قصص وحواديت من العالم القديم (20) تيبيريوس، كاليجولا

محمد زكريا توفيق
2021 / 9 / 23

المسيحية:

ترجم العهد القديم من العبرية إلى اليونانية عام 284 ق م، بأمر من بطليموس الثاني، ملك مصر. تم جمع كتب العهد الجديد في مجلد واحد في القرن الثاني بعد وفاة المسيح.

كانت القدس هي عاصمة المملكة القديمة لليهود. كانت تسمى في الأصل سالم. أسست قبل ألفي سنة قبل ميلاد المسيح. هناك، بنى سليمان معبده الشهير. تم تدميره من قبل نبوخذ نصر، ملك بابل، لكن أعيد بناؤه بعد فترة وجيزة، تحت قيادة قورش وداريوس وأرتاكسريكسيس، ملوك الفرس. في وقت وجود المسيح، كان صرحا رائعا.

اليهود، أو العبرانيون، هم أحفاد الإسرائيليين، الشعب الذي قاده موسى من مصر كما تقول كتبنا المقدسة. اليهود والعرب يعتبرون أنفسهم من سلالة إبراهيم. يعقوب، ابن إسحاق، ابن إبراهيم، اتخذ اسم إسرائيل، وهو والد القبائل الاثني عشر.

اضطهد اليهود المسيح وأجبروا بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني، على صلبه. المسلمون لا يعترفون بهذا الصلب. اليهود كانوا يتوقعون منذ زمن طويل أن المسيح، سيكون ملكا عظيما قويا، يأتي لكي يخلصهم من نير الرومان، ويؤسس قوانين موسى، وينشر القانون الخاص بهم، في جميع أنحاء العالم.

عندما وجدوا المسيح رجلا بسيطا، يعلن أن مملكته ليست في هذا العالم، أصيبوا بخيبة أمل، جعلتهم يرفضونه ويضطهدون التعاليم التي يبشر بها كدين جديد. طائفتا الفريسيين والسادوس اليهوديتان، كانتا الأكثر عنفا ضد المسيح وأتباعه.

بعد وفاة هيرودس الحاكم الروماني لجودوا، قسمت مملكته بين أبنائه الثلاثة. ولكن المشاجرات التي نشبت بينهم، والفتنة بين رعاياهم، دعت الرومان للتدخل لتسوية النزاع. فقام أوغسطس بتقسيم جديد، وأعلن جودا مقاطعة رومانية.

كان اليهود، غير الراضين عن الحكومة الرومانية، يتمردون عليها بشكل دائم. لم يكن اليهود فقط، ولكن تقريبا كل الناس، كانوا يضطهدون أتباع الدين الجديد. كان الرومان، الذين يعبدون العديد من الآلهة، ألد أعداء المسيحية في بدايتها.

الأباطرة الرومان.

لا نستطيع سرد الأباطرة الرومان كلهم بالتفصيل في هذه المساحة الضيقة، لكن سنذكر بألم، كم كان القليل منهم جيدين وحكماء. الباقون كانوا جهلة، شرسين، ضعفاء. لقد عانت الشعوب وكثير من الأبرياء، من جور هؤلاء الحكام.

قُتل العلماء والأدباء وأصحاب المواهب، وخصوصا في الأيام الأخيرة من حياة الامبراطورية الرومانية، مما عجل بموت سابق لأوانه وعنيف لها في تلك الفترة. كل الحكام الأشرار، بدون استثناء، كابدوا ولاقوا نهايات قاسية ومخزية.

تيبيريوس. كاليجولا:

تيبيريوس، الزوج الثالث لجوليا، ابنة أوغسطس، وابن ليفيا، الزوجة الثانية له، أصبح الإمبراطور بعد وفاة أوغسطس. في عهد تيبيريوس، صلب يسوع المسيح، وتوقف حساب الزمن من تاريخ بداية الأولمبياد، وأصبح يحسب من بداية ميلاد المسيح.

كان تيبيريوس طاغية قاسيا، ارتكب جرائم لا حصر لها. كان لديه رئيس حرس، اسمه سيجانوس، كان يتملق له. أقنعه بالانسحاب من روما والتقاعد في كابري، وهي جزيرة صغيرة على ساحل إيطاليا. ثم اكتشف تيبيريوس، خيانة سيجانوس فأمر بقتله هو عائلته.

لا يمكن للمرء أن يقرأ دون رعب، ودون أن يشعر بالشفقة، على النهاية البائسة لسيجانوس وعائلته. فهو الرجل المعتاد منذ فترة طويلة على السلطة والحياة الرغدة، وجد نفسه فجأة، في السجن، بعد أن صودرت أمواله وممتلكاته، ومحكوما عليه بالإعدام.

لم يجد من بين العديد من المتملقين الذين كانوا ينحنون له في أيام ازدهاره ومجده، من يدافع عنه أو يخفف من آلامه. فهو لم يكن له أصدقاء أو فضائل تشفع له. وعندما كان يساق إلى الإعدام، حاول تغطية وجهه بيديه، لكنه منع من ذلك، حتى يظل وجهه مكشوفا لإهانات الغوغاء. خنق سيجانوس، وأعدم معه جميع أفراد أسرته بدم بارد.

سيكون من المستحيل وصف قسوة تيبيريوس. فلا توجد جريمة لم يرتكبها، ولا معاناة، لم يسببها للآخرين. أنفق ثروة كبيرة على الترفيه والملذات. لذلك سقطت روما من عليائها، وابتعدت عن الاعتدال والبساطة. أيام أن ترك سينسيناتيوس محراثه لكي يحكم مجالسها، وعندما هجر ريجولوس مزرعته لكي يخوض معاركها!

لقد عاش تيبيريوس، حياة وقحة، ملذات وإباحية وفجور، حتى سن الثامنة والسبعين. بعد ذلك، أصيب بالمرض، جعله يلازم الفراش مدة طويلة. فأمر كاليجولا، خليفته، بخنقه.

هكذا مات هذا الإمبراطور الشرير، الذي كان يقول، بأن الدولة قد فسدت، ولم يعد ينفع معها الإصلاح أو الحكم الرشيد. وكان يتمنى، أن تنطبق السماء على الأرض ويهلك كل شيء حينما يموت.

إذا اعتبرنا يوليوس قيصر، هو أول إمبراطور، وهو ما يفعله مظم المؤرخين، يكون تيبيريوس، الذي مات عام 37 ق م، هو الإمبراطور الثالث لروما.

كان كاليجولا، الإمبراطور الرابع لروما، ابن جرمانيكوس وأجريبينا. كان جيرمانيكوس ابن شقيق تيبيريوس، وأحبه الجنود كثيرا، وكانوا يودون أن ينصبوه إمبراطورا، بدلا من تيبيريوس. لكن هذا الرجل العادل الأمين، لم يوافق على الخيانة. لذلك، ابتهج الناس لرؤية ابنه كاليجولا على العرش.

بداية عهد كاليجولا كانت واعدة جدا. بدا كاليجولا أنه على استعداد للقيام بكل ما هو صحيح وجيد. نفي بيلاطس بونتيوس القاسي، ورفض أن يحقق في أية مؤامرة تكتشف ضده. قائلا: "لم أفعل شيئا يجعل الناس تكرهني، وبالتالي لا أخاف عداوتهم".

من المؤسف أن كاليجولا تصرف لمدة ثمانية أشهر فقط بشكل إيجابي وحكيم! حياته، بعد ذلك، كانت عبارة عن مشهد واحد من الحماقة والشر. يقال إنه قد أصيب بحمى دماغية، أثرت في قواه العقلية. لأن سلوكه بعد ذلك، ينم على أنه لابد أن يكون مجنونا.

تظاهر بأنه في بعض الأحيان إله وثني، وفي أحيان أخرى، إله آخر. في يوم يدعي بأنه الإله جوبيتر (زيوس) كبير الآلهة، وفي يوم آخر، الإله آيرس (مارس) إله الحرب. بنى المعابد لنفسه ليعبد فيها، وعين كهنة لأداء الطقوس وتقديم القرابين له. ثم عين حصانه أحد هؤلاء الكهنة.

لكن كاليجولا لم يستطع أن يستمر هكذا. فقد تآمر عليه الحرس، قتلوه شر قتلة بالخناجر والسيوف. كان عمره تسعة وعشرين عاما فقط! كم هي حياة قصيرة، ارتكبت فيها حماقات وجرائم كثيرة. قتل كاليجولا عام 41 م.

كلاوديوس، إمبراطور روما. كاركتاكوس الملك البريطاني:

لقد غزا يوليوس قيصر جزيرة بريطانيا من قبل. بالرغم من أن الرومان، منذ عصره، كانوا يعتبرون أنفسهم أباطرة لبريطانيا، إلا أنهم لم يزعجوا أبدا سكان الجزر. لذلك، شعر سكان الجزر بأنهم أحرار مستقلون.

في عهد تيبيريوس، كان بعض الجنود الرومان، الذين تم هزيمتهم على ساحل بريطانيا، يعاملون بلطف شديد من قبل السكان الأصليين. وكان البريطانيون الرئيسيون يزورون روما من حين لآخر، ويرسلون أطفالهم أحيانا إلى هناك لكي يتعلموا، حتى تعيش الدولتان على علاقة ودية مع بعضهما البعض.

تحسن وضع البريطانيين قليلا بسبب اختلاطهم بالرومان. كانوا قد بدأوا التجارة معهم، وفهموا شيئا عن فنون الحرب. لكنهم كانوا لا يزالون عرقا غير متحضر. ثم تم تقسيمهم إلى عدة دويلات صغيرة، أو إمارات، كل منها لها رئيسها الخاص.

في وقت الشدة، كانوا يختارون قائدا لقواتهم المتحدة. وعندما أرسل كلاوديوس جنودا وحكاما لغزو وحكم السكان الأصليين للجزر البريطانية، ظهر كاركاتاكوس.

كاركتاكوس، ملك إحدى الإمارات الصغيرة البريطانية، والجنرال المنتخب لكل الإمارات. عارض بجرأة استبداد القوات الرومانية، وإنجازات الجنود الرومان. كان يهزم في كثير من الأحيان، لكنه كان يعود بشجاعة للمقاومة، وكان يكسب بعض المعارك.

هاجم الرومان قبيلة سيلوريس، وهي قبيلة حربية تعيش على ضفاف نهر سيفيرن. كان كاركتاكوس هو قائدهم. رأى أن جيشه لا يستطيع مقاومة جيش الرومان. لكنه لم ييأس.

استخدم قواته الصغيرة أفضل استخدام. كان يتنقل من فرقة إلى فرقة، يحثهم على القتال ببسالة، وإنقاذ حريتهم من الغزاة. وكان جنوده يردون بهتافات حماسية. لقد قاتلوا، كما وعدوا، بحزم وبسالة. لكن المهارة الفائقة للرومان سادت، وهزم البريطانيون.

كاركتاكوس، على أمل إنقاذ نفسه لأوقات أفضل، تتجمع فيه القوات مرة أخرى لمواجهة الغزاة، لجأ إلى كارتيسماندوا، ملكة بريجانتيس، وهي ولاية بريطانية صغيرة. لكن هذه المرأة الغادرة، أسلمته للرومان.

كان كلوديوس مسرورا جدا لسماع هذا الاعتقال، وأعطى أوامره بإحضار السجين إلى روما.

كاركتاكوس، هو وعائلته، تم إحضارهم أمام الإمبراطور. كان كلوديوس جالسا على عرش رائع، حوله أبهة وروعة. نظر الملك البريطاني بعين هادئة على المشهد المبهر، ثم قال ببساطة، "غريب، أن أمة تمتلك الكثير من الثروة والسلطة، تحسدني على كوخي المتواضع!"

خطابه إلى كلاوديوس كان حكيما ومعتدلا. ثم أضاف قائلا: "لو كنت وصلت للسلطة، لوجب أن أكون هنا كضيف، لا أسير. لقد أبرزت مقاومتي روعة انتصارك. أنا الآن تحت رحمتك، إذا عوملت بتسامح، فإن مصيري سيكون دليلا على رأفتك واعتدالك".

لقد تركت لغة الشجاعة، التي خففت من حدتها الحصافة، انطباعها العادل: فقد أمر كلاوديوس بخلع السلاسل على الفور عن كاركتاكوس وعائلته، وأعادهم جميعا إلى الحرية.

ربما هذا هو العمل الوحيد الجدير بالذكر لكلاوديوس. زوجته ميساولينا، كانت رائعة فقط في الفساد والعبث. لدرجة أن اسمها، ميساولينا، أصبح رمزا للمرأة السيئة.

بالرغم من أن عهد كلاوديوس لم يتسم بالنبل، إلا أن إحدى رعاياه كانت تتسم بالنبل. فقد تميزت آريا، الزوجة المخلصة لبيوتوس، بثبات وشجاعة فريدتين. حاول زوجها، بعد أن اشترك في مؤامرة فاشلة ضد الامبراطور، الهرب، لكن تم القبض عليه وإعادته إلى روما.

ناشدت زوجته أن يسمح لها بمرافقته، قائلة: "إن جميع الرجال في رتبته، يسمح لهم بمصاحبة العبيد معهم. فاسمحوا لي أن أذهب كزوجة مرافقة معه". لكن رفض طلبها.

بينما كان بيوتوس في السجن، مرض ابنه الوحيد ومات. شاهدت آريا طفلها المحبوب أثناء مرضه الشديد إلى أن مات. عندما سأل بيوتوس عن طفله، وهي تعلم أن أيامه معدودة، لم ترد أن تضيف إلى زوجها حزنا على حزن، فتحاملت على نفسها لتقول: "إنه بخير".

لقد صدر الحكم بإعدام بيوتوس. وأعطي الحق في أن يقتل نفسه. لاحظت آريا أن زوجها خائف ولا يقدر على قتل نفسه بنفسه. فمسكت بخنجر في يدها، وطعنت نفسها وأعطت زوجها الخنجر وهو ملطخ بالدماء قائلة: "يا بيوتوس، هذا ليس مؤلما".

بعد أن تلطخ اسم كلوديوس بدماء الكثير من الضحايا، مات بالسم. زوجته الثانية، بجريبينا، وهي وحش ظالم، وأم وحش ظالم، نيرون، قتلت كلاوديوس بوضع السم له في الطعام.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي