سعاد - فيلم يحكي عن هروب الفتيات من الواقع المأساوي إلى وسائل التواصل الاجتماعي

سمير حنا خمورو
2021 / 9 / 21

ان ما تتحدث عنه المخرجة المصرية "آيتن أمين" في فلمها الروائي الثاني (سعاد) انتاج 2020، نجده عند معظم الفتيات المراهقات في العالم العربي، وليس في مصر فقط، علاقتهن بوسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، وتقديم صور ليست لها علاقة بواقعهن المأسوي وقد ينطبق على الشباب أيضا ولكن بدرجة أقل. تفرض التقاليد الاجتماعية، والتربية العائلية والدين صَرَامَة على الفتيات تجعلهن يهربن إلى الفضاء الافتراضي "الفيسبوك والتويتر والماسنجر وغيرها" للتعبير عن رغباتهن وأحلامهم، ولكن بعد وضع أقنعة واستعارة شخصيات لا تمت للحقيقية بشيء. هذا هو موضوع فيلم سعاد الذي عرض في مهرجانات سينمائية عالمية عديدة منها مهرجان كان، وفينيسيا، وبرلين وأخيرا في مهرجان تريبيكا السينمائي العشرين بنيويورك وفازت بطلتي الفيلم الممثلتين "بسنت أحمد"، و "بسملة الغيش" بجائزة أفضل ممثلة مناصفة، ونال الفيلم أينما عرض استحسانًا كبيرًا، لأجوائه الواقعية وتقديم صورة حقيقية للمجتمع المصري غير الذي نراه في الكثير من الأفلام المنتجة في مصر، ولبساطته ولروعة وتلقائية اداء الممثلتين.
يروي الفيلم قصة سعاد (بسنت أحمد) طالبة ذكية تبلغ من العمر 19 عامًا، تعيش مع والديها واختها رباب في مدينة صغيرة تسمى الزقازيق تقع في شرق دلتا النيل بمصر، وكل همها ان تعمل على تقديم شخصيتها المفعمة بالحيوية والمرح على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بنشر صور لها بدون حجاب وفيديوهات تختلف عما تعيشه بالفعل . اذ انها لا تملك وسيلة أخرى لتعيش حياتها الطبيعية كما تريد وترغب.
في المشهد الافتتاحي، ولإظهار التناقض في شخصيتها، نراها في حافلة بالحجاب، تجلس إلى جانب امرأة عجوز ودون مقدمات أو معرفة سابقة بها، تظهر سعاد صورها على هاتفها ، وتخبرها انها طالبة في السنة الأخيرة في جامعة الزقازيق بمصر، وتعرض صور لرجل وتقول أن هذا هو خطيبها أحمد (حسين غانم)، ضابط جيش في سيناء، وهي طالبة طب. ولكن كل ذلك مُخْتَلق ففي مشهد آخر نراها أيضا في الحافلة إلى جانب امرأة وتعرض لها نفس هذه الصور، وتروي قِصةُ مُلَفَّقٌة تمامًا، وعندما تسألها المرأة "هو شغال بأيه" ، تقول "دكتور جراح بالقصر العيني" . انها تستعير شخصيات مختلفة وأسلوب حياة لا تمت لحياتها الحقيقة بصلة، عن طريق استخدام وسَائط التَوَاصُل الاِجْتِمَاعِيّ.
سعاد مُمزقة بين نشأتها التقليديّة، فتاة محافظة ومحجبة داخل محيطها الاجْتماعيّ بانتظار ان يأتي (أبن حلال ليخطبها)، ويأخذها بعيداً إلى القاهرة أو الإسكندرية، ورغبتها بالبحث عن الحب والمشاعر الدافئة بين ذراعي حبيب وهذه تجدها على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الأخريات. حياتها اليومية مقسمة إلى جزئين، كما تعيشها كل الفتيات في معظم البيوت العربية، محددة بالدراسة ومساعدة العائلة في الأعمال المنزلية، وتلبية طلبات والدها، وفي الليل ، وبعيداً عن الأعين تحتضن هاتفها النقال، وترسل رسائل حب عنيفة إلى حبيبها الذي لم تلتقي به أبداً ، كل ما في الأمر انها تعرف أحمد وهو رجل اكبر منها سناً، ويعيش في مدينة الإسكندرية، ولا تعرف عنه غير ما يقوله لها من انه يعمل على وسائل التواصل الاجتماعي، على الفيسبوك والتويتر وانستغرام وتك توك. وبالرغم من التواصل معه سراً، وإرسال الرسائل المكتوبة والصوتية إليه، مصرحة بحبها وشوقها له، ولكنها لا تجروء على الالتقاء. انها تحيا معه، وتريد منه ان يقول لها انها اجمل من صورة فتاة تعرضها له "من هي الأجمل أنا أو هي"، تارة أخرى تغضب منه، وتشعر انه لا يبادلها نفس المشاعر وتترك تسجيلات صوتية عاصفة "أنت مجرد مخادع توقف عن التلاعب بي" ، و تشكك في حبه لها وتهدده بالانفصال !. كل ذلك يصبح ممكناً باستخدام الوسائط الرقمية.
وتصبح اختها الأصغر منها سناً والمراهقة ، رباب، البالغة من العمر 13 عامًا، والتي تعتني بها، قريبة منها، ومحل ثقتها ومع الوقت شريكتها في اخفاء أسرارها، ودون معرفة وعلم عائلتها، ففي مشهد مصور والكاميرا على الكتف، نراهما معاً في البلكونة، سعاد مشغولة بوضع "الماسكرة" على رموشها، بينما تراقبها رباب باهتمام، وعندما تنتهي تقوم الصغيرة بسحب والكشف عن احد أكتاف شقيقتها، وتقول لها هكذا اكثر "سيكسي"، وتصورها بالتلفون وتطلب ان تصورها مرة أخرى على ان يكون وجهها واضحاً، لانها تريد ان تريها له "زلة لسان مع ابتسامة خفيفة" ولكنها تتدارك، وتسألها رباب لمن الصورة، وتجيب "لا لأي شخص"، وبدورها تقوم سعاد بوضع الروج الأحمر الصارخ على شفتي رباب، وتطلب منها عدم اخبار أمها لانها لو عرفت "ستقتلني". وفي مشهد مؤثر تقول رباب بتواضع وحزن إنها ليست جميلة مثل سعاد؛ "أبدو مثل والدي".

وتذهب رباب إلى الإسكندرية لتستكشف من يكون احمد هذا، وتلتقي بأحمد في مقهى في منطقة شعبية، ورغم انها تتحدث عن أمرّ مهم معه، ولكنها حالما تسمع صراخ الناس في الخارج تنظر لتجد هناك معركة بالأيدي بين رجال بالقرب من سيارات حتى تفتح تلفونها وتوجهه نحوهم لتسجل الحدث ، لانها تريد ان تشعر دائما انها موجودة ومؤثرة في هذا الفضاء الافتراضي. وفي الحافلة تفاجأ رباب، أحمد وهو محتضناً فتاة وتسأله بشكل مباشر "ولكن كيف تحب سعاد، وأنت مع شابة أخرى ؟".

لنترك للمشاهد إكتشاف أحداث فيلم مصري واقعي إلى أقصى حدّ، وصادق وصادم في تناوله مشاكل هروب الفتيات إلى الفضاء الافتراضي ، مع ممثلتين رائعتين غير محترفتين. نجد في الفيلم الواقع المصري بلا تزييف، وأسلوب المخرجة يترجح ما بين وثائقي وروائي ورغم ان آيتن أمين عانت كثيرا في ايجاد التمويل اللازم لإنتاج "سعاد"، فقد احتاجت لأكثر من 5 سنوات لإكمال الفيلم، كانت تصور مشاهد وتتوقف لمدة أشهر، حتى يتوفر بعض المال لتعاود التصوير ، ومع هذا استطاعت في النهاية تقديم فيلم بسيط -والبساطة هنا ليست عيبا وإنما تحسب لصالح الفيلم- وناضج فنيا.

فيلم (سعاد) اخراج آيتين أمين ، كتابة مشتركة بين محمود عزت والمخرجة، تصوير ماجد نادر، مونتاج خالد معيط، تمثيل بسنت أحمد ، بسملة الغيش ، حسين غانم هاجر محمود ، سارة شديد ، كارول أكاد ، إسلام شلبى ، منى النموري. انتاج مصري تونسي . وقد بدأ عرض الفيلم في دور السينما ببريطانيا في 27 آب / أغسطس 2021.

سبق للمخرجة آيتن أمين ان اخرجت فيلم (راجلها) عام 2006، وفيلمين قصيرين عن الممثلة وعارضة الأزياء مديحة كامل، وعن تاريخ الرقص الشرقي، فيلم تحرير (الطيب والشرس والسياسي) عام 2011، وفيلم روائي (فيلا 69) عام 2013، وفازت بجائزة ملتقى مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لعام 2010 عن سيناريو فيلم (69 مساحة)، ومسلسل (سابع جار )للتلفزيون.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية