية التجارية الخاصة لموارد المجتمع، وخاصمت كل دعاوى إلغاء تسول الديون المسمومة.

ومن ثم مع رفض كثير من الناس والحزب الشيوعي السوداني لهذه السياسات الإنفرادية المثيرة للتفاوت والتوترات والنزاعات ومع توقع تكاثر الغنائم الإدارية والمالية بدأت مواقف بعض النخب في الإضطراب والتناقض، لدرجة تبادل الإتهامات بين بعض العسكريين وبعض المدنيين حول تدمير الأمن والإقتصاد والمعيشة والمستقبل بينما بدأت نخبة الإعلام من الكتاب الحزبيين واللاحزبيين في تفضيل نخبة على أخرى.



3- شعارات تبرر الشراسة:
نتيجة الفرص الضيقة التي يؤسس بها النظام الليبرالي تكوين النخب محققاً إنفراد مئاتهم وآلافهم بمقاليد الجاه في المناصب والمسؤوليات من بين عشرات ملايين الناس، نجد هذه النخب تمارس أنانيتها الشرسة أو شراستها الأنانية باسم أي كلام عام تجيده أو تتسلق به مثل الكلام عن: "الإتحاد"، "الوطنية"، "الاستقلال"، "تحرير لا تعمير"، "النظام والعمل وتأمين وحدة البلاد"، "الحرية"، "الدستور الإسلامي"، "الوحدة العربية"، "الاشتراكية"، "المصالحة الوطنية"، "النهج الإسلامي"، "الصحوة الإسلامية"، "التجديد الإسلامي"، "الإنقاذ"، "المشروع الحضاري"، "الهبوط الناعم والتحول الديمقراطي"، وصولاً إلى الوضع الحاضر المشرعن مرة باسم تحقيق "حرية سلام وعدالة"، مرة بإسم "الانتقال إلى نظام ديموقراطي"، ومرة باسم تحقيق متطلبات الانتقال"، وهكذا دواليك: أو كما تقول الأغنية: "الساقية لسه ولسه مدورة" بينما صار "أحمد" الوارد في نفس تلك الأغنية كصورة للشعب، شبيه لحيوان تلك الساقية صار إما أن يجر أو أن يجري أو أن يتسلط على الثيران الجدد في الساقية الإقتصادية السياسية.



4- مصادر وهدف النعومة في دول الأوسيد OCED:
في كل الدول الليبرالية الإمبريالية المركزية واخواتها نجد نفس لعبة الفرص الضيقة لكن جزءها الأكبر يدار بين برجواز تلك الدول على مستوى العالم. من ثم يستخدم جزء من المال المنهوب من الكادحين ومن دول العالم الثالث في إطفاء الحاجات الأساس لشعوب تلك المجتمعات الإمبريالية، حتى ان عدد فرص التعليم الأساس والثانوي مقارب لعدد مستحقي التعليم أو أكثر، وكذلك في مجال العلاج الأساس وفي بقية خدمات الحقوق.


في تلك الدول توزع النخبة بعض الموارد على الحاجات الأساس في المجتمع ليس لأنهم أذكياء أو لأنهم أطيب أخلاقاً أو أكثر تديناً أو لأنهم مسيحيين أو اشتراكيين!؟ لا بل لأن النخبة تركز أموال المجتمع والعالم في بنوك دولتها وشركاءها وفي يد حكوماتها. وفي يد بعض الشركات الممولة لها. ومن ثم تستعمل هذه الدول القوية هذه الأموال المنهوبة من الكادحين والوسط ومن غالبية دول العالم الثالث في شكلين: شكل كبير يجدد ويزيد عمليات الإستثمار الرأسمالي، وشكل صغير (متناقص منذ فترة الثمانينيات) توزعه على خدمات حقوق المجتمع لتحافظ بتأثير منافعه على استقرار الدولة بعزل عدد كبير من الناس عن الحركة النقابية وعن الحركة الثورية.



5- الدعم كوسيلة إستغلال:
في كل دولة امبريالية وأشباهها تحافظ النخبة على استقرار الدولة وعلى إدامة وجودها كنخب بالصرف على حقوق الشعب بدعم نقودي لبعض الخدمات أو في شكل إعانات (يتم انتزاع أكثرها بالأسعار والفوائد ونهب موارد العالم الثالث). ومن ثم فإن سياسة الدول الامبريالية ذات "الصرف الاجتماعي" (الإصلاحات الإشتراكية في النظام الرأسمالي) سياسة تحمي بقاء النظام والمجتمع الرأسمالي المركزي من إضطرابات وثورات المطالب الشعبية.



6- أزمتان: أزمة العرض وأزمة المرض:
أزمة النخب في بلادنا والعالم ليست أزمة أخلاق دينية أو أزمة أخلاق سياسية وان كانا عياران لهما تأثير كبير في كشف التناقضات، بل أزمة النخب نتيجة من طبيعة أزمة النظام الليبرالي ككل (عناصره وعلاقاته وبناءاته) كونه نظام نسبي لحرية تملك أصحاب الأموال لموارد المجتمع ومتاجرتهم بموارد المجتمع ومعيشته، بدلاً لان ينسجم مع إسمه ويكون نظاماً تحقيق لحرية المجتمع من ديكتاتورية تماسيح السوق.



7- الليبرالية = خراب صحة الليبرالية والنيوليبرالية = خراب وتجديد خراب معيشة الكادحين وادامة خراب وجود ومعيشة دول ومجتمعات العالم الثالث: فالسياسة الليبرالية تقوم على تصاعد نخبوي انتقائي البقاء فيها لصاحب القدرات والاتصالات الخادم المجتهد لمصالح النخب التي تتحكم في بقاءه على قيد العطاء في نظام لعبة الكراسي.



8- الأنانية التجارية نقيضة الحرية والمساواة والعدل والتنمية المتوازنة:
من هذا التناقض الليبرالي بالإمكان الإشارة إلى ان تجارة الأنانية لايمكن أن تخلق مجتمعات أو دول كريمة، بل نقاط متزايدة نشطة في الاستغلال والتهميش، تمارس الاستعمار الداخلي وتستديم تسول الديون المسمومة، وتنمية تدهور المعيشة بينما تقضي أيامها في الزور والكذب وفي التخارج من الوعود وفي خيانة الأمانة الوطنية الديموقراطية التي تصدت لها أجيال الشعب وأجيال النخب كل بطريقته وهي أمانة قضية التنمية المتوازنة والديموقراطية الشعبية المتكاملة.



9- الخلاصة:
(أ) إن وجود النخب (بكل مجاملاتها وكل خلافاتها وتناقضاتها) مجرد عرض لتناقض النظام الليبرالي أياً كان شكل حكمه ورئاسته، كونه نظام يزور ويتشدق بالحرية والعدالة بينما حقيقته تكثيف الأنانية وحمايتها من حق الشعب في السيطرة على موارد معيشته.

(ب) إن أزمات التوافق أو النزاع بين بعض عناصر النخب المدنية والنخب العسكرية والنخب القبائلية أو في داخل كل نخبة منهم، لا يمكن حلها بتفضيل أو تزكية بعض النخب أو الفئات أو بعض الشخصيات على ند لها، بل بثورة متكاملة على ديكتاتورية السوق وتحكم تماسيحه في مقاليد المعيشة والدولة، وهي ثورة يجب منطقاً أن تمتاز عن سابقاتها الفاشلات بربط التنمية المتوازنة والديموقراطية الشعبية المتكاملة في سياق إشتراكي للكفاية في الإنتاج والعدالة في توزيع موارد المجتمع، حسب جهد كل فئة لمصلحة الغالبية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية