تطبيق الشريعة الاسلامية فى بلاد الأمريكان

محمد فُتوح
2021 / 9 / 24

تطبيق الشريعة الإسلامية فى بلاد الأمريكان !!!
---------------------------------------------------

فى الوقت الذى تتصاعد فيه موجات الغضب والسخط فى العالم الإسلامى على الغرب ، وفى الوقت ذاته الذى أصبح ينظر فيه أغلب الناس فى الغرب إلى أى مسلم على أنه إرهابى ، ومع موجات سوء الفهم المتبادل بدءاً بإثارة مشكلة الحجاب فى فرنسا وانتهاء بمشكلة النقاب فى بريطانيا ، وبالرغم من عدم قناعتى بدعوات بعض المفكرين ورجال الدين للتبرع بالمال لإنشاء القنوات الإعلامية التى تعمل على تحسين صورة الإسلام وإزالة المغالطات التى تلتصق بالرسول والمسلمين ، إلا إن هناك منْ يثير الغبار ويشعل نار الخلاف قبل أن تهدأ العواصف.
فى جريدة " المصرى اليوم " ، قرأت مؤخرا هذا الخبر ( فتوى تفجر مخاوف أمريكية من تغلغل نفوذ الإخوان المسلمين فى الولايات المتحدة ) . انها فتوى جديدة من تلك الفتاوى ، التى تنهال علينا ليل نهار ، أصدرتها جمعية " الأمريكان المسلمين "، بتحريم توصيل سائقى التاكسى المسلمين للركاب والمسافرين فى المطارات ، والذين يحملون فى حقائبهم أى نوع من أنواع الخمور.
لقد جاءت هذه الفتوى ، لتتماشى مع اعتقاد سائقى الأجرة المسلمين بأن الإسلام يحرم الخمور ويحرم نقله ، والتعامل معه بأى شكل . وهذه المشكلة ليست وليدة هذه الأيام . بل كما يقول الكاتب والأكاديمى والمؤرخ ، " دانيال بابيس" ، إنها ترجع الى عقد من الزمان ، حيث بدأها بعض سائقى الأجرة المسلمين فى أمريكا ، بالامتناع عن خدمة ، أو توصيل الركاب الذين يحملون الخمور .
منذ عام ، 2000 أصبح الأمر واضحا ، ويتمتع بالعلانية ، وتنطبق عليه توصيف " الظاهرة " . ، ففى إحدى المناسبات رفض 16 سائقاً الواحد تلو الآخر، نقل راكب يحمل زجاجات خمر ، مما دفع هذا الراكب إلى الشعور وكأنه ارتكب جريمة ، رغم أنه لم يفعل شيئاً مخالفاً للقانون أو الأخلاق.
لقد آثار هذا الموقف ، غضب الكثيرين من أصحاب الديانات الأخرى ، وكذلك بعض المسلمين غير المتشددين على السواء . ويعلق " دانيال بابيس " ، أن هذه الواقعة تحمل فى طياتها تداعيات ونتائج كثيرة ، تتعلق بمستقبل الإسلام فى الولايات المتحدة.
ونحن نتساءل لماذا هذا التضخيم وهذا الافتعال والاختلاق ، لقضايا تفجر سخط الغرب وتأجج نار الكراهية أكثر وأكثر تجاه المسلمين ؟. ما هذه الحساسية المفرطة التى قد تصل إلى مرحلة الهوس والمرض الدينى ؟ . هل بهذه السلوكيات سوف يثبت سائقو الأجرة المسلمون ، أنهم متدينون ويحافظون على دينهم ، حتى لو تعارض ذلك مع حرية الآخرين الذين لا يدينون بالإسلام ؟ . ولماذا هذا الحرص على إثبات أنهم مسلمون ؟. إن كان لديهم قناعة راسخة بقوة إسلامهم ، فما حاجتهم لإثبات ذلك فى كل مناسبة ؟ . هل هم بهذه الطريقة ، يحافظون على قوانين الدولة المدينة ويحترمونها ، تلك الدولة التى أوتهم ، وكفلت لهم العمل الذى عزً عليهم ، فى بلادهم التى تدين بالإسلام ؟.
هل باختلاق وإفتعال هذه السلوكيات يحسنون صورة الإسلام ، التى يزعمون الرغبة فى حمايتها ، أم يشوهونها ؟ .
إن هذه التصرفات ، ليست إلا شكلاً من أشكال العنصرية والتعصب الأعمى ، ضد الآخرين ممن ينتمون إلى الديانات الأخرى.
إن موقف هؤلاء السائقين من الركاب ، فى مطار " مينيابليس – سانت بول الدولى " ، يمكن أن تفتح الباب لسلسلة من الممارسات الأخرى فى المستقبل ، وليس فقط فى المطار ، بل فى عموم الولايات المتحدة . كأن يمتنع السائقين عن توصيل النساء اللاتى تكشفن عن أذرعهن أو شعورهن ، ويشترطوا أن ترتدى المرأة الحجاب أو النقاب حسب قناعتهم لكى يقوموا بتوصيلهن . ويضيف بابيس " قد يمتنعوا أيضاً عن نقل أزواج الرجال والنساء من غير المتزوجين . وبالمنطق نفسه ، يستطيعون الامتناع عن خدمة منْ يرتدى القبعات من الرجال ، وعن خدمة أتباع الهندوسية أو الملحدين ، والعاملين فى البنوك والمصارف ، على اعتبار أن هذه المصارف " غير إسلامية ".
هل تريد " جمعية الأمريكان المسلمين " ، تطبيق الشريعة الإسلامية فى أمريكا ؟.
لقد تعدت هذه الممارسات الولايات المتحدة ، إلى ملبورن فى استراليا . فى جريدة الرياض ، قرأت أن سائقى التاكسى المسلمون فى ملبورن ، قد رفضوا نقل الركاب الذين يحملون الخمور، واشتكى 20 ضريراً على الأقل ، من أن السلطات لا تنفذ الشرط القضائى ، الذى يلزم سائقى التاكسى والمطاعم والفنادق والمحال التجارية ، بقبول الكلاب المرشدة لفاقدى البصر.
إن أعداد السائقين المسلمين ، ليست قليلة كما قد يتصور البعض . فى ملبورن وحدها نحو 2000 سائق . أما فى " مطار مينيابليس – سانت بول الدولى " ، قد تزايد عددهم إلى أنهم يمثلون ، ثلاثة أرباع السائقين والذى يبلغ 900 سائق.
لقد قدم" نيل ساتش " ، المتحدث باسم رابطة سائقى التاكسى بفكتوريا ، التماسا لرجال الدين الإسلامى بإصدار فتوى ، تسمح لسائقى التاكسى من المسلمين بحمل الكلاب المرشدة ، والركاب الذين يحملون زجاجات الخمر المغلقة.
إن سلوك " نيل ساتش " ، يدل على أن بعض رجال الدين أصبح لهم سطوة وقوة لإصدار الفتاوى ، التى تبيح أمراً ما أو تحرمه . لقد أصبحوا وسطاء بين الله والإنسان. ولم لا ؟. فنحن نعيش فى عصر كرنفال الفتاوى ، فتاوى من الداخل وفتاوى من الخارج.
لقد قفزت هذه البلاد قفزات كبيرة ، لتتجنب الخلط بين الدين والسياسة ، فقد أدركت مدى فداحة هذا الخلط ، واستفادت من الدروس القاسية التى حدثت فى أوروبا عندما أريقت الدماء وسالت بحور الدم بسبب الجمع بين الدين والسياسة .
لقد كانت القوانين المدنية ، هى الحل الذى حرر السياسة . وكانت الثمرة تقدماً وتطوراً هائلاً ومذهلاً فى شتى مناحى الحياة.
لقد أبت هذه البلاد ، ألا تعود إلى الوراء ، لكن جمعية مثل " المسلمين الأمريكان " ، مازالت تعيش فى غياهب الماضى ، وتحلم بتطبيق الإسلامية فى بلاد الأمريكان . هل تريد جمعية " المسلمين الأمريكان " ، أن تسير على درب التوسعات الإسلامية ، فتحتل أمريكا وتتابع الزحف إلى أوروبا ، ومن بعدها استراليا ، وسائر بلاد العالمين ؟ .
لقد عبر أحد الشيوخ المسلمين الذين يعيشون فى الولايات المتحدة ، أن البلاد الإسلامية فى مطاراتها ، تفتقد إلى مثل هذه القوانين التى تمنح السائقين المسلمين حق الامتناع عن توصيل الركاب الذين يحملون زجاجات مغلقة من الخمور فى حقائبهم ، لأنها لا تطبق الشريعة الإسلامية . هكذا رأى الشيخ ، فما كان منه إلا السعى جاهداً لتطبيقها فى بلاد الأمريكان ، أليس ذلك مضحكاً ومبكياً ، فى آن واحد ؟؟.
إن الولايات المتحدة دولة تطبق القوانين المدنية ، وأغلبها مواطنيها ليسوا من المسلمين بل تتعدد دياناتهم ، وينص الدستور الأمريكى على حرية الاعتقاد ، فلا أحد يتدخل فى دين الآخر ، ولا يفرض عليه طقوسه الدينية أو تصوراته الدنيوية ، التى تتعلق بهذا الدين.
لقد فتحت الولايات المتحدة أبوابها لأى إنسان مهما كانت ديانته ، وعلى كل فرد احترام الديانات الأخرى ، أما أن يفرض أصحاب ديانة معينة أفكارهم أو سلوكياتهم المستمدة من الدين على الآخرين ، فهذا ما يتنافى مع القوانين المدينة التى فى جوهرها لا تفرق بين الناس مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية ، أو الطائفية.
وعلى الرغم من ذلك ، يطلع علينا بعض المسلمين المتشددين فى الولايات المتحدة وأوروبا واستراليا ، من حين لآخر ، ب " فتاوى الكراهية " . هؤلاء الذين يعيشون بأجسادهم داخل هذا العصر ، أما عقولهم فتهيم فى عصر آخر مضى ، نتمسك بأحكامه منتهية الصلاحية ، والتى تتعارض مع مصالح الناس ومنافعهم.
إن القوانين المدنية فى الولايات المتحدة الأمريكية ، لا تفرق بين إنسان وآخر ، وهذا باعتراف كثير من المسلمين الذين يعيشون فيها لسنوات طويلة ، وهذه القوانين هى أكثر عدلاً وإنصافاً ، من تلك التى تحكم بها مجتمعاتنا الإسلامية.
هناك وهم كبير يروج له ، أغلب المفكرين الإسلاميين ، وكذلك أغلب الناس من العامة فى العالم الإسلامى ، وهو أن هناك مؤامرة من الغرب للقضاء على الإسلام .
وإذا كنا هنا نتحدث عن منطق المؤامرة ، فنحن – بهذه الممارسات العقيمة وبفتاوانا التى تشعل نار الكراهية وتنفى الآخر – نتأمر على أنفسنا وليس الغرب .
إننا نتأمر على أنفسنا ، لأن كل ما نفعله فى حياتنا ، هو رد فعل أهوج وصدى باهت ، لما يحدث فى عالمنا . إننا نتأمر على أنفسنا ، لأننا قد أدمنا الدخول فى معارك شكلية ، لن تشبع جائعاً ، و تمنح عملاً لعاطل ، أو تنقذ مريضاً ، لا يمتلك ثمن العلاج.
إننا نتأمر على أنفسنا ، لأن هذه هى النماذج الصارخة لمشكلاتنا التى تؤرقنا نحن المسلمون فى العالم الإسلامى ، كيف تتغطى النساء ، بالحجاب أم النقاب ؟ . كيف تصلى النساء ، بجوار الرجل أم أمامه ، أم وراء الأولاد فى الصفوف الخلفية ؟. التماثيل هل هى حلال أم حرام ؟ . كيف يجوز تقلد المرأة لرئاسة الجمهورية لأنها تحيض ؟. هل يجوز لسائق سيارة أجرة ، أن يحمل راكباً فى حقيبته زجاجة من الخمر ، وهل يجوز أن يحمل فى سيارته إنساناً ضريراً يلازمه كلبه ، الذى يستعين به ليرشده إلى الطريق ؟.
هذه هى نماذج لقضايانا التى نمضى العمر كله ، نحارب من أجلها !.
سنظل فى مؤخرة الأمم ، إذا كانت هذه هى مشاكلنا وقضايانا ، التى تؤرقنا ليل نهار، فنتراشق بالسب والقذف وأبشع الاتهامات ، كى يثبت كل طرف للآخر أنه على حق ، وأنه الوحيد الذى يفهم الإسلام الصحيح.
إن تضخيم الأمور الصغيرة والتعصب لقضايا شكلية ، يدل على فقدان الثقة بالنفس والذات ، فالواثقون فى أنفسهم وفى عقيدتهم ، يتعالون فوق الصغائر ، ويحكمون العقل ويسيرون فى طريقهم ، دون النظر إلى الوراء .
هل حان وقت اليقظة ، أم أننا نصر بهذه العقلية المتحجرة ، على الهرولة سريعاً تجاه الانتحار ؟؟.
من كتاب " أمركة العالم .. أسلمة العالم منْ الضحية ؟ " 2007
----------------------------------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار