من سيرة كلب أجرب

حسام تيمور
2021 / 9 / 23

لحظة خروج" ادريس البصري" من السلطة، يحكي هذا الاخير من منفاه الباريسي، صدمته من انهيار ذلك"البناء" الذي كان هو نفسه يتوهم انه مهندسه، كما صرح علنا، أنه هو من صنع "ديمغرافيا" الاقاليم الجنوبية"، افرادا و عائلات و تجمعات محكومة بنفس طابع الولاء ؟!!
و هو ما عجزت عن القيام به بريطانيا العظمى، في اصغر مستعمرة بدوية لها في اوسط الشرق او اقصى الغرب !!

خرج البصري كالعادة، و هو موقن من ان دورة الحياة، بمفهوم السلطة و العلاقات و المعارف "توقفت"، بشكل شبه كامل، و نسي ربما، انه يوما ما كان قد صنع مخبرا اسمه "بنكيران"، او "الياس"، أو فوت استثمارا وازنا لصبي خدوم و مطيع ابن صبي اخر خدوم و مطيع !
و لكنه لم يتخيل او لم يكن يتخيل، ان مقت القوى العليا، يمتد الى العيش بمفهوم "الديمغرافيا"، كما كان هو نفسه يتوهم صناعته و انتاجه من خلال وظيفته، اي الصدر الاعظم، لاحد انظمة الرعب العلني و البنيات السرية، بالمفهوم الاجتماعي العام و ليس مفهوم "المعطي" في نسخته "الامنية" !
و كذلك ربما، في نسخته السلطانية الكهنوتية، القبلية احيانا، و المدنية باحتساب عامل التدجين، و الهجرة و الهجرات المضادة !!
في المدينة حيث نشأ، كل شيء يتغير، ولا شيء !
كان الصيف القائظ حيث يكثر الاختناق و تشح صنابير المياه، فرصة سانحة للاستجمام المخملي، في المسابح المتاخمة لجنة "الغولف الملكي"، باثمنة مناسبة جدا في متناول الفئات المتوسطة من ابناء الموظفين و شغيلة قطاعي التعليم و الصحة .. و حيث كانت قنوات القطب العمومي، تمرر دون انقطاع وصلاتها عن ضرورة ترشيد استهلاك المياه و حرمة التبذير، كانت مروج الغولف الملكي، و الحي الجامعي، تسقى على مدار اليوم و الليلة، و يا ويل الشمس الحارقة إن تغولت على رؤوس العشب المخضوضر !

الثانوية حيث درس "ادريس البصري"، ظلت على حالها، الى حدود وفاته طبعا، بجدران متسخة و قاعات متردية، و نفس حارس البوابة الثقيلة العملاقة الملقب ب "زويزو" !! و هو الذي عاصر البصري، و عاصر تلاميذ البصري، و ظل هناك يتيبس الى ما بعد حدود ساعة متاخرة من زمن البصري، صامتا ابد تلك الجدران الثقيلة !

تطل الثانوية العظيمة، ثانوية "ابن عباد"، من جهة باب،الاساتذة، و هي صرح ادبي بدون ادب، على ثانوية اخرى، هي صرح علمي بدون علوم، "ثانوية الرازي"، التي احتكرت خلال فترة معينة، اولى معدلات شعبة العلوم الرياضية على الصعيد الوطني ..و بينهما برزخ من الموبقات و الحبوب المهلوسة و "الكلة"، و "المعجون المدعم" الذي تحتكر بيعه عجوز شمطاء يعرفها اغلب تلاميذ الثانويتين، و يعرفها الجميع، حيث يكلف ذاك الاورغازم العصبي المخملي "خمس دراهم"، هي قطعة معجونة بحبوب الهلوسة او "التقطيرة" التي كانت تساوي اضعاف سعر الانتاج و البيع، لكنها هنا تاتي غالبا بالمجان، من مستوصف هنا او صيدلية هناك، لتنافس صانع "ماء الحياة" النافذ في المدينة، و الذي كان يملك اسهما في المسبح البلدي و نادي كرة القدم، و قاعة العاب تتوسط المؤسستين، و عددا لا باس به من بؤر تعاطي المخدرات !! يتنذر بعض ابناء المدينة بسخرية قائلين، بانه كان يملك حيا باكمله !!

على الضفة الاخرى، من ثانوية "ابن عباد"، يطل باب التلاميذ على اكثر الاحياء جدلا، في الادارة و ادارة الديمغرافيا، الحي الذي اطلق عليه "البصري"، "حي عبد الكريم الخطابي" .. !!
لا احد يعرفه بهذا الاسم في هذه المدينة، او لا احد يريد ان يعرف او يعترف به الى حدود سنوات متاخرة طبعا ..

اسمه "حي دالاس" .. او هكذا انتهى الشد و الجذب بين الادارة و الناس، او اصرار الساكنة على ايجاد معنى وجودي لبحر القذارة ذاك، بعيدا عن حلول السلطة !
ترسخ اسم "دالاس" بشكل سريالي، في عناوين رسائل البريد" لعصر ما قبل الهاتف، و امتد احيانا الى فواتير الماء و الكهرباء، ضاربا بعض الحائط تلك الادارة، و الادارة الترابية، و اشياء اخرى طبعا، حيث كان ساعي البريد مجبرا على اعادة كل رسالة تحمل العنوان الاداري، بحكم تعذر ايصالها الى العنوان المطلوب !! وحيث كان مرتعا هو الاخر للانحراف و الحشيش، بشكل يعجز السلطة اكثر مما يزعجها، و هو ما بدأ في التفكك مباشرة و بشكل تلقائي، خلال فترة ما بعد الالفين ..

صدمة "ادريس البصري"، كانت كما يحكي عند ذهابه بشكل روتيني معتاد، في نزهته المسائية الى الرباط اكدال، حيث يقتني جرائد الصباح الطازجة، ساخنة من عند "ماسح احذية" و بائع سجائر بالتقسيط، و اشياء اخرى ..
حيث رفض هذا الاخير رد التحية او تبرم منه و كانه مجرم مبحوث عنه في قضية حق عام !!

هنا ادرك "البصري"، انه لم يكن خادما للاعتاب، و صانعا للالعاب، بل كان فقط "طوبة" في رصيف طريق تلك العربة الثقيلة، و انه كان الملعوب به، كذلك و المصنوع، كشكل من اشكال الوجود الواهم، و البئيس، اي انه كان "مقياسا" في هندسة لا يفقه عنها شيئا، سوى ما يضع عليه قدميه طبعا إلى حين ..
تزداد "مدينة البصري" بؤسا على بؤس، كما يحكي اغلب سكانها، او من عاصروا تغيراتها، و رغم المقت الذي طال جثته، الممنوعة من الدفن هناك، كما كان يريد، مازالت تلك السحابة الثقيلة الداكنة ترخي بظلالها على "القصبة الاسماعيلية" فقط دون ما جاورها، كما تغنى شعراء و زجالوا المقاومة، و كما يحكي من خبروا تاريخ المدينة ..و كما يلحظ الزائر رأي العين !!

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا