الخلافة الراشدة حائرة بين ابى بكر و على

عماد نصر ذكرى
2021 / 9 / 21

لم يكن على بن أبى طالب حاضراَ فى السقيفة كما هو معلوم للكافة لأنه كان منهمكاَ فى غسل جثمان النبى وتجهيزه للدفن بينما ترك ابو بكر أمر محمد و هرع إلى السقيفة بعد أن استدعاه عمر لاهثا خلف أمر الملك والسلطان. فالحى أبقى من الميت ولو كان المتوفى الديان سيد ولد آدم و أشرف من خلق الرحمن.
لم يرشح الرسول أحداَ لخلافته لكن هناك روايات ترجح أنه كان ينوى تسمية من يخلفه إلا أن القدر لم يمهله. ذكر الطبرى أن محمداَ إبان مرضه الأخير قال : إئتونى أكتب كتاباَ كى لا تضلوا من بعدى فقالوا إن رسول الله يهجر (1). وجاء فى الطبقات الكبرى أنه قال :" إئتونى بدواة وصحيفة اكتب لكم كتاباَ لا تضلوا بعده أبداَ (2) ونقرأ فى صحيح البخارى ومسلم أن ابن الخطاب رفض طلب محمد بحجة أن كتاب الله حسبه وحسب المسلمين جميعاَ. يرى الأستاذ خليل عبد الكريم فى كتابه الصحابة والصحابة (3) أن عمراً فعل ذلك لانه توقع ان محمدا سيوصى بالخلافة لعلى من بعده . و انا لا استطيع ان اجذم بصحة هذة الفرضية و ان كنت لا استبعدها فحديث الرسول الشهير المتفق عليه من السنة و الشيعة " من كنت مولاه فعلى مولاه " قد يخيف عمرا مما يمكن ان يخطه محمد قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة . ومن المعلوم ان السنة يفسرون المولى بالنصير والمحب وليس حاكم المسلمين كما يفهمها الشيعة . وربما يكون عمر قد ادرك ان عليا لو نال الخلافة فقد تظل فى بنى هاشم او يتناوب عليها الامويون معهم ولن تصل يوما الى رجل مثله من بنى عدى الفرع قليل السطوة فى قريش . وبعد ان بويع ابو بكر للخلافة فى غفلة و غيبة من على و الهواشم غضب على وقال لأبى بكر : " الله الله معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد فى العرب من داره ومقر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم و نحن احق بهذا الامر منكم . و كان بشير بن سعد الانصارى المبايع لابى بكر فى السقيفة منصتا لحديث على الساخط , فلما انهى على كلامه قال بشير: " لو كان هذا الكلام سمعته الانصار يا على قبل ابى بكر ما اختلف عليك ( 4 ) . وحين سأل الانصار على عن سبب غيابه عن اجتماع السقيفة اجاب بانه لم يكن يقدر على ان يترك جثمان الرسول قبل دفنه و يخرج ساعيا للولاية . و روت فاطمة ان زوجها لم يفعل الا ما يصح ولكنهم صنعوا ما الله حسيبهم عليه و طالبهم به (5) . ويبدو ان فاطمة قد نسيت ان الله لن يحاسب ابا بكر وعمرا لان اباها بشرهم بالجنة , فذنوبهم كلها مغفورة ما تقدم منها و ما تأخر. وقد استنكر ابو سفيان الاموى الذى غاب ايضا عن السقيفة مبايعة ابى بكر خليفة , فذهب الى على و قال له : " يا على ما بال هذا الامر فى أذل قبيلة من قريش و اقلها و الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا و رجالا ( 6) . نلاحظ هنا انه رغم التنافس التاريخى بين بنى هاشم و بنى امية على سيادة قريش والعرب الاان ابا سفيان لم يتقبل ان تخرج الخلافة من البيت الهاشمى ويفوز بها ابو بكر المنتمى الى بنى تيم و هم اقل بطون قريش مكانة . وقد هاجم ابو بكر وعمر دار فاطمة وعلى وكان معهما نفر من الصحابة الذين رفضوا مبايعة ابى بكر و خرج على حاملا سيفه الا ان عمرا كسره و اقتحم الدار فصرخت فاطمة : " والله لتخرجن او لأكشفن شعرى . فخرجوا و خرج من كان فى الدار ( 7 ) . و يذكر ابو الفتح الشهرستانى فى كتابه الملل والنحل ( 8 ) ان ابن الخطاب ضرب بطن فاطمة و كانت حبلى فأجهضت و هم بحرق دارها بمن فيها ويحكى الطبرى الواقعة نفسها. إلا أن ابا بكر نهى عمرا عن حرق دار فاطمة وابدى ندمه قبل موته على الاعتداء على من كانوا فى الدار قائلا : " وددت انى لم اكشف بيت فاطمة عن شىء وان كانوا قد غلقوه على الحرب ( 9 ) . و أتساءل ان كان عمر يؤمن فى اعماقه بنبوة الرجل الذى يعتدى على ابنته و يهم بحرق دارها . و قد جاء فى صحيح مسلم ( باب صلح الحديبية ) ان عمرا قال لأبى بكر : " ما شككت فى نبوة محمد كشكى يوم الحديبية " فهل عاد عمر الى تصديق محمد كما طالبه الصديق يومها ام انه ظل على شكه ؟ . و بعد هذة الاستطرادة نعود الى ابن عبد البر الذى ذكر فى الاستيعاب ان عليا رفض قتال ابى بكر حتى لا تدب الفرقة بين المسلمين (10) . لكن الطبرى يخبرنا ان عليا كان يحمل فاطمة على جمل مطالبا المسلمين ان يبايعوه ( 11) . و الحقيقة انا اميل ان عليا ترفع عن قتال ابى بكر و طلب السلطة لانه لو اراد لسانده بنو امية و حشد لا بأس به من الانصار الى جانب الهواشم بالطبع و النصر كان سيحالفه غالبا . و يبدو ان فاطمة كانت تضغط عليه لمعاداة ابى بكر الذى حرمها من نصيبها فى ميراث محمد . و قد بايع على ابا بكر بعد موت فاطمة . و سواء جنح على الى السلم طوعا أو كرها فقد ادى هذا الموقف الى الحفاظ على وحدة الدولة القرشية الاسلامية الوليدة لان الحرب لو كانت دبت بين الفريقين لما تفرغ أبو بكر لمحاربة المرتدين ومانعى الصدقة و لأنقسم العرب إلى قبائل متناحرة و عادوا الى سيرتهم الاولى .
المراجع
(1) تاريخ الأمم و الملوك أو تاريخ الطبرى - الجزء الثالث (ص 192 - 193)
(2) الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقدى - الجزء الرابع (ص 58-59)
(3) خليل عبد الكريم - الصحابة والصحابة (ص 177)
(4) الصديق أبو بكر لمحمد حسين هيكل (ص 64 - 65)
(5) الإمامة و السياسة لإبن قتيبة
(6) حياة الصحابة للكاندهلوى - المجلد الثانى (ص 11)
(7) تاريخ اليعقوبى - الجزء الثانى (ص 126)
(8) الملل و النمل - الجزء الأول (ص 57) - أبو الفتح الشهرستانى
(9) الطبرى - الجزء الثالث ( ص 430)
(10) الإستيعاب لإبن عبد البر - المجلد الثانى (ص 497 )
(11 ) تاريخ الطبرى - الجزء الرابع (ص 209)

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي