رحلة حزن وعذاب بحثاً عن الحرية/ معايشة حقيقية شخصية لتداعيات الانتفاضة الشعبانية عام 1991/ الحلقة السابعة

محمد رياض اسماعيل
2021 / 9 / 21

في الليل بدأ المطر ينهال علينا بلا توقف واشتد البرد، ورجوت ابن خالتي (م) ان يسمح لوالدي المبيت في سيارتهم وهم شخصين فقط، ولكنه رفض وأشر الى والده المتمدد في سيارته لوحده، وذهب هو الاخر الى السيارة تاركاً إياي كالصخر اتحدث مع نفسي! وتقربت من سيارتهم وقد أقفل الأبواب وتمدد والده في الخلف وهو في الامام وتركوا خالتي في العراء تحت المطر، وصعدنا نحن جميعاً، ثمانية اشخاص في سيارتي، ولكن والدتي تركتنا لتنام في العراء مع خالتي وكذلك فعل والدي، وتغطى الجميع بالبطانيات المبللة، حتى جاءت الساعة التاسعة مساءاً وسمعنا أصوات الحرس الايراني يصيحون بِنَا (حركت ) اَي تحركوا بسياراتكم الى القافلة التي تتوجه الى پاوه، المدينة التي كان الناس تمتدح جمالها، فاستبشرنا خيراً، انه النجاة من الموت البطيء، ربما ستفرج الأمور هناك … حزمت البطانيات المبللة فوق سيارتي وربطتها بالحبل بقوة، و تلاسنت مع (م) لتصرفه حيال أمه، وتهجم عليّ لولا تدخل الأهل فتركته لوضاعة الحال، فمن ذَا الذي يغير طبائع البشر! بدأنا المسير في القافلة التي لها اول وليس لها اخير، وبدأنا صعود الجبل، بدأت رحلة پاوه، بعد ان مكثنا ثلاثة ايّام في هيرو من التاسع من نيسان الى الثانية عشر منه، وتحركنا ليلة 12/4 الساعة التاسعة والنصف، وكنا نسير ببطء شديد ونتأمل في پاوه خيرا، قد نجد عملاً يعيد لنا احساسنا وشعورنا ومتعتنا في الحياة، بعد ساعتان ونصف من المسيرة، قسم الحرس السيارات الى مجاميع، يقود كل مجموعة سيارة حرس من الامام وأخرى من الخلف، وقد اشتد المطر، والطريق الى قمة الجبل غير مبلط والسيول تجري عليه بقوة شديدة، بدأت اقلق على عجلات سيارتي واخشى كثيراً عطل الكابح والاهل يدعون الله للنجاة، و كنا نعبر الانفاق و الدهاليز وسط سيول جارفة، وبالكاد كنت الاحظ المصابيح الخلفية للسيارة التي تتقدمني، وكنت أسير بحذر شديد عَلى حافة الجبل، خشية جرفنا للوادي بقوة السيل في الشارع، وكانت حرارة المحرك تؤشر للخط الأحمر فاضطررت الى النزول وربط مروحة الماكنة بشكل مباشر ليعمل دون ناظم، وفعلت ذلك بشق الانفس تحت المطر واصوات الرعد والبرق… وصلنا الى طريق مبلط وتم تزويدنا بالوقود من قبل سيارة الحرس المخصصة لهذا الغرض، وقد بدأت ملامح المدينة بالظهور حيث تتلألأ مصابيح الشوارع كالنجوم في جوف السماء، واشتدت الرياح والعواصف في قمة الجبل التي تعانق السماء. انقضى ست ساعات من المسير المتواصل نحو قمة الجبل، ودخلنا المدينة وكانت الساعة تشير الى قرابة الرابعة فجراً، وركنت سيارتي في احدى الشوارع خلف سيارة (ح ع) وكان الحرس يصيحون بمكبرات الصوت (حركت آغا) اَي تحركوا، ولكننا تعذرنا بنفاذ وقود سياراتنا، وحاولنا المماطلة الى الصباح لكي نستقر في پاوه، بعد ان رأينا فيها ملامح مدنية، من شوارع ودكاكين ومطاعم وبيوت، كما رأينا غابة واسعة تتوسط المدينة الجميلة، وتنعكس انوار المصابيح على الشوارع فتزيدها تألقا وجمالاً. شاهدت (ح ف) برفقة شخص مدني إيراني، أشر لنا بالخروج من السيارة، كان الايراني كوردياً، وقد دعى الأهل لداره الواقع على الشارع الذي ركنا به سياراتنا، فتوجهت النساء برفقة هذا الرجل و (ح ف) الى داره. وانتظرت انا لوحدي في السيارة ولَم يكن (م) ومعه اختي ووالدتي معنا.
جاءت احدى سيارات الوقود التخصصية وأملت سياراتنا بالوقود وطلبت حركتنا من المدينة، حيث كانت الجوامع تقرأ مدائح رمضان بأسلوب عذب جداً (اللهم أني أسألك عن عظمتك وجمال خلقك فقل لي…) ثم تلاه الآذان فيما بعد، وعادت اخواتي الى السيارة بعد ان استحموا وفطروا، وجلبوا لنا الكثير من البيض والخبز والبطانيات والملابس كهدية من صاحب الدار الذي كان بوده ان يتقاسم معنا كل ما يملك! وبعد مناقشاتنا مع الحرس للسماح لنا بالبقاء في المدينة، رفضوا ذلك قطعا، وطلبوا منا الحركة فوراً واللحاق بالقافلة التي تتوجه الى مدينة جوان روود، وخرجنا فعلاً مع تباشير الصباح وسرنا في وديان وجبال ازدانت اطرافها بالغابات والاشجار التي تعانق السماء، أشجار "الچنار" الباسقة كما تسمى، والأنهر الصغيرة وعيون المياه تشق مسارها الى الوديان، كانت مناظر خلابة وخيالية، لكن القلب حزين! ومكبرات الصوت الايرانية تصيح بِنَا حركت… حركت…حركت … ورَوَت شقيقتي لنا ما رأتها في الدار من كرم الضيافة، ووصفوا مرافقهم الصحية النظيفة، والحمام الحار ووجبة الفطور الغنية … كلما مررنا من مكان تمنينا ان نقضي العمر عليه من جمال طبيعتها التي تسلب الالباب. توقفنا قرب مدينة جوان روود حيث وزعوا الخبز على القافلة، تعرف (ح ف) على أحد الإيرانيين كان قد فقد أحد عينيه في الحرب العراقية الإيرانية، وبعد حديث (ح ف) وسرده اسماء أقاربه، تبين ان الرجل من أقاربه أيضا!!
دخلنا جوان روود صباحاً وكانت المفاجأة … تَراصف سكان مدينة جوان روود جميعا نساءً، اطفالاً وشيوخ على طرفي الشارع ليستقبلونا بالبكاء والعويل واللطم على الرؤوس، وكانوا يوقفون سياراتنا ويملؤونها بالمؤن من معلبات والبسكوت والحلويات والبرتقال والتفاح والخبز والتمر والبقوليات والبطانيات والملابس الجديدة والمال، ويقبلون ايادينا!! …… بكينا جميعاً بحرقة، ان هكذا شعب لن يموت… مشاعر لا توصف، وكانوا يتهافتون على تقبيل أيادينا، ويرددوا "نحن فداء لكم يا أعزاء كوردستان، قلوبنا معكم، وبيوتنا لكم فنحن الانصار وأنتم المهاجرون اخوتنا"، لا يمكنني ان أصف شعوري في تلك اللحظة، كم انت عظيم يا شعب كوردستان الجبارين، شعب حي وصادق ومظلوم يستحق المجد والرفعة والعزة.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي