قصص وحواديت من العالم القديم (21) نيرون

محمد زكريا توفيق
2021 / 9 / 25

نيرون. سينيكا. بوديكا:

بدلا من ابن كلوديوس الشرعي، بريتانيكوس، أصبح نيرون، ابنه بالتبني، امبراطورا لروما عام 54 م. البداية، كانت متواضعة جدا وحكيمة. لكن سرعان ما بدأت تظهر أعمال نيرون الشريرة.

تسبب في تسمم بريتانيكوس، وقتل أمه. ربما لم يكن هناك من هو أكثر فظاعة وإجراما من نيرون. لقد كان يقتل الناس لمجرد التسلية. أسعد حالاته، عندما يقوم بتعذيب زملائه ومعارفه من البشر.

من بين جرائم نيرون، قتل سينيكا، معلمه، وهو فيلسوف متعلم جدا. كرهه نيرون لمجرد كونه حكيما وفاضلا، وأرسل له أمرا بقتل نفسه.

تلقى سينيكا هذا الأمر برباطة جأش كبيرة. قبل تنفيذ الأمر، طلب كتابة وصيته. وعندما رفض طلبه، قال لأصدقائه: "مادام لم يُسمح له بتوزيع تركته في صورة أموال، سيترك لورثته ما هو أثمن من الأموال. سنته وأسلوبه في الحياة".

زوجة سينيكا طلبت أن تموت معه. عندما وجدها جادة في طلبها، وافق على رغباتها. فقطعت عروق أذرعهما، وتركت تنزف حتى الموت. لكن سينيكا، لم يكن دمه يتدفق بسهولة. لذلك وضع في حمام دافئ حتى يجري الدم أسرع. وظل يعاني بصبر. وهو في هذه الحالة، أملى خطابا، ثم مات بعد فترة.

زوجته بولينا، أغمى عليها، واستغل خدمها تلك الفرصة لربط جروح ذراعيها. وهكذا تم إنقاذ حياتها، لكي تعيش بضع سنوات أخرى.

بذل البريطانيون جهدا آخر لاستعادة حريتهم، وتم إرسال جيش روماني لإخضاعهم. فنشر سكان الجزر الشجعان أنفسهم على الشاطئ لمعارضة العدو القادم، وانضم رجال الدين (درويد) إلى الجنود، على أمل أن يساعد مظهرهم الموقر في ترويع العدو.

كما شوهدت النساء يركضن، بالمشاعل في أيديهن، وشعورهن منكوشة، وملابسهن بدائية وغريبة. صدم الرومان بهذا المنظر، وفي البداية أفسحوا لهم المجال. لكن بعد ذلك، هاجمهم الجنرال بولينوس. فقاتل البريطانيون بقدر استطاعتهم، إلا أنهم هزموا، وتم حرق رجال الدين الموقرين.

هؤلاء الدرويد، أو الكهنة، كانوا معتادين على أداء احتفالاتهم الدينية في البساتين والغابات. وكانوا يستخدمون نبات الهدال، وهو نبات ينمو على أشجار السنديان والتفاح، في هذه الاحتفالات. قطع الرومان بساتينهم، ودمروا معابدهم.

لكن الاضطهاد وتحكم العسكر فيهم، ومبالغ الجزية الهائلة المطلوبة منهم، دفعت البريطانيين مرة أخرى إلى الحرب. بوديكا، ملكة قبيلة آيسين، امرأة حماسية، تولت قيادة القوات البريطانية المجتمعة.

كان والد بوديكا، على استعداد لإرضاء الرومان والحفاظ على ابنته من اضطهادهم، عندما مات، ترك نصف أراضيه للرومان، بشرط أن يسمح لابنته بالاستمتاع بالنصف الآخر.

لكن الرومان الجشعين لم يكونوا راضين عن النصف. اختاروا أن يحصلوا على كل شيء. لذلك، صممت بوديكا على بذل كل جهدها للدفاع عن حقوقها.

ظهرت هذه الملكة في عربة حربية، وحثت الجنود على القتال برجولة. نجحت في البداية، لكنها في النهاية هزمت شر هزيمة. ولكيلا تقع تحت رحمة الرومان، تجرعت السم وقتلت نفسها.

موت نيرون كان بشعا، بقدر ما كانت حياته شريرة. جوليوس فينديكس، الذي كان يحكم بلاد الغال (فرنسا)، أراد أن يخلص العالم من مثل هذا الوحش. ثم أعلن علنا، "من سيأتي لي برأس نيرون سيكون صديقي". ولكي يظهر تحديه لنيرون، قام بتنصيب جالبا، حاكم إسبانيا، إمبراطورا.

هذه الروح بينت لنيرون أن نهايته قد قربت. لذلك، فر من روما. وعندما علم أنه ملاحق، حاول قتل نفسه. لكن يديه كانت ترتجف وتتعثر كلما حاول ذلك. ثم أصبح مدينا لإحدى خادماته، التي ساعدته على الانتحار. لقد عاش لعدة أيام في حالة بؤس. كان ينام في حفرة، يعيش على العيش الحاف والماء البارد.

فيسباسيان. تدمير القدس. بليني:

جالبا، بالرغم من أنه كان يتمتع بخصال جيدة، إلا أنه يستحق مصير أفضل من ذلك الذي لاقاه. لأنه قطعت رأسه من قبل بعض القوات الثائرة، التي كانت تطالب بأوثو إمبراطورا لهم.

بدأ أوثو عهده بشكل جيد، من خلال العفو عن، وتكريم شخص كان من أنصار منافسه جالبا. وقال، "الإخلاص يستحق المكافأة". لكن حكمه لم يكن مستقرا. فاندلعت الثورة ضده.

انطلق أوثو مع جيشه لوضع الأمور في نصابها. لكنه فشل، فأعلن عن نيته في الانتحار. ثم شكر جنوده على إخلاصهم، وأضاف: "إنني أموت الآن من أجل سلامتكم، بدلا من أن ألوث هذا المنصب بأعمال حمقاء". ثم نام بهدوء وسلام، مع اثنين من الخناجر تحت وسادته. وفي الصباح التالي طعن نفسه في قلبه بواحد منهم.

أصبح فيتيليوس الآن إمبراطورا. لقد كان وقحا عديم القيمة. تم قتله، لأن الناس الغاضبة، والتي كانت تشعر بالاشمئزاز من شراهته وظلمه، قامت بالثورة ضده.

فيسباسيان، جنرال القوات الثائرة، تم تنصيبه إمبراطورا عام 69 م. كان لا يزال هناك مجلس الشيوخ في روما، لكنه تغير كثيرا عن مجلس الشيوخ في العصور السابقة. أصبح ينفذ أوامر الجيش والإمبراطور، ولا يمثل الشعب. بالتالي، لم تستفد روما كثيرا من قناصلها.

ذهب فيسباسيان إلى مصر، وقضى هناك مدة عام واحد، لكنه عاد في العام التالي إلى روما، بعد أن ترك ابنه تيتوس في قيادة الجيش، وأمره بمحاصرة القدس.

نفذ تيتوس بالكامل وصايا والده، وهاجم بشدة اليهود. هؤلاء الناس قاوموا الرومان لفترة طويلة. والآن، تتجمع جميع الفصائل في القدس، لمقاومة العدو المشترك. نجحوا في البداية، لكن قمعهم تيتوس بشده، وكان هو نفسه يقاتل وسطه جنوده.

كانت القدس محمية بثلاثة جدران، كان يضربها تيتوس من الخارج بآلات ضخمة. عرض مرارا العفو والرحمة على المحاصرين نظير الاستسلام. لكن رفض اليهود كل عروضه. وكانت المجاعة شديدة لدرجة أن أكل الناس لحوم الموتى.

عندما سمع تيتوس بهذا، غضب وتعهد بتدمير المدينة، وحقق تهديده. بعد ستة أشهر من الحرب، تم الاستيلاء على المدينة، وحرق معبدها الجميل، ودمر جميع منازلها وجدرانها بالكامل، عام 70 م.

كل السكان قتلوا تقريبا. الباقي من اليهود، فروا إلى أجزاء مختلفة من العالم. من تلك الفترة أصبح اليهود شعب طريد. وصلوا إلى كل بلدة وقرية تقريبا في أوروبا، وبلاد كثيرة في الشرق الأوسط.

رغب الجنود في تتويج تيتوس كفاتح، لكنه رفض قائلا: "لم أكن سوى أداة في يد السماء".

كان فيسباسيان مسرورا جدا بنجاح ابنه، ودخلا روما معا منتصرين. كان يفضل هذا الامبراطور البساطة والخشونة، لدرجة أنه عاقب ضابطا شابا، لأنه كان معطرا.

بليني، عالم الطبيعة العظيم، كان يعيش في هذا الوقت. لقد درس بعمق الأحياء، وحقق اكتشافات كثيرة في علم النبات، وكتب كتبا، تحظى إلى اليوم بتقدير كبير.

كان يسلي نفسه بمراقبة ظواهر طبيعية كثيرة. أثناء زيارته لبركان فيسوفياس، فقد حياته سنة 79 م. الغازات السامة التي كانت تملأ المكان كانت على الأرجح هي سبب وفاته.

فيسوفياس، هو جبل بركاني عال جدا، بالقرب من نابولي، في إيطاليا. وبين الحين والآخر، يتصاعد من قمته الدخان والنار. ويلقي بحممه البركانية في شكل مواد منصهرة مشتعلة. تسيل إلى جانب الجبل فتحرق الأشجار وتدمر الحقول والمنازل وكل شيء في طريقها إلى أن تصل إلى البحر. هذه الحمم، عندما تبرد، وتصبح في شكل أحجار سوداء، يتم قطعها، وبناء الأسوار والمنازل بها.

في الوقت الذي أصبح فيه تيتوس إمبراطورا، ثار بركان فيسوفياس، وقتل بليني. الحمم والرماد من النار ردمت تماما بلدتين، هما بومبي وهركولانيوم. كان الحدث سريعا وغير متوقع، لدرجة أن السكان ماتوا خنقا وهم في المنازل والشوارع.

كانت ترتفع الحمم البركانية أقداما عديدة فوق قمم المنازل. في الآونة الأخيرة، بعد إزاحة بعض الحمم البركانية من فوق مدينة بومبي. الآن يمكن للناس النزول إلى المدينة، ورؤية الهياكل العظمية المجففة للسكان، وأثاث المنازل، وكل شيء. في نفس الحالة التي كانت فيها قبل أن غطتها الحمم. عندما طغت لأول مرة.

آثار عجلات العربات على الأرض واضحة تماما. عمل من أعمال الطبية، يبين بوضوح لوحة فنية عن "آثار العصور القديمة"، يثير الاهتمام. ويبين لنا، كيف كانت الحياة في المدن في الزمن القديم.

كان فيسباسيان متواضعا. ومات بهدوء، واقفا على قدميه. قال إن الإمبراطور يجب أن يموت كبقية الناس. عندما كان ملك بارثيا يصف نفسه في رسائله ب: "ملك الملوك"، كان الامبراطور فيسباسيان يوقع رسائله بمجرد "فلافيوس فيسباسيان".

تيتوس. أجريكولا. دوميتيان.

خلف تيتوس والده، وأصبح إمبراطورا عام 79 م. وهو نفسه العام الذي مات فيه بليني، ودمرت مدينتي بومبي وهركولانيوم بسبب ثورة بركان فيسوفياس.

في هذا الوقت، كان الجنرال الروماني أجريكولا، يغزو بريطانيا على نطاق واسع. تزوجت ابنة هذا الضابط الشجاع من تاسيتوس، المؤرخ الشهير، الذي كتب تاريخ أجريكولا.

احتل أجريكولا جزءا من ويلز، وجعل نفسه سيد منى، وتسمى الآن جزيرة أنجليزيا. كما سار إلى كاليدونيا (اسكتلندا)، وهزم السكان الأصليين هناك، المتجمعين تحت رئاسة جالجاكوس. بعد ذلك، تفرغ لإدارة شؤون البلاد التي فتحها وقهر أهلها. كعادة الرومان مع فتوحاتهم، فقد كانوا ينشرون العلوم والآداب والحضارة، إلى البلاد التي هي أقل تحضرا.

بنى أجريكولا العديد من الحصون في الأراضي الأسكتلندية، ولم يكتف بإقامة المنازل والمعابد، بل حث البريطانيين على القيام بذلك بأنفسهم.

ثم قام دوميتيان باستدعاء أجريكولا من بريطانيا. ويقال إن هذا الشرير، قد دس له السم. دوميتيان هذا، تسبب أيضا في وفاة أخيه تيتوس. لذلك، لن نتساءل عن أية جرائم أخرى يكون قد ارتكبها.

بعد أكثر قليلا من عامين في الحكم، مرض تيتوس ومات. ترك وراءه شخصية، لا تثير الحسد، ولا تسبب بهجة وفرح للجنس البشري.

خلف دوميتيان أخاه، وكان في كل شيء على عكسه. اضطهد المسيحيين. كان قاسيا. دعا ذات مرة مجموعة كبيرة إلى حفلة كبيرة للترفيه. ثم أدخلهم في غرفة مطلية باللون الأسود. بها توابيت سوداء تحمل أسماء الضيوف. حول التوابيت، جنود تحمل المشاعل والسيوف.

الضيوف، كانوا يعلمون أن الإمبراطور شرس عصبي المزاج. فتوقعوا الموت الفوري. وأصيبوا بحالة من الرعب والفزع لا مثيل لها. وبعدما استمتع دوميتيان بفزعهم، وتعب من مشاهدة بؤسهم وهم في هذه الحالة، أرسل أوامره لضيوفه المذعورين بالعودة إلى منازلهم.

لقد عادوا إلى ديارهم دون أن يصابوا بأذى جسدي. لكن كيف نقدر الألم النفسي، ومعاناتهم العقلية؟ كيف يمكن أن نفسر هذه العقلية، التي تجد متعة كبيرة في أن ترى الناس في حالة بؤس؟

تم اغتيال دوميتيان، عام 96 م. سجل التاريخ اسمه على أنه كان إمبراطور روما. لكن، لأي شيء آخر يمكن أن يذكر به؟ لا شيء سوى خطاياه. لكن أجريكولا، الحاكم الخير لبريطانيا، يحتفل به، ليس لوظيفته، ولكن لأفعاله. ويذكر بكل احترام.

سلطة دوميتيان كانت سبب نكبته. فهذه السلطة المطلقة بغير حدود، سمحت لنفسه الشريرة بفعل كل الموبقات. أما أجريكولا، فقد أعطى الفضل لمنصبه، وزان اسمه المتواضع بأفعاله.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي