لماذا الحاجة إلى الفلسفة ؟

احمد زكرد
2021 / 9 / 21

لعل السؤال البديهي الذي يطرح نفسه عند حديثنا عن الفلسفة أو عند الشروع في تعليمها أو تعلمها؛ هو: ما الفلسفة ؟ لكن السؤال الذي يبدو أهم في البداية هو : لماذا الفلسفة ؟ هذا الأخير هو سؤال الغاية و الجدوى، لأنه إذا أردنا أن نجعل العلاقة بين الدرس الفلسفي و المتعلم علاقة ايجابية ، لا بد أن نجيبه عن سؤال لماذا ندرس الفلسفة ؟ وما الغاية منها ؟ وذلك بغية تصحيح التمثلات التي يأتي بها التلميذ من محيطه المعيشي؛ و التي تختصر في أن الفلسفة كلام فاغ بلا معنى وأن الفلسفة ضد الدين و أن الفلسفة تؤدي بمن يدرسها الى الجنون ... لهذا ينبغي بادئ ذي بدء أن نسلط الضوء عن سؤال الجدوى من الفلسفة، الذي يقودنا إلى طرح أسئلة من قبيل : هل الفلسفة ضرورية لنا ؟ وهل نحن في حاجة إليها ؟ ...
قد لا نحتاج للفلسفة، لكننا نحتاج إليها؛ هناك شيء نعرفه ونعترف به، بإمكان أي مجتمع أن يلحق ركب الحضارة و التقنية بدون الحاجة بالضرورة إلى التفكير الفلسفي ... وبإمكان هذه المجتمعات أن تتعلم الصناعة و الطب و الإدارة ... لكن هل بوسعها أن تبدع أنساقا جديدة في العلم مثلا ، أو أن تقترح نظاما أخلاقي أو سياسي جديد يتمشى مع تطلعات الإنسان المعاصر... ونعلم أن الإبداع يحتاج إلى التفكير و التأمل. و نعلم كذلك أنه لا يمكن للعقل التقني و الدغمائي ( الوثوقي) الذي يتلقى المعرفة دون مساءلتها ، أن يبدع لا في العلم و لا في الأخلاق ولا في السياسة ... لذا فنحن نحتاج إلى الفلسفة باعتبارها نشاط للتفكير و التأمل، فتاريخ الفلسفة هو تاريخ العقل كما قال هيجل؛ أي تاريخ المفاهيم الكبرى التي أسست قطائع أبستمولوجيا عبر تاريخ الحضارات الانسانية .
بالفلسفة استطاع العقل الانساني أن يفكر في العالم وفي الحياة و في الذات و في الحضارة و السياسة في الطبيعة و الثقافة في الموت و الحياة، قارب بواسطة العقل قضايا الوجود و الزمان و الكينونة و المعنى ... ان الاهتمام بالفلسفة هو اهتمام بالعقل و الاهتمام بالعقل هو اهتمام بالإنسان و بحقوقه و في المقدمة حقه في التفكير و في الاختلاف و كذلك الحق في التساؤل و النقد ، و يمكن أن نعتبر أن الفلسفة هي وحدها تمنحنا هذا الحق بل إنها تدافع عنه بإصرار.
بهذا يكون الدفاع عن الفلسفة هو دفاع عن الانسان كذات واعية ومفكرة تحمل قيمة مطلقة في ذاتها، لأنه في الحقيقة دفاع عن العقل الانساني نفسه ، لهذا فالفلسفة لا تحتاج لحجج و براهين لبيان أهميتها وجدواها ، لأن كل الحضارات التي ننظر لها اليوم باعتبارها النموذج في التقدم قد ارتقت صعودا على سلم الفلسفة نحو تحسين قدرة الانسان المعاصر على التفكير في مواجهة الاوهام وتحسين قدرته على العيش في مواجهة الشقاء والالم الذي تحمله الطبيعة للإنسان .
مرة اخرى ، لماذا الدفاع عن الفلسفة ؟ لسبب ظل على مر التاريخ يطارد الفلسفة و الفلاسفة؛ وهو الهجوم على الفلسفة و قتل و إعدام الفلاسفة؛ لا لشي إلا لأنهم اعطوا فرصة لعقولهم كي تشتغل ؛ مثلا سقراط أعدم ، و أفلاطون الذي بيع في سوق العبيد، و محاولة قتل أرسطو وحرق كتبه لولا أنه غادر أثينا خوفا أن يجرم الاثنيون ضد الفلسفة مرة اخرى حسب قوله .نهيك على الاضطهاد الذي مورس على الفلاسفة العرب من الفاربي في المشرق إلى ابن رشد في المغرب ... رغم أن الانسان بطبعة يمارس فعل التفلسف، إلا أننا للأسف نرى هذا الكم الهائل من الكراهية و الحقد للفلسفة و الفلاسفة ، فقط لانهم خرجوا بتفكيرهم من الصندوق وطرحوا كل اليقينيات موضع الشك كما فعل ديكارت ، بالإضافة الى طرح الكثير من الاسئلة والاندهاش من ما قد يبدو مألوف للناس، لأن الفيلسوف هو من استطاع ان يحافظ على دهشته الطفولية ، وهذا هو لب الفلسفة ،هو طرح السؤال و الاندهاش ، لهذا نقول أن الفلسفة هي نشاط يقترن بكل انسان ليسأل و يسائل الطبيعة الوجود.
باختصار أهم ما نتعلمه من الفلسفة هو الاختلاف و الايمان به كضرورة انسانية للعيش معا ؛ لأن كل إنسان له فلسفته الخاصة تدفعه نحو تبني قيم معينة ، تجعنا نخلق عالم مشترك مبنى على الاختلاف و أساسه التواصل و الحوار. و تعمل الفلسفة كذلك على تشكيل عقل الفرد بحيث يصبح قادر على التفكير الناقد وامتلاك الحس النقدي ، الذي يجعله لا يقبل المعرفة الجاهزة الا بعد تمحيصها و التدقيق فيها وهذا يخول له التحرر من الاحكام المسبقة و العادات و التقاليد البالية . فالنقد كما يقول كانط هو أفضل أداة بناء عرفها العقل البشري . ولا تتوقف أهمية الفلسفة عن الفرد فقط بل لها دور مهم كذلك على المجتمع ويتجلى ذلك في تحقيق وعي جمعي حول الكثير من الأمور السياسية و الاقتصادية ...، وبالتالي تعمل على اصلاح المجتمع من خلال تطوير الحياة فيه وذلك انطلاقا من مبادئ وقيم فلسفية كونية باعتبارها التتويج الاقصى للمشروع التحريري للانسانية .
فنحن نحتاج الى فكر فلسفي من حيث هو فكر إنساني يعمل على اقامة ثورة في الفكر البشري ،و يتغلغل في ممارستنا و في أخلاقنا ، لأن عقلنا العربي الاسلامي ردم تحت ركام التراث فأصبحنا كائنات تراثية – كما قال الجابري _ اكثر من كوننا كائنات ثقافية ، نقدس الشيوخ والماضي و نهمش دور العقل و التفكير.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي