ترجمة رؤية المتنور العربي على أرض الواقع.

اسكندر أمبروز
2021 / 9 / 21

بعد فتح باب نقد الأديان وسحق الخرافة والدجل المرتبط بها على مصراعيه بفضل الإنترنت , صار منظور الفكر التنويري ورؤيته من الأمور المعروفة لدى غالبية من يستعمل هذا الوسط الرقمي المبارك , وانتشار هذه الأفكار أحدث نقلة نوعية بالوعي العربي كانت تفتقر اليها شعوبنا بشكل حسّاس وخطير , وخروج الناس من دين الله أفواجا هو أفضل ما قدّمه المثقف المتنور العربي , فتحرير ملايين الناس من أكبال وسلاسل الخرافة الدينية وعبثها صار شغلاً شاغلاً للكثيرين على الانترنت وهذا شيء جيّد طبعاً.

وسبق وأن تداول بعض الاخوة التنويريين مصطلح الصراع الفكري مع الخرافة الدينية , وسبق وأن نوّهت في منشورات سابقة الى أن هذا المصطلح خاطئ ولا يجب أن يتم استعماله على الإطلاق , فالحرب تتطلّب أطرافاً تمتلك شيئاً من القوّة حتى تسمى حرباً , ولكن الفكر التنويري بقوّته وصلابته لم يجد في الدين خصماً متساوياً لا من قريب ولا من بعيد , فالدين وتخريفه سقط سقوطاً حرّاً على المستوى الفكري والأكاديمي والفلسفي والعلمي أمام المنطق والعقلانيّة والنقد بكافّة أشكاله.

فالمسألة أو الصراع بين الخرافات الدينية والتنوير ليس حرباً , فكل ما فعله التنويري العربي هو فضح الدين لا أكثر ولا أقل , وطبعاً نقد الدين منطقياً وعلمياً هو بمثابة التحلية بعد وجبة دسمة , فالدين ساقط من تلقاء نفسه , فلا حرب مع منهزم , ولا حرب مع واهن , وإنما انتصارات فقط , والفكر التنويري انتصر انتصاراً كاسحاً على جميع الأوجه الأكاديمية التي يمكن أن تخطر في بال أحدهم.

ولكن هل هذا يعني أن الدين لا يشكل خطراً على البشرية والحياة ؟ كلّا طبعاً , وقد يتسائل البعض كيف لواهن أن يشكّل خطراً على أحد , والإجابة تكمن بالقوّة على أرض الواقع , فالدين ضعيف وواهن فكرياً وأكاديمياً , وأي ناقد للأديان يمكنه نسف أي دين بأقل من دقيقة ! وهذا واقع نراه كل يوم على الانترنت , ولكن قوّة الدين الحقيقية تكمن في تاريخه الطويل وباعه الأطول في السياسة والسلطة أيّاً كان نوعها.

وهو ورغم ضعفه ووهنه استطاع في أزمنة الجهل الغابرة أن يفرض نفسه على السلطة والسياسة ويؤثر على حياة الناس بشكل مباشر وغير مباشر , سوائاً بإلصاق نفسه بصنّاع القرار من ملوك وأمراء وأباطرة , أو باستثمار جهل الغالبيّة العظمى من الناس وتسخير هذا الجهل لمصلحته ومصلحة كلابه من رجال الدين وغيرهم من المستفيدين من هذا العبث الفكري السقيم.

واليوم لا تزال شعوبنا تعاني من ذات المشكلة , فكلام ألف مثقف لن يلغي قروناً من توريث الجهل والخرافة , ونقد ألف ناقد لن يغيّر الغالبيّة وسيظل محصوراً بالأوساط الإلكترونيّة دون أن يتم ترجمته على أرض الواقع , على عكس الدين الذي أسس لنفسه حصوناً من المناعة السياسية والنفوذ والتأثير عبر العصور.

والمثقف العربي ومع الأسف لا يحظى بذات النفوذ على أرض الواقع , فعندما استوت حلبة الصراع الفكري بفضل الانترنت قام المثقف والمتنور بطحن الدين ومسح الأرض بكرامته , ولكن ماذا عن الواقع ؟ ماذا عن التغيير الحقيقي على الأرض ؟

فهنا تكمن المشكلة , الحلبة غير مستوية على أرض الواقع بين الفكر المتنور والجهل الديني , وهذا ما يوقف عجلة التطوّر ويمنع شعوبنا من الإلتحاق بركب البشريّة , والسؤال الذي يجب طرحه اليوم هو كيف لنا أن نترجم رؤيتنا على الأرض ؟ وكيف لنا أن نمد سلسلة الانتصارات الأكاديمية الى أن تطال الواقع وتقوم بالتغيير الحقيقي ؟ وكيف لنا أن نساوي أرض الحلبة وإعطاء أنفسنا الفرصة لسحق الخرافة بشكل كامل ؟

والإجابة تكمن في شقّين , إما الوصول للقوّة السياسية , أو تحصيل قوّة اقتصادية , والشق الثاني هو الأفضل والأضمن في رأيي والذي يمكن تحقيقه. فانتظار المهدي العلماني المخلّص الذي سيلعن رب الدين وعبثه وفساده ليس بالاستراتيجية الناجحة , وظهور هذه الشخصيات في التاريخ كان صدفة ونتيجة لعوامل يصعب تكرارها في دولنا إن لم يكن يستحيل ذلك !

وهنا نأتي للحل الثاني , ألا وهو القوّة الاقتصاديّة , فاليوم دول العالم بأكمله شائت أم أبت خاضعة للمصالح الاقتصاديّة , والسياسات الدولية تتشكّل وتتبلور بسبب تلك المصالح المرتبطة بالأصل بالجغرافيا السياسية للبلدان , وما يحرّك السياسيين هو المصلحة الاقتصادية سوائاً أكانت مصلحة بلادهم أم مصلحتهم هم شخصياً إن كانوا فاسدين.

ولو أردنا التأثير على الأرض حقّاً وتغيير ما تعاني منه شعوبنا بسبب الدين من خزي وتخلّف علينا بالتأثير اقتصاديّاً على السياسة من خلال الاستثمارات والبنوك وضخ الأموال والمشاريع في الدول المنكوبة وتحسين أوضاع شعوبها ووضع صنّاع القرار فيها تحت مظلّة المصالح.

وأفضل مثال على هذا هو الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين الذي وصل الى أعلى المراتب في الدولة السورية أيام حكم أمين الحافظ بفضل أمواله ومشاريعه التي ضختها الدولة الاسرائيلية لدعمه ودعم نفوذه في سوريا , والذي جعله مقرّباً من سدّة الحكم مما سهّل عليه تحريك الدولة بأكملها لخدمة مصالح اسرائيل , الى أن كاد أن يصل الى مرتبة وزير الدفاع !

فهنا تكمن القوّة الحقيقية , والتي يمكن الوصول اليها من قبل التيّار العلماني والتنويري والحداثي , فالدكتاتور العربي فاسد ومطلق القوّة كالله تماماً , ونقطة الضعف هذه يمكن استغلالها وتوجيهها لخدمة مصالح الشعوب والدول وتحسين مستقبل مئات الملايين من الناس بشكل سهل إن توفّرت القوة الاقتصادية كما ذكرنا.

وطبعاً علينا استثناء دول الخليج من هذه المعادلة فهي مادّياً مكتفية...حتى الآن !

ولكنها ستغرق مستقبلاً ما أن تنقطع أموال النفط والذي بدأت تنقطع حتى قبل أن تجف آبار النفط ذاتها , بفضل اكتفاء السوق الأكبر ذاتياً (الولايات المتحدة) من النفط بسبب ثورة النفط الصخري , وانتقال العالم نحو الطاقة المتجددة , ومنافسة دول مثل روسيا , وغيرها من العوامل التي جففت أموال النفط قبل أن تجف آباره...وفي النهاية ستخضع دول الخليج لذات المعادلة وسيخضع حكّامها لمن يعرض أعلى الأسعار من استثمارات وأموال.

فالقوّة الاقتصادية هي العامود الفقري لأي تغيير حقيقي في دولنا , وانتظار التغيير السياسي الذي لن يأتي من تلقاء نفسه هو خطأ كبير لا يمكن لدولنا أن تتحمّل عواقبه , خصوصاً بعد الفساد والجنون الديني في السنوات الأخيرة الماضية وتخريبه وتدميره لدول بأكملها !

يال ثارات الدولار !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي