فرنسا والولايات المتحدة، نموذج لعلاقات الوُحُوش

الطاهر المعز
2021 / 9 / 25

بإيجاز
هوامش من "الأزمة الفرنسية الأسترالية"
مكانة أستراليا في الإستراتيجية الأمريكية
الطاهر المعز

اعتبر الجنرال شارل ديغول، الذي كان رئيسًا لفرنسا من 1959 إلى 1969، أن "عظمة فرنسا يجب أن تقوم على القوة الصناعية والقوة العسكرية"، وتم الترويج للصناعات الحَرْبِيّة الفرنسية، لعدّة عُقُود، من قِبَل قوى اليمين واليسار البرلماني، والنّقابات، على أنها تضْمَن "استقلالية وسيادة فرنسا" (من يُهَدّدُ فرنسا الإمبريالية؟) وتُشكّل بديلا لتراجع قطاع التصنيع، فيما اعتبرها البعض الآخر رمزًا لعظمة الدّولة، وأظْهَرت أزمة عُقُود السلاح البحري (الغواصات) مع أستراليا إفلاس مثل هذه الأُطروحات.
إن إلغاء أو خسارة عقود الغواصات الأسترالية، بقيمة 34 مليار يورو (حوالي أربعين مليار دولارا) ليست مسألة اعتداء على "شرف" أو على "عَظَمَةِ" فرنسا، بل هي نتيجة منطقية لاستراتيجيات وبرامج صناعية تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ فترة طويلة، تزيد عن نصف قَرْن، حيث بدا قطاع الصناعات الحربية كركيزة لتجاوُز انهيار القطاعات الصناعية الفرنسية الأخرى، وتتجاهل هذه الفَرَضِيّة التحولات التي طرأت في العالم، ومنها تهجير بعض القطاعات الصناعية المُلَوِّثَة، والتي تتطلّب عددًا كبيرًا من العمال، إلى بلدان آسيا، ثم أوروبا الشرقية، إثر انهيار الإتحاد السوفييتي.
حافظ قطاع الصناعات الحربية الفرنسية على حصّته من السوق العالمية، وساهم في تعديل ميزان التجارة الخارجية الصناعية الذي يُعاني عجزًا مُستمرًّا منذ سنة 2004، وتحوّل الرُّؤَساء الفرنسيون إلى مُمَثِّلِين تجاريين لمُجمّع الصناعات الحربية، لأن عقود التّسْليح هي في الأساس نتيجة لاتفاقيات بين الحكومات، ما يُتِيح للحكّام الظهور بمظهر المُدافعين عن الصناعة والوظائف الفرنسية، وتُرَوِّجُ الدّعاية السياسية الرسمية (وغير الرسمية) أن قطاع التّسلّح ضَرُوري ومُفيد للبلاد والعباد.
فقدت الصناعة الفرنسية قدرتها التنافسية، طيلة أكثر من أربعة عُقُود، وفقد الآلاف من العمال وظائفهم في قطاعات التعدين والمعادن والمنسوجات وما إلى ذلك. من ناحية أخرى ، استفادت صناعة الأسلحة من قدر كبير من الدعم الحكومي والمالي والدبلوماسي. تخصصت هذه الصناعة في صناعة الطائرات وأحواض بناء السفن، وهما قطاعان ليس لهما تأثير إيجابي على القطاعات الصناعية الأخرى، بل أدى هذا التخصص، ضمن التقسيم العالمي للعمل، إلى خفض حصة فرنسا في الصناعة العالمية، ومن ناحية أخرى ، فإن الإنفاق العسكري، مثل أي نفقات حكومية، له "تأثير مضاعف"، أي تُحافظ على النسيج الإقتصادي، وتُشغّل العُمّال ليستهلكوا إنتاج صناعات أخرى (وفقًا لروبرت مينارد كينز) ولكن التسلح لا يتوافق مع أي مرفق عام، بل هي صناعة لا تُنتج غير أدوات الموت والدمار، كما أن الاستثمارات في صناعة الأسلحة أقل فائدة للاقتصاد من الإستثمار في الصحة أو التعليم أو الإسكان أو النقل العام، ولا تُطوّرُ القوات المسلحة التكنولوجيا، سوى بالإعتماد على البحث العلمي الأكاديمي، أي على حساب قطاعات أخرى كالفلاحة والصناعة "المَدَنيّة"، أي أن القطاع العسكري يستفيد من إنفاق قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، لتطوير الأسلحة، ففي فرنسا، استحوذت صناعة السلاح، سنة 2019، على 23% من نفقات البحث والتطوير لجميع القطاعات، ولا تَذْكُر الدّعاية الحكومية هذه البيانات والأرقام، لنتشر أوهامًا حول "ازدهار قطاع الصناعات الحربية"، وسط انهيار اقتصادي للقطاعات الأخرى.
لم تقم الحكومات الفرنسية المُتتالية بتحديث خطَطِها، وفق السياق الجيوسياسي "الجديد"، الذي أحدَثَهُ انهيار الإتحاد السّوفييتي، حيث، لم تعد فرنسا قوة عظمى تتقاسم العالم مع الإمبريالية البريطانية، بل هيمنت الإمبريالية الأمريكية على العالم الرأسمالي، منذ الحرب العالمية الثانية، كما فقدت فرنسا مكانتها في التقسيم الدولي للعمل، ولم تَعُد رائدةً في مجالات البحث والتصميم، وتقلّص نفوذها الدبلوماسي، ليقتصر على المستعمرات السابقة في إفريقيا، وعلى بعض مُستعمراتها في بحر الكاريبي، وأدّى تقلص النّفوذ إلى التّخلّي ( القَسْرِي) عن ريادة سوق الطيران العسكري والبحرية. إنه إفلاس الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية، في سياق جيوسياسي متوتر للغاية، بين الصين والولايات المتحدة، وخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وما إخراج فرنسا من سوق التسليح بأستراليا سوى نتيجة منطقية للسياسات الأمريكية المنحازة لمصلحة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، فضلا عن أن الإمبريالية الأمريكية تعتبر التحالف مع بريطانيا العظمى وأستراليا (أعضاء الناتو) أكثر ربحية أو فائدة من التحالف مع فرنسا، وهي أيضًا عضو في الناتو.
تسيطر الولايات المتحدة على أستراليا منذ العام 1945. ولديها شبكة من المستعمرات والقواعد العسكرية في جميع أنحاء المنطقة المُحيطة بأستراليا، حيث تعتبر الصين منافسًا جادًا، ذي جُذُور ثابتة في المنطقة.
تعتبر الإمبريالية الأمريكية أن لا مكان للحياد، فمن ليس معها (أي من لا يخضع لإملاءاتها) لا يُصنّف "مُحايدًا"، أو منافسًا أو خَصْمًا، بل عدوّا، ربما أقل درجة من الصين وروسيا، فهما على رأس قائمة الأعداء، ويتميز موقع أستراليا الإستراتيجي، بالقُرب من الصين، وباضطرار أستراليا لتكثيف تجارتها مع الصّين، وتتمثّل السيطرة الأمريكية على هذه "الجزيرة- القارّة" في امتلاكها قاعدة عسكرية ضخمة، ولما احتدّ الصراع مع الصين، منذ فترة رئاسة "باراك أوباما"، بدأت أمريكا تعمل على السيطرة الكاملة على برامج الدفاع والسياسة الخارجية لأستراليا، وأسفرت المفاوضات السرية عن إلغاء العقد بين فرنسا وأستراليا وشراء معدات عسكرية أمريكية ، لتعزيز السيطرة الأمريكية على هذا الحليف المهم.
أستراليا مستعمرة استيطانية قامت على سرقة الأراضي من السكان الأصليين، بعد إبادتهم ، مثل الولايات المتحدة أو كندا أو نيوزيلندا، ففي العام 1788، حولت بريطانيا العظمى هذا البلد الواسع إلى سُجُون، منتشرة بالبلاد، لعُتاة المُجرمين الإنغليز، وسمحت لهُم بإبادة السكان الأصليين بمساعدة الجيش البريطاني، وتوحدت مختلف المستوطنات المُنتشرة في هذه البلاد الواسعة، سنة 1901، لتولد من اتحادها أستراليا المعاصرة، وهي بُنْيَة اتّحادية (فيدرالية ) داخل الإمبراطورية البريطانية، وحَظَرَت القوانين الأولى التي أقرها البرلمان دخول وتنصيب "الأشخاص غير البيض"، أي من غير الأنغلوساكسونيين، وبقي ساريًا حتى سنة 1970.
كانت البحرية البريطانية تُؤَمِّنُ مهام الدفاع والأمن الأسترالِيَّيْن، من سنة 1788 إلى سنة 1941، ثم أنشأت الولايات المتحدة، خلال الحرب العالمية الثانية، قواعد عسكرية بأستراليا لمحاربة اليابان، وكان أفراد الجيش الأمريكي يمثلون 10% من سكان أستراليا البالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة سنة 1945، وكان ذلك مُؤشِّرًا على تخلّي الإمبراطورية البريطانية، ومعها الإمبريالية الفرنسية (قَسْرًا، وليس طَوْعًا)، عن قيادة العالم الرأسمالي، وإيذانا بهيمنة الإمبريالية الأمريكية، وبذلك أصبحت المستعمرة البريطانية (أستراليا) تحت النّفُوذ الأمريكي، وتتبنى الثقافة الأمريكية وعادات الاستهلاك، وفي مجال السياسات الخارجية لم تكن أستراليا بحاجة لوزير خارجية، فهي (مع كندا) تتبنى كافة المواقف الأمريكية، ومنذ 1951، أصبحت أستراليا ونيوزيلندا جزءًا من المنظومة العسكرية الأمريكية، من خلال تحالف ( ANZUS )، خلال الحرب الباردة، وشارك الجيش الأسترالي في جميع الاعتداءات العسكرية الأمريكية في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان، وكانت الولايات المتحدة تضُم إلى جُيُوشها خلال العدوان على البلدان، بعض الأعداد القليلة أحيانًا، من جُيُوش دول تابعة أو "صديقة" (من الكتلة الأنغلوساكسونية) كغطاء لحروبها العدوانية، وإلباسها رداء "التحالف الدولي".
في هذا السياق الجيوستراتيجي، كان إلغاء عقد تسلح أستراليا مع فرنسا، واستبداله بعقد أمريكي.
بالنسبة لنا ، نحن الطبقات والشعوب المضطهدة، إنها منافسة بين القوى الإمبريالية، ومهما كان الفائز بها، فإننا، نحن، الطبقات المستغَلة والشعوب المضطهَدة، سوف نكون وَقُودَ وهَدَفَ الحروب القادمة، إذا لم نتحدْ ونثورَ ضدّ القوى الإمبريالية، ومن يُمثّلُ مصالحها، في بُلداننا، من أفغانستان إلى ساحل المحيط الأطلسي بالمغرب، ومن كولومبيا إلى مدغشقر.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية