جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى ... التماعة 4

محمد نور الدين بن خديجة
2021 / 9 / 23

ـــ التماعات الذاكرة
جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى ...التماعة 4 :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



... هكذا ابتدأت التداريب المكثفة حول عرض : " رحلة الرجل الطيب " من تأليف مهدي حلباس .. وكانت هذه التداريب تتم بالمنازل أحيانا أو بالخلاء الشاسع المحيط بدوار العسكر أو قرب أحد المعامل التي كانت منتشرة أنذاك بدوار العسكر .. حيث كان حيا عماليا بامتياز تنتشر فيه معامل البلاستيك والمصبرات من زيتون خصوصا ... الآن أغلب هذه المعامل هجرت حيث سيتجه الرسمال إلى الخدمات خاصة السياحة . هذا التحول سيؤثر على الأوضاع الاجتماعية والثقافية بمراكش بل وحتى على الثقافة الشعبية الزاخرة بمراكش وسيطغى البعد التسييحي على كل شيء وافراغ الثقافة الشعبية من محتواها البناء .فغابت مراكش التي كنا نعرف وبسرعة هائلة .. بل وفي فورة التوسع العقاري تم الاجهاز على أكبر واحة نخيل كانت تحيط بالمدينة وحل محلها الفنادق الضخمة والنزل الفخمة وما إلى ذلك ...
المهم .. و نحن نتدرب يتم أحيانا نقاش سريع على هامش التداريب فترد مصطلحات ومفاهيم وأسماء مسرحيين من قبيل : التغريب ــ المسرح الملحمي ــ بريخت ــ كروتوفسكي .. وما إلى ذلك ... أستمع مندهشا ولا أتطفل على النقاش فيما لا أدركه أو أطلع عليه .. فاهتماماتي كانت أولا شعرية فغنائية وسياسية مع هوس بقراءة الأدبيات الماركسية المتوفرة . وبهذا سأقرر بأن أوسع وأبحث في الثقافة المسرحية كي لا أظل غريبا في الزفة .
ستتوسع دائرة الحياة المسرحية بسرعة .. بالتحاق عدنان ياسين الشاعر والإعلامي المتميز والدي يعد برنامجه الآن بقناة الغد ــ بيت ياسين ــ وكذا عبد الرشيد قصير الذي اختص في الإنارة ,, ولحجاب أبو جمال وإلهام الكومي .. كما سيلتحق بنا الفنان الموسيقي نور الدين معين عن طريق عدنان ياسين لأن شعبة الإنجليزية كانت تجمعهما ... سيرفد المجموعة بإضافة لمسة المؤثرات الموسيقية على العرض وكذا الأغنية المسرحية .. كنت تعرفت عليه سابقا ونحن تلاميذ عن طريق الفنان الزجال والإذاعي المرحوم عبد العزيز البحر .. كانت صداقتهما وطيدة بحكم أنهما مكفوفان .. المهم توطدت علاقتي بمعين فتعرفت عليه كفنان كان يلحن مقطوعات بالقيثارة .. فيما بعد سينتقل للعزف على العود . التزمت صداقته وكنت أتحمس للاشتغال معه على الأغنية الهادفة أنذاك .. خاصة وأني استمعت بكثرة للشيخ إمام ومارسيل ومصطفى الكرد وأحمد قعبور فترة الثمانينات .. سأصاحبه في جمعية الحياة المسرحية بالعزف على الإيقاع :: فقد كونت رصيدا لا بأس به وبشكل عصامي . فمراكش مدينة الإيقاعات بامتياز ,, حتى الطفل الصغير يبهرك بهذا الإرث الشعبي الذي كانت تزخر به المدينة .. فقد تربيت على الاستماعــ
خاصة أن ساحة جامع الفنا كانت قريبة منا ,, وحي السبتيين كان معروفا كذلك بشعراء ومنشدي الملحون وطوائف كناوة وحمادشة والطبالة .. بالإضافة إلى الإرث البدوي بالمنزل من ايقاعات حمادة والكدرة أو الشمرة الرقصة الصحراوية الشهيرة .. بالاضافة للإيقاعات الأمازيغية حيث تشربتها من أمي الثانية والتي كنت أقضي عندها وقتا كثيرا لانشغالات أمي الكثيرة وشبه الدائمة نظرا لكثرة الأولاد المتقاربي السن وكذا لاستقبال الضيوف الدائم بالمنزل من بدو وغيرهم ,, وكذا مقاومين قدماء بحكم أن الوالد قد مر من تجربة المقاومة بمراكش وبواديها ــ قبيلة أولاد أبي السباع تحديدا ــ كما أنه كان جوالا متميزا عرف بوادي وجبال المغرب بل وصحراء المحاميد ودرعة وغيرها شبرا شبرا فكون علاقات كثيرة .
أؤكد أن تكويني كان عصاميا سماعيا لا نظريا .. وفي غياب أي اهتمام أو توجيه من الأسرة لم أفكر في الاتحاق بالمعهد الموسيقي الوحيد الذي كان بالمدينة . بل وأن غالبية شباب تلك المرحلة تكون على هذه الطريقة أو عن طريق التكوين الجمعوي أنذاك في غياب تام لمعاهد المسرح والفنون الدرامية .
كنت أتوق لأن نشتغل على مشروع الأغنية .. لكن اهتمامات أعضاء الجمعية كانت مسرحية أولا . فكانت الفكرة مرجأة .
سنعرض أول عرض لرحلة الرجل الطيب بدار الشباب بوعزة سنة 1987 .. وتتواجد بالمدينة العتيقة بها قاعة عرض وحيدة أو مايشيه قاعة عرض فلا إنارة مسرحية ولا صوتيات ولاهم يحزنزن .. فقد كان على الجمعيات أن تكتري هذه المعدات أو مايشيه المعدات .. ولكن إرادة التحدي والصمود كانت تدلل الصعب وتخترق المحال وتشق الصخر لتتواصل مع أوسع جمهور متعطش لمسرح وفن يخاطب وجدانه ويحرك آليات عقله ويحرضه على الفعل الواعي لا الانفعال المخدر . وذاك كان ديدن جيل بأكمله ,, فمراكش كانت مدينة المسرح بامتياز والمراكشي مسرحي كبير وتلقائي في حياته اليومية . ألم يصرح الفنان المرحوم الطيب الصديقي ذات يوم : ــ فيما معناه أنه إذا أردت أن تعرف أن عرض مسرحيتك سينجح أو يفشل فاعرضه بمراكش أولا .
فتلك الساحة المبهرة الفرجوية التي لم تنقطع مباهجها يوما على مر السنين ــ جامع الفنا ــ.. لايمكن أن تكون ابن المدينة ولا تسمك ببصمتها ووشمها العميق تحت الجلد إلى أقاصي الروح . فماذا عسانا نضيف نحن جيل التحديث والتمدرس إلى هذا المسرح الكبير المترامي الأطراف عبر الحقب والأزمان ؟...



ــــ محمد نور الدين بن خديجة
23 شتنلر 2021 مراكش المغرب .
*** يتبع ***

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا