صورة من الايام الصعبة

مازن الحسوني
2021 / 9 / 20

أثناء هجمة البعث على الحزب الشيوعي في عام 1978 وبسبب ملاحقة دوائر الأمن للشيوعيين في كل مكان ،أضطر العديد منهم لترك أعمالهم ودراستهم وحتى اماكن سكناهم.
لهذا أتجهت أنا ومجموعة من الرفاق الذين عملنا حزبيأ ودرسنا سوية (المعهد التكنولوجي بالبصرة) الى بغداد بعد أن ضاقت البصرة بنا ولكي نتدبر أمرنا ونعرف ماذا ستؤول أليه الأمور. في بغداد ولأجل تكفلنا بمعيشتنا كان لابد من العمل بأي عمل ولهذا تنقلت والمجموعة التي معي (ابوعراق-حسن الدفاعي- ابو أنتصار-عبد الرضا المادح- ابو سوزان- رافد عبد الغني- ابو لندا-يوسف موسى-) في عدة أعمال حتى أستقرينا للعمل وبمساعدة من احد الرفاق في بغداد في محل لصنع الأثاث الفاخرفي منطقة المسبح (كرادة) وكان أسم المحل (دار الأثاث العراقية) صاحب المحل كان شيوعي قديم وهو من الأخوة الأكراد وأسمه (ابو مازن) .الحقيقة عاملنا بشكل جيد دون أن يعلم بوضعنا السياسي لأننا خشينا منه اولأ وعليه تاليأ بعد ان توطدت العلاقة معه ولم نخبره بأننا من البصرة ومطاردين وأنما أخبرناه بأننا من بغداد قضاء المحمودية (اللهجة عبرت عليه وما ميزنا بصاروه).
دار الأثاث هذه وبسبب عملها الجيد كانت تتعاقد مع الدوائر الرسمية الحكومية بمختلف صنوفها.في أحد المرات جرى التعاقد مع وزارة الدفاع حول مجموعة كراسي فاخرة وحين أنجزنا المطلوب وصلت في أحد الأيام أمام المحل سيارة زيل عسكرية لأجل أستلام البضاعة .كالمعتاد تعاونا مع الجنود لأجل وضع البضاعة في السيارة.
المفاجئة بالنسبة لي كانت هي بأن أحد الجنود كان من البصرة ورفيق سابق وعملنا سوية حزبيأ ورياضيأ كذلك(نلعب كرة قدم) يعني يعرفني حق المعرفة . وقفت أمامه مبهوت أول الأمر من رؤيته مثلما هو تفاجأ كذلك (انا لا أعرف موقفه أثناء الهجمة ولم ألتقيه منذ مدة أضافة الى أنه عسكري الأن يعني الف سؤال وأحتمال تصعد بالراس بتلك اللحظة).حينها بادرني بالسؤال ماذا أفعل هنا؟.أجبته بسرعة لا تدعو للريبة وهي بأنني في السنة الأخيرة من الدراسة وأعمل تطبيق لمدة شهر مقابل مبلغ مالي مدفوع وساعود نهاية الشهر الى البصرة (كان هذا في الشهر الثالث عام 1979) هل أقتنع بجوابي أم لا لست أعلم ،المهم أعطيته شعور بأن أموري كلها سليمة .
حملنا البضاعة في السيارة وذهبت لبقية الرفاق وأخبرتهم بمن يكون هذا العسكري ولهذا لابد من الحذر الأن بشكل كبير حيث أتفقنا على وضع كافة مستمسكاتنا في جيوبنا وكذلك عدم نزع الحذاء (كنا نلبس نعال بالعمل ) ولابد من وضع أحدنا قريب في عمله من البوابة الرئيسية للمحل .أستمر قلقنا وتوجسنا لمدة أسبوع وفيه كنا نراقب الشارع والسيارات التي تأتي للمحل نحن الذين في الطابق الثاني ورفيق يراقب البوابة ،يعني كل سيارة تأتي للمحل نتبادل النظرات بشكل لا أرادي حتى نتيقن من هو بداخلها وعندها نسحب نفس عميق .الجيد بالقضية هي أن أحد من العاملين رغم كثرتهم لم يتوجس أو يلاحظ شيء غريب بتصرفاتنا حتى أنتهى الأسبوع وبعده أطمئنا الى أن صاحبنا العسكري لم يوشي بنا أو ربما عبرت عليه السالفة لتستمر بعدها حياتنا في أيامها الصعبة لمدة غير معلومة وبمواقف وصور أخرى.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية