الاله البيولوجي صدمة الالفية الثالثة للانسان والاديان1/2

جرجيس كوليزادة
2021 / 9 / 21

الفكر الانساني الذي وضع اوصافا للاله المرسوم والمتفق عليه بصفة الخالق في الاديان وخاصة الابراهيمية منها، الحنيفية واليهودية والصابئية والمسيحية والاسلامية، والاله المذكور في التوراة والانجيل والقران، يعود بدايات التفكير به الى ما قبل الميلاد بعشرات الالوف من السنين، واغلب الظن انه تولد نتتيجة تعرض الانسان في البدايات المبكرة للحياة الى مخاطر من الطبيعة نفسها مثل الفيضانات والزلازل والامطار الرعدية والرياح والاعاصير وكذلك من الحيوانات البرية، واستمر الحال الى ان تشكل اديان بدائية غير متحضرة اعتمادا على اتخاذ الاله من مصادر قوى الطبيعة، واستقر الحال بهذا الواقع الى ان ظهرت الديانة الابراهية قبل الميلاد التي دعت الى توحيد الدين والايمان بالرب الخالق الواحد، ونتيجة لانتشار هذا الدين لاحقا انبثقت اديان اخرى منها الحنفية والصابئة واليهودية قبل الميلاد، والمسيحية والاسلامية في مرحلة ما بعد الميلاد، وخلال هذه الفترة كان العلم في بداياته والحياة لتوها قد بدأت بالخروج من البدائية بفضل الحضارتين الاغريقية والرومانية والحضارات العراقية والمصرية، وصارت تدفع بالاساسيات الاولية للعلوم والمعارف الانسانية والادبية والعلمية الى البروز والتقدم، وهكذا استمر الحال الى ان ظهرت ثورات معرفية كبرى لصالح البشرية، فتولد عنها نهضة صناعية وزراعية وحضارية في القرون الماضية، وتواصلت الى ان ظهرت خوارق العقول الانسانية العلمية التي تمكنت من وضع بعض التفسيرات والنظريات عن الحياة والانسان والكون في القرون والعقود الاخيرة.
ولابد من التأكيد ان التصورات المدونة عن الاله والخلق والخليقة في كتب الديانات الابراهيمية، تعود الى بيئات تستند تماما الى الغيبية المتسمة باللامنطق وبغياب المعرفة والعلوم، والتعايش في عالم من المجهول المرتبط بالخوف والرعب الناتج عن عالم مكون من الارض والسماوات مقسم بين قوتين للخير بزعامة الرب وللشر بزعامة الشيطان، واضافة الى المخاوف والمخاطر الناتجة عن قوى الطبيعة في الحياة، والتي لم يكن للانسان قدرة فيها للسيطرة عليها، ولم يكن له القدرة على طرح تفسير او جواب عن كيفية نشوئها وظهورها بسبب البدائية التي كان يعيش فيها الانسان، ولم يكن يفهم المخاطر المميتة التي كان يتعرض لها من البيئة التي يعيش فيها في عالم مليء بالطوفان والفيضان والزلازل والحيوانات المفترسة وامطار شديدة وبرق مرعب ممتليء بالعواصف والحرائق، اضافة الى مخاطر النيازك التي كانت تنزل من السماء، لهذا فان اغلب اشكال العقائد البدائية التي اتسم بها الفكر الديني في العصور السحيقة من عبادة ظواهر ومصادر وقوى للطبيعة مثل الشمس والقمر والكواكب والنجوم والمطر والغيوم والبرق والطوفان والاشخاص والملوك والاصنام، كانت لها حضور على مستوى شعوب ودول وممالك قديمة، حتى انها ترافقت بحالات مرافقة لعبادة الحيوانات والمخلوقات الاخرى، وغيرها من العبادات البدائية التي كشف عنها التاريخ والاثار عن الاديان القديمة، وكلها كانت منطلقة في اساسها وجوهرها من عالم الخوف والرعب والذعر المرتبط بالظواهر الطبيعية، ولم يكن للعقل ولا للعلم ولا للمعارف اي دور في تحديد وفرض تلك العقائد.
ومن خلال قراءة المراحل التاريخية التي مرت بها البشرية في مرحلة ما قبل ظهور الاديان الابراهيمية، يبدو ان اتجاها في الفكر الديني في تلك المرحلة قد اتجه نحو فكرة توحيد الرب اي الايمان بوجود اله واحد للحياة والارض والشمس والقمر، حسب مدارك الانسان في تلك الفترة وخاصة في مرحلة فراعنة مصر القديمة، وبالاخير ترسخت تلك العقائد في دين متفق عليه من قبل اديان اهل الكتب باسم الديانة الابراهيمية الموحدة لرب العالمين، وقد ارتبط الدين الجديد في مرحلة ما قبل الميلاد بممارسات وطقوس مميزة بها لم تألفها العصور التي سبقتها، وقد اتفقت الاديان الاسلامية والمسيحية واليهودية على ان اصولهم وجذورهم العقائدية اتية من الديانة الابراهيمية الحنيفة، ولهذا يعتبر النبي ابراهيم ابو الاديان والعقائد الدينية المؤمنة بوحدة الرب، وهو اعتقاد انساني متقدم استمر عبر التاريخ الى يومنا هذا، مما نتج عنه ان يؤمن بها كتلة بشرية تقدر بنصف سكان الكرة الارضية بالاديان المذكورة والناشئة من الدين الابراهيمي.
وهذا التدين الجديد ساعد على اشاعة عقيدة التوحيد والايمان باله واحد للانسان والارض والسماء، ويبدو ان فكرة التوحيد برزت ايضا في عهد فراعنة مصر وبعض الحضارات قبل الميلاد، ورمز الى اله التوحيد بالشمس، وهذا التوجه الجديد في الفكر الديني جاء بعد الخوف من سيطرة رجال المعابد على سلطة الحكم، وجاء ايضا بعد الملل من عبادة ارباب كثيرة وعديدة بالاسماء والانواع والاشكال، الى ان انبثقت مرحلة الديانات الابراهيمية فاستقر عليها العالم بالرغم من نشوء صراعات عالمية مريرة بينها.
ولكن العيب الكبير الذي وقع فيه الكتب السماوية للاديان الابراهيمية، هو سرد نصوص متعددة بعيدة عن المنطق والعقل، منها عملية سرد خلق الحياة والارض والسماء بسيناريو غيبي بعيد عن المعارف والعلوم والمنطق والحقيقة، وتحديده بعدد من الايام المفسرة باشكال متنوعة، مرة بستة ومرة بسبعة، وكأنها عملية بناء لمنزل او بناية، بينما الحقائق العلمية أتت بحقائق مثبتة بالادلة والبراهين ومعادلات منطقية عن تفاصيل خلق الانسان وظهور الحياة ونشوء الكون، وذهبت ابعد مثل تحديد الابعاد الزمانية والمكانية للكتل المظلمة وغير المظلمة لوجود الكون ومحتوياته من الاجسام والجسيمات الفضائية اللانهائية.
والسرد االاكثر هشا الذي جاء به الكتب الابراهيمية هو مسألة خلق الانسان على اساس انه مخلوق من الطين او الصلصال على شكل تمثال وثم تم نفخ الروح فيه، وان كان هذا السرد مقبولا قبل الاف السنين ولكنه في حياتنا المعاصرة بات متخلفا ولا يستجيب للاسئلة التي يمكن اطلاقها عن هذا الشأن، وخاصة من النواحي البايولوجية والفسلجية وغيرها.
والاكتشافات العلمية المثيرة التي قام بها العلماء خلال السنوات الماضية بالتقاط جسيمات عضوية وكائنات مجهرية في اعماق المحيطات والنيازك والمذنبات، تذهب الى التوقع بان الحياة اصلها من الفضاء، ومن المحتمل ان الغبار الكوني قد حمل بذور اولية لجزيئات وكائنات مجهرية عضوية، وهذا ما دفع بالعلماء الى اطلاق تسمية البايولوجيا الفضائية على البحوث والمهمات العلمية التي تجري في الفضاء للبحث عن جذور الحياة، ومن المقاربات المثيرة ان العلماء يبحثون في احد اقمار المشتري عن عالم بايولوجي مشابه للعالم الذي اكتشف في الاعماق السحيقة للمحيطات والذي يحوي فوهات حرارية مائية ساخنة وتحيط بها احياء بايولوجية غريبة الاطوار تعيش في الاعماق بعيدا عن اشعة الشمس التي تعتبر مصدر رئيسي لتامين الطاقة في اغلب الكائنات والاحياء المجهرية، وهذه الكائنات تمتلك وسائل بايولوجية غريبة غير مألوفة للحياة.
واغلب الظن يبدو من خلال البحوث والاكتشافات العلمية البايولوجية التاريخية في السنوات المعاصرة، ان الحياة على االارض التي يعتقد انها وحيدة في الكون، بات الان بالدليل والبرهان ليست وحيدة، وان كواكب ومذنبات ونيازك تحمل جذور حياة بدائية من الجسيمات العضوية والاحياء المجهرية، وهذا ما يرسم افاقا رحبة امام العلم للكشف عن اسرار مذهلة عن الحياة في الكون في السنوات والعقود القادمة، وباتت قاعدة علمية فاي وجود للصخور والماء في اي مكان بالفضاء يعني وجود الحياة، وصارت قاعدة بايولوجية اساسية متنها ليس من الشرط توفر اشعة الشمس لانبعاث الحباة البدائية.
ومن الاكتشافات المثيرة الاخرى في عالم الفيزياء الكشف عن موجات الجاذبية، وقد استغرق هذا البحث اكثر من اربعين عاما، وتتطلب مراصد متطورة بكلف مالية عالية، حيث تم رصد اول موجة للجاذبية سنة 2015 من تصادم ثقبين اسودين قبل مليارات السنين، وهذه الموجة تنبأ بها العالم البرت انشتاين في نظريته النسبية قبل قرن، ومن المتوقع في العقود الثلاثة الاخيرة رصد موجة الجاذبية للانفجار العظيم، ويومها سيتم التعرف على سر الانفجار والعالم الذي كان ما قبله وما بعده.
وبالرغم من وجود الانسان في عالم مجهول المنشأ دينيا وعلميا منذ ملايين ومليارات السنين، ومجهول المصير على كوكب الارض النابض بالحياة، الا ان هذا الوجود لكائن عاقل مقارنة بالكائنات الحيوانية والنباتية والمجهرية يتسم بلغز كبير لا يمكن الجواب عليه، وقد احتار الفلاسفة والعلماء في اختيار الرد المناسب عليه، وبكل الاحوال فان الوجود الانساني يمكن حصره على مر التاريخ السحيق بالاوصاف الاتية منذ ظهوره والى يومنا هذا خاصة في المجتمعات المتقدمة، بما يلي: الوجود البدائي قبل ملايين السنين قبل الميلاد، والوجود الاستئناسي قبل مئات الالوف قبل الميلاد والذي تميز بالتأقلم مع الزراعة واستئناس الحيوانات، والوجود البدائي المدعوم من الادوات الحجرية والمعدنية قبل مئات وعشرات الالاف من السنين قبل الميلاد، والوجود الفكري البدائي للتأقلم مع بدايات الاديان القديمة والتفكير بخالق الحياة والارض والسماء قبل الميلاد بالاف السنين، والوجود الديني خلال فترة ما قبل الميلاد وما بعده والذي تجلى بتفكير الانسان باطلاق رؤية دينية على هيئة رسالات بادعاءات سماوية لعامة البشر مثل الديانات الحنيفية واليهودية والصابئية والمسيحية والاسلامية، والوجود التعصبي الديني والذي تميزت به مرحلة مابعد الميلاد بعد نشوء دول دينية مسيحية واسلامية تميزت بالاقطاعية والعنصرية الدينية وامتدت لاكثر من مئات السنين، والوجود الفكري العلمي وتميزت بها فترة النهضة الاوربية بعد القرون الوسطى وظهرت فيها القراءة العلمية والفكرية للوجود وللانسان وللحياة، والوجود المادي تميزت بها مرحلة القرنين الاخيرين حيث وصلت البشرية فيها الى مراحل حضارية متقدمة بالعلوم والمعارف، والوجود التدميري وتميزت بها مرحلة النصف الاول من القرن العشرين، والوجود المدني وتميزت بها مرحلة النصف الثاني من نفس الفرن وتميز بفصل الدين عن الدولة وتبني رؤى الدولة المدنية وتطبيق مباديء حقوق الانسان مع ظهور دعوات انسانية دولية للعدالة والمساواة وتكافوء الفرص وتأمين حق الحياة والصحة والتربية والتعليم والعمل لكل انسان بفضل الأمم المتحدة وتبني مبادرات انسانية عالمية، واخيرا الوجود المزيف وتميزت به مرحلة بداية القرن الحادي والعشرين حيث خيمت عليها علوم الحاسبات والموبايل والاجهزة الخلوية الالكترونية والعالم الافتراضي والتكنولوجيا المتقدمة وسيطرت عليها طروحات الراسمالية الجشعة والمجتمع الاستهلاكي التي زحفت الى اغلب المجتمعات وسحقت فيها الكثير من المباديء والقيم والاخلاقيات الانسانية، حيث بات الانسان مزيفا في ممارساته وسلوكياته ونواياه، وبات غريب الاطوار في عالم مزخرف بمشاعر روبوتية استهلاكية.
والاستنتاج الرئيسي الذي يمكن استنباطه من التطورات العلمية والانسانية والمجتمعية الحاصلة في حياة البشرية عبر المراحل التاريخية المتعددة والى يومنا هذا، هو ان الاديان لم تكن عامل تقدم ولا تطور ولا تغيير ولا ازدهار ولا عمران، بل كانت دائما عامل جمود وتخلف وصراع وقتال وارهاب، واغلب المفكرين والمنظرين والعلماء يذهبون الى الضرورة الحتمية لفصل الدين عن الدولة والمجتمع وحصره بالعبادة الشخصية في البيوت، وحماية هذا الحق ضمن الحقوق المدنية لكل انسان بالقانون والدستور.
يتبع..

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير