علاقة التاريخ بعلم النفس

عباس علي العلي
2021 / 9 / 24

علاقة التأريخ بالسيكولوجيا
العلاقة الثالثة التي نبحثها هنا ليس بأعتبار ما ترتبط به بقدر ما هي خيارات متنوعة تقودنا لحقيقة مفادها أن موضوع العلوم التاريخية يتشكل من مجموع الأعمال الإنسانية عبر تسلسلاتها في كل الأزمنة والأمكنة، سيما إذا كان ولا يزال لها تأثير على الوجود الإنساني وعلى بنية جماعة بشرية ما، وضمنيا على وجود بنية الجماعة الإنسانية الحاضرة أو المستقبلية، ومن هنا ولكي يفهم المؤرخ تاريخ مجتمع الإنسان في حقبة تأريخية أو في زمن تأريخي لابد له من دراسة السيكولوجيا الاجتماعية السائدة فيها أو فيه، فبدونها من الصعب فهم التطور المادي في المجتمع لأرتباط حركة الإنسان وفعله وحاجاته وقضاياه بإفرازات النفس وقواها الفاعلة بأعتبار أن السلوكيات الطبيعية والغير طبيعية ما هي إلا إنعكاس للذات على الواقع،
ونعني بالسيكولوجيا الاجتماعية هي العواطف والأفكار إلى تسيطر في زمن ما على المجتمع كوحدة اجتماعية أو فرد له حضور تأريخي في مجتمعه فيصنع به تأريخا، وإن كانت دراسة السيكولوجيا الاجتماعية تساعد المؤرخ على أمرين في غاية الأهمية بالنسبة للبحث التاريخي، أولهما تشخيص الحقائق التاريخية من خلال السلوك، وثانيهما وضع تفسير ومبادئ لتفسير هذه الحقائق وفهما وأرتباطها بما تترك من أثر أو نتائج تسجل ضمن سيرورة التأريخ، إلا أنها تبقى ضرورية لفهم ما يمكن أن نسميه المنظومة التأريخية للإنسان من خلال منظور بانورامي موسع يستوعب وجود الإنسان ككائن متغير متبدل تساهم الكثير من المفاعلات الأجتماعية والنفسية والأقتصادية بتشكيل وجوده لمستوى الثقافة والحضارة والفنون والأدب، وكلها ضمن أطار ما يسمى تأريخ الإنسان الشامل.
إن ما نهتم به بشكل مركز في الأحداث التاريخية بالدرجة الأولى هي جوهر دلالتها الإنسانية بأعتبارها فعل إنساني لا حقيقتها المادية التي لا تختلف ولا تتبدل بتبدل الزمان والمكان، تلك الدلالة التي لا يمكن طبعا معرفتها بمعزل عن تلك الحقيقة طالما أنها صدرت من كائن تحركه العوامل النفسية وجزء منها عوامل عقلية ولكنها بالمجموع هي إنعكاس حقيقي للذات البشرية بمكنونها ومحمولها العام، من هنا فالمؤرخ يتابع حركة هذه الذات من خلال فهمه للسيرورة الحركية ولا بد له أولا من فهم علات وأسباب هذا الفعل ليكون مدركا لفهم السؤال (لماذا وكيف) حدث هذا، ليعطي جوابه التاريخي عن العلة والمعلول وإن كان هدفه تقديم الفعل مؤرخا بزمانه ودلالاتها التاريخية على وجه التقريب الممكن.
التأريخ إذا مجال حيوي لأثبات الدراسات التحليلية السلوكية في إطارها البحثي لأنها تتناول شخصية تأريخية أو ظاهرة سلوكية قد تم الأتفاق على نتائج وجودها، والباحث السيكولوجي عليه أن يدرس الواقعة من جهة تخصصه مقارنا بين النتائج العملية المؤرخة ونظرياته العلمية ليكشف الميل السلوكي والنفسي لها، أما المؤرخ فهم يستفاد من القوانين العلمية التي سطرها علم النفس لتفسير وفهم التحولات الفردية والجمعية التي قادت الى تحولات تاريخية ملفتة للنظر، خاصة وإذا علمنا أن معظم الأحداث التاريخية الكبرى قادها أشخاص لهم ميول نفسية وتربوية لها ملامح مميزه سلبا وإيجاب كنيرون مثلا أو المهاتما غاندي الذي تكونت ملامحهم الشخصية بفعل عوامل نفسية ضاغطة.
ولعل الأديان بطابعها الإصلاحي والتهذيبي أول من تفطن وأشار إلى العوامل النفسية كواحدة من محركات التأريخ في حياة الإنسان، لذا ركزت منهجها الإصلاحي إلى ضبط وحماية الإنسان من قهر النفس وقواها في محاولة لإيجاد توازن بين ما هو طبيعي أصلي فطري وما بين هو ضروري عقلي منطقي، فكان الحث من خلال العبادات والطقوس الدينية التي مرامها ومدارها تهذيب النفس أكثر من كونها متطلبات دينية بحتة تتعلق بإثبات الإيمان، أو جر الإنسان إلى أفعال وممارسات غيبية تطلب منه على وجه الإلزام، ففي نص ديني من القرأن يثبت صحة المنهج الديني هذا في ضرورة التقيد بالعبادات كطريق أصلاح وتهذيب نفسي يساهم في إصلاح النفس البشرية من خلال المداومة عليها والإيمان بها.
النص يقول (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) {العنكبوت: 45}، هذا النهي الواجب أن تتركه الصلاة في حياة الإنسان يتعلق بما يعرف بإصلاح أو تقويم الميول الضدية الطبيعية مع الأخر، تدريجيا من الفحشاء التي هي مظهر سلوكي لا يراعي اللياقة والتمدن ولا حتى بديهيات التعامل البيني بين الناس، ولكن غالبا ما يتم التسامح به كونه فعل انفعالي طائش، مرورا بالمنكر المستنكر الذي لا يمكن السكوت عنه ولابد من مواجهته بطرائق النصح والإرشاد والتقويم السلوكي المناسب، وصولا إلى البغي وهو التطاول والتمادي المقصود من فعل المنكر بغرض تحقيق أختلالات وتعدي على قيم الفضيلة والخير، وهنا يكون العلاج بمقاومة البغي والطغيان والتمرد حتى لا يكون هو القانون المسيطر على واقع المجتمع بالوقت الذي يسعى فيه المجتمع للإصلاح والتطور.
لقد تنبه الدين وخاصة الإسلام لدور العامل النفسي في تحقيق النتائج السلوكية لدى الإنسان من خلال أستجابته للحاجة، وتفاعل تلك الأستجابة مع الواقع وظهور الفعل كمعطى يعكس قيم الإنسان في المجتمع وهو يسجل تأريخه، فذكر مثلا (أن النفس أمارة بالسوء) تعبيرا أن مصدر الشرور في المجتمع هو طغيان الأنا على ما هو مفترض في حدودها الطبيعية لتتعدى على الأنا الأخر وإشعال الصراع والتنازع كما حدث في المجتمع الأول، عندما تشظت مجموعة الــ (نحن) إلى مجموعات نتيجة الشعور بالقوة عند بعض أفرادها، وما جره هذا الشعور من محاولة أستحواذ وتنافس على مصادر ومقومات المشاعية الجماعية.
كما أشار القران إلى طبيعة الصراعات داخل النفس البشرية ذاتها عندما وصفها بالنفس اللوامة تعبيرا عن اللوم والتقريع والخصام التي تخوضها داحل دائرتها أو مع محيطها الخارجي، فهي أي النفس الطبيعية ما لم تتقيد بضوابط وأسس وتلتزم بها على مقدار من القناعة العقلية والقبول اليقيني، لا يمكن أن تنتج الأستقرار النفسي والاطمئنان اللازم لضمان حياة سليمة للإنسان، لذا ذكرت النصوص في مدح النفس المطمئنة تلك النفس التي عرفت حركة الوجود وقوانينه وتعقلته بشكل سليم، فأختارت أن تتماهى مع كل ما هو طبيعي حتى لا تدخل نفسها في صراع لا لزوم له ولا ضرورة تلجئها له.
هناك حقيقة مهمة تجلت في التشارك العلمي من خلال المنهج الأوسع إدراكا وفهما للحقائق والذي ينطلق من قاعدة أن أي علم مهما بلغ من تطور تقني وفكري لا يمكنه لوحده أن يفوز بأكتشاف الحقيقية النسبية للأشياء التي ينظرها ويبحث فيها، ومن هنا نسجل إن العلوم بالرغم من تفرقها وتخصصها تلتقي في جهة واحدة ألا وهي المعرفة الإنسانية، وعن طريق الإلمام بهذه العلوم المساعدة إلمامًا عامًا واعيًا يستطيع الباحث والدارس والكاتب التاريخي أن يصنع لنفسه معيارًا نقديًا خاصًا وأسلوبًا منهجيًا موفقًا بنفسه ولنفسه خاصة إذا كان البحث يتعلق بالإنسام ككائن ديناميكي الحركة يخضع للكثير من المؤثرات الذاتية والموضوعية في وجوده عاما وحاصا.
في المثال التأريخي يقول الكاتب محمد إبراهيم صالحي في بحثه المنشور في المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الأجتماعية تحت عنوان (الدين بوصفه شبكة دلالية) أن ما يشاع من ترويج فكرة التطرف الديني ما هي إلا تغطية تبريرية لجريمة تأريخية مقصودة تنبع من إعطاءها بعدا سيكولوجيا لتبرئة المجرمين، والحقيقة هي أنها إفرازات سلوكية ممنهجة ومقصودة ومخطط لها استراتيجيا فيقول (أن أعمال العنف هي نوع من "الجنون" يعني ذلك تبرئة الفاعلين من المسؤولية. غير أن حديث التائبين يبيّن بوضوح أن أعمالهم كانت مقرونة بتبرير لا يخلو من معنى. إن أفكار هذا التيار الذي حاول ترويجها ونمط تنشئته/ وإعادة تنشئته الاجتماعية بواسطة المؤسسات الدينية أو التربوية تعمل اليوم بوصفها أداة لإضفاء الشرعية على الممارسات الاجتماعية في معانيها المتعددة)، هذا التحليل فيه الكثير من الموضوعية العلمية والتاريخية، فمستخدمي العنف الديني لا ينطلقون من فراغ ولا يمكن أن يكونوا مجرد فاعلين تنقصهم الإرادة السلوكية المنضبطة، إنهم في الحقيقة أدوات عاقلة لمشروع تخريبي يستهدف الإساءة للإنسان والدين معا... إنهم ليسوا مجانين وليسوا ممن يمكن منحهم الأعذار انهم مختلون نفسيا أولا.
فالاختلال النفسي السلوكي ليس فقط مرضا نفسيا يصيب البعض في حدودهم الخاصة، إنه أيضا عاهة تأريخية أثرت وتؤثر في النمط الأجتماعي تأريخيا بنفس المقدار الشخصي وأحيانا أكثر، ومن المشكلات التأريخية التي ورثها المجتمع الحاضر من تلك الأمراض هو الإفراط المبالغ به في وضع الأنا موضع المتحكم القوي في مسيرة المجتمع كأفراد ومجموعات، هنا يبرز دور المؤرخ المطلع على منهاج وعلم النفس أن يفرز بين الطبيعيات السلوكية للأفراد والمجموعات وتأشير دورها في الحدث التاريخي كونها واقع مفترض حدوثه كما هو، وبين تلك السلوكيات المريضة التي لا يمكن إدراجها على أنها نتاج طبيعي سوي ساهم في جزء من صيرورة التأريخ الإنساني.
إذا كان التأريخ وحسب نظريتنا الخاصة بدأ من مفاعيل النفس (الأنا) فليس من الممكن أن نركب العلم المتخصص بدراسة هذا الجزء من التكوين الإنساني ونقفز فوق الحقائق لنستبدل المفاهيم بغيرها والأسباب بما يشبهها والعلل بما لا يتفق ووجودها، الإنسان ذلك الكائن الذي اختار التاريخ ملعبا له بعد ما صنعه لا يمكن تنحيته جانبا عن دوره الأساسي والمضي في البحث عن السيرورة والصيرورة في مكان أخر، حتى الدين لا يقر ذلك ولا يفهم المشكل التأريخي الحاضر والقادم إلا من خلال النفس (وكل نفس بما كسبت رهين).
ولعل من المفيد أيضا أن نتذكر النص التالي في تفسير وفهم المشكل التأريخي للنفس ظهر الفساد في الوجود (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، ولكن هنالك الكثير من الموضوعية أيضا في الإشارة إلى جوهر معرفي فهي تتحدث عن الفساد الذي ظهر في والبحر البر، بمعنى ظهور الأنتهاك العملي للطبيعة الأصلية للأشياء وصيرورتها نتيجة ما كسب الناس من مظاهر الفساد والإفساد والتخريب، فالمسئولية التأريخية هنا مسئولية الإنسان وما كسب وكيف كسب؟ والشكل الذي جعل هذا الكسب من علل التأريخ.
واخيرا لا بد للإشارة هنا أن بعض الفلاسفة الماديين والذين أسسوا لاحقا منهجهم المادي في تفسير التأريخ أشاروا من ضمن أبحاثهم إلى دور النفس (الأنا) في حقيقة صنع التحولات الأولى في الفكر البشري الذي بدوره أسس لاحقا للتحولات الكبرى في التأريخ من خلال وعيهم المادي بنتائج سلوك الأنا، وهنا أشير بشكل موجز لمقولة انجلز في كتابه "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية ص19" ما يلي (ان المسألة الاساسية الكبرى في كل فلسفة، ولا سيما في الفلسفة الحديثة، انما هي العلاقة بين الفكر والكائن. فمنذ أقدم العصور، حين كان الناس في جهل مطبق عن تكوينهم الجسدي وما استطاعوا تفسير الأحلام، فتوصلوا الى هذا الاعتقاد القائل بأن فكرهم ومشاعرهم ليس مصدرها جسدهم نفسه، بل انه النفس التي تقطن هذا الجسد وتقارنه عند الموت – منذ ذلك الوقت وجب عليهم ان يمنعوا الفكر في العلاقة بين هذه النفس والعالم الخارجي) وأضاف انجلز في نفس الكتاب ص 51 (فكل ما يحرك الناس ينبغي ان يمر بالضرورة برؤوسهم، ولكن الشكل الذي يأخذه في هذه الرؤوس يتعلق لدرجة كبيرة جدا بالظروف).
هذا المقطع وإن كان اعترافا صريحا من قبل المدرسة المادية في التأريخ والتي تنكر أن تكون للعوامل المثالية أو الروحية القدرة والأساس في بناء لبنات التأريخ في بداياته، وتركز على العوامل المادية وشكلها وأطرها العملي هي من تقود الإنسان لبناء التحولات الكبرى، لكنه أيضا من جهة أخرى نسب تلك السلوكيات النفسية لعوامل خارجية عن النفس وربطها بالعقل متأثرا بالظروف، هذا التعبير اللاحق والذي جر الفهم والتفسير عند البداية السليمة التي أنطلق منها، ما كان إلا هروبا من مواجهة الحقيقة التي تتجلى أساسا بأن الظروف المشار إليها ليست ظروف مبهمة بل هي مشخصة ومعروفة من خلال الواقع التأريخي الذي عاشه الإنسان الأول وهو يخوض تجاربه، ليس بناء على قدرات متوارثة أو مسنونة سابقا بل على ما جبل عليها من طبائع وميول فطرية قادته لحصد النتائج والبناء عليها.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي