مصافحة إلى العقول الراقية على إيقاع صراع الأجنحة داخل المنظومة في تونس...!

عمران مختار حاضري
2021 / 9 / 20

مصافحة إلى العقول الراقية على إيقاع صراع الأجنحة داخل المنظومة في تونس... !
*الشعارات الشعبوية و الطوباوية عامة ، تفجر الرغبة السحرية لدى بعض العامة كما لدى بعض النخب، من المقهورين و المهزومين داخلياً و الذين يعانون من كبت " الأنا" بحسب علم النفس الاجتماعي، حيث يبحثون من حولهم عن الخلاص مما هم فيه من أوضاع مزرية مقلقة خانقة عن مصدر قوة خارجية فالمواطنون البسطاء عادة ما يجازفون بالمفاضلة بين السيء و الأقل سوءا في ظل هشاشة البديل الشعبي الحقيقي ، ليجدونها لدى "المنقذ الملهم" الذي يغدق عليهم شعارات ضبابية تنتصر لأحلامهم الوردية ، تعيد لهم مكانتهم المهدورة و لو صوريا و " تخلصهم من عبث النخب يميناً و يسارا في الحكم كما خارجه كما يسوق له الخطاب الشعبوي ،تحت شعارات معممة قصديا لتحشر كافة النخب مهما كانت طبيعتها و على اختلتفاتها و تناقضاتها في سلة واحدة...! من قبيل "نكبتنا في نخبتنا"...! و " كلهم كيف كيف "...! و " إتحاد شغل للخراب"...! و" يسار غبي فاشل"...!( و غبي هنا تعني في الحقيقة طيفا من اليسار الوطني والمناضل المبدئي الذي لا يتنازل و لا يساوم في القضايا العادلة و المصيرية و منحاز إلى الشعب الكادح و انتظاراته و كذلك لأنه لا يسعى إلى المشاركة في الحكم في نفس المنظومة التي يتناقض و يعارض توجهاتها و خياراتها التبعية العدوانية بحق الشعب و الوطن ، ينتصر للثورة و تصحيح مساراتها و للمعايير الإنسانية القيمية و يرفض الحلول الترقيعية المغشوشة و الاصطفافات اللامبدءية وراء أي من مكونات المنظومة التبعية و اقطابها...)... و "صفر فاصل في الإنتخابات" إلى غير ذلك من النعوت الساعية إلى"تقزيم" المعارضين بهدف سحب البساط كي يتسنى لتيار الشعبوية الناشئة صناعه " المواطنين الخاصين و الطيعين" الذين يفقدون الحس النقدي و يتماهون عاطفياً مع "الزعيم" و مع الأيديولوجيا الزائفة التي تضللهم و تلوث وعيهم و بذلك يتعزز استلابهم ...! خاصةً في ظل استفحال الأزمات التي يسودها البؤس و إنعدام الأمن الغذائي و الإقتصادي و السياسي و انحدار منسوب الاخلاق العقلانية المواطنية و إنتشار تعميم أزمة الثقة و الانساق الاطلاقية و تغول الكراهية و "ثقافة الشتيمة" في التعاطي مع الاختلاف في الرأي على حساب النقد العقلاني الموضوعي البناء و محاولة فهم التناقضات و الطروحات بصفة عقلانية إبداعية خارج الأحكام الاطلاقية و قراءة النوايا، في ضوء مصلحة الشعب و انتظاراته و الوطن و سيادته في سياق تحرر وطني إجتماعي ديموقراطي شعبي خارج المبايعات العاطفية و الاصطفافات اللامبدءية و الامزجة الظرفية...!
*بالتالي وفق هذا التمشي يتطلب محاولة فهم الصراع الجاري اليوم في الراهن التونسي في ظل المعطيات التالية :
_ الأوضاع الإقليمية والدولية و سياسة المحاور في علاقة بالشأن التونسي و إستمرار التبعية لمراكز النفوذ الإمبريالي و تفاقم مسار التطبيع ...
_ اختلال موازين القوى في ظل هشاشة البديل الحداثي الديموقراطي الحقيقي و التقدمي الوطني الناهض الديموقراطي الشعبي و تصدر المشهد من اليمين النيوليبرالي التبعي بكافة تمثلاته الإخوانية الظلامية و الحداثوية الزائفة المشوهة كما الشعبوية المحافظة الناشئة حيث كل رواد هذه التعبيرات نيوليبرالون تبعيون مهما احتدت صراعاتهم و مهما اختلفت زوايا النظر... فالصراع هو في الحقيقة، صراع أجنحة داخل المنظومة النيوليبرالية التبعية الرثة من أجل إنقاذها و امتصاص الاحتقان الشعبي و محاولة إخماد الصراع الاجتماعي الطبقي و حرف التناقض عن جوهره الحقيقي و الدفع باتجاه "البقاء للأصلح " من داخل نفس المنظومة ... !
_ كما أنه يجب التحرر من المثل الدارج بأن " عدو عدوي هو صديقي" ذلك لأن عدو عدوي يمكن أن يكون عدوي بنفس الوقت لأن عدو عدوي لم يعاد عدوي إكراماً لنا بل انتصارا لنفسه و لحساباته و لمشروعه السياسي الخاص...! بالمحصلة يجري الآن تغيير سيطرة الإخوان بقيادة حركة النهضة و شركائها التي انتحرت على أسوار الحكم في عشرية سوداء و كرهها عموم الشعب الكادح الذي اكتوى بسياساتها العدوانية الغنائمية التقشفية إضافة إلى مزيد استشراء الفساد و الاختراقات الأمنية و الأجهزة الموازية و التسفير إلى القتال و انتشار الإرهاب و الاغتيالات السياسية و تفاقم مسار التطبيع و التجويع... بسيطرة الشعبوية المحافظة الناشئة بقيادة الرئيس قيس سعيد الذي كمن لمدة سنتين لم يفعل طيلة هذه الفترة شيئاً يذكر لفائدة الشعب حيث أستغل تحرك 25 جويلية الاحتجاجي على فشل منظومة الحكم، لتوظيفه لفائدة مشروعه الشعبوي المحافظ حيث جمع كافة السلطات بين يديه و أقحم المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي تحت عنوان التوقي من الخطر الداهم أو الجاثم" ...! لا شك أن بداية انزياح حركة النهضة الإخوانية غير مأسوف عليها شكلت بداية انزياح غمة مشروع إخواني رجعي و بداية زوال سحره الخادع الذي سكن عقول بعض البسطاء لسنوات... لكن نعتقد أيضا أن الشعبوية المحافظة لا تشكل لا بديلا طبقيا و لا بديلاً سياسياً شعبيا عن رواد الاسلام السياسي الإخواني كما رواد الحداثة الشكلانية الزائفة ذلك لأنها لا تملك هي الأخرى الحلول المناسبة لعموم الشعب الكادح في الدواء و الغذاء و الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية لأنها تحافظ على نفس الخيارات القديمة المتازمة التي ثار ضدها الشعب و منخرطة طواعية في املاءات صندوق النقد الدولي الكارثية و ليست في وارد تخطي المنوال الاقتصادي السائد الكمبرادوري التبعي الريعي الخدمي البنكي المتخلف و عدم اعتماد اقتصاد منتج فلاحة و صناعة قادر على إنتاج الثروة و القيمة المضافة و توفير الشغل و تشغيل محركات التنمية الحقيقية... و جدير بالذكر أنه لم تتخذ إلى ما يقارب الشهرين إجراءات جدية منتظرة في محاسبة حركة النهضة الإخوانية و مقاومة الفساد كما لم تتخذ إجراءات جدية و عاجلة تستجيب لمطالب الشعب الاقتصادية والاجتماعية أساساً و إنعاش الاقتصاد و حمايته، كالتوجه نحو تعليق الديون الكريهة و مقاومة التهرب الضريبي و إدماج الإقتصاد الموازي و حماية الدينار من الإنهيار و التوقف عن توريد بعض المواد الكمالية و مقاومة التوريد العشوائي و إلغاء استقلالية البنك المركزي و تفعيل محركات التنمية و التوجه نحو إلغاء الاتفاقيات المشينة المنتهكة للسيادة و الناهبة للثروات و المقدرات مثل مشروع إتفاقية الشراكة الشاملة و المعمقة مع الإتحاد الأوروبي "اليكا" و "صندوق التنمية القطري" و "اتفاقية التعاون الأمني مع تركيا" و على صعيد آخر و في إنتظار مطمح دسترة تجريم التطبيع بكافة أشكاله على الأقل إلغاء مؤسسات ذات منحى تطبيعي مع الكيان الصهيوني الفاشستي مثل فرع (LICRA ) "للرابطة العالمية لمناهضة العنصرية والسامية" بتونس كما "بيت الرواية التونسية" و منع البضائع الصهيونية التي بدأت في التسلل إلى الأسواق عن طريق بعض المغازات الكبرى و الحال أن الرئيس سعيد و منذ حملته الانتخابية يطلق شعار "مناهضة التطبيع"...!
*بالتالي الخطر الحقيقي الجاثم هو الاستمرار في نفس النمط الإقتصادي المهيمن في المجتمع و الذي أوصل البلاد إلى الإفلاس الإقتصادي و الإنهيار في جميع المناحي... كما أن الخطر الحقيقي الداهم هو المرور إلى "نادي باريس" و "نادي لندن" في ظاهرة أشبه ب " الكومسيون المالي الجديد" و بيع المؤسسات العمومية الاستراتيجية القاطرة الحقيقية الاقتصادية و مزيد انتهاك السيادة و ترك مصير الوطن بيد الأجنبي في سيناريو دراماتيكي شبيه بالذي حصل في اليونان في السنوات الأخيرة أو الذي يحصل حالياً في لبنان...! إلى جانب محاولة إقحام المؤسسة العسكرية في الشأن العام باتجاه التأسيس لنظام يكرس الحكم الفردي بخلفية شعبوية اخلاقوية محافظة تجاوزها الزمن...! تهدد التطلع إلى التعددية الفعلية و التمثيلية النسبية و الديموقراطية الشعبية التشاركية المنشودة و الحرص على توفير شرطها الاجتماعي حيث يكون النضال من أجل الحرية جنبا إلى جنب مع النضال من أجل المساواة و التكافؤ و التوزيع العادل للثروة و التعليم العمومي و الرعاية الصحية و الاجتماعية التي جرى و يجري تدميرها قصديا لفائدة لوبيات الاستثمار الخاص و ما تعنيه العدالة الاجتماعية المنشودة في كافة مفرداتها... هذا التمشي الشعبوي الذي يتجاهل دور "الاجسام الوسيطة" من منظمات مدنية و أحزاب سياسية و يبخس دور المثقفين و النخب... و تعطيل العقل النقدي و تقزيم المعارضين من خارج دائرة الحكم حيث طالت حملات الشيطنة و التشويه حتى المناضلين الوطنيين و التقدميين الراديكاليين المشهود لهم بالثبات على المبادئ و الانحياز للشعب و قضاياه العادلة من الذين صهرتهم الحياة النضالية و جعلتهم ينخرطون من موقع أمامي في مقارعة استبداد الحكم الفردي المطلق منذ عقود و كلفهم في سبيل ذلك ما كلفهم من ويلات و عذابات و سجون و ملاحقات و متاعب عائلية و معيشية، لا ينكرها إلا حاقد جحود والذين شاركوا في الثورة من موقع أمامي و أسهموا بفضل تضحياتهم في إسقاط رأس الديكتاتورية و إحراز المنجز الوحيد في الحرية النسبية رغم محدوديته و عدم توفر شرطه الاجتماعي ... و الذين يطالبون الآن بوضوح و مبدئية إلى عدم العودة إلى ما قبل 25 جويلية 2021 و بنفس الوقت إلى عدم العودة إلى ما قبل 17 ديسمبر 2010 ... و التحذيرمن مخاطر النزوع نحو تفكيك الميكانيزمات و الآليات القضائية و السياسية و المؤسسات بغرض تطويعها و إخضاعها لمشيئة انتصاب مشروع الحكم الفردي ...! في مسعى عبثي يهدد النسيج الاجتماعي و وحدة الشعب تحت شعار مطاطي ضبابي شعبوي مائع ثنائي " نحن " و " هم"... تحت يافطة " الشعب يريد"...! و إيهام الأنصار و المريدين بما يستبطن التحريض و الاحتراب بين أبناء الشعب الواحد بشعارات تعويمية تعميمية و ما رافقها من حملات تشويهية ممنهجة تجاه كل من يجرؤ على نقد أو حتى مجرد التحفظ على التمشي الشعبوي الحالي بمن فيهم غلاة المعارضين لحكم النهضة الإخوانية و توابعها...!!! تحت عناوين عدة و لعل أبرزها "إستعادة البلاد من النخب" و " الأحزاب و المنظمات"... وربما ما خفي عن هؤلاء جميعاً هو جوهر الأزمة المتمثل في النمط الإقتصادي المهيمن و أنهم لا يدركون فعلاً و هم يتصرفون "كمالكين عقاريين لشعار الشعب يريد"... أن الشعب يريد تغييرا جذريا يطال علاقات الإنتاج السائدة في المنظومة بكافة تمثلاتها لكنه لا يعرف كيف السبيل التنظيمي و السياسي لتحقق إرادته في التغيير الجذري المنشود... ! و نخب في غالبيتها الساحقة تريد الإصلاحات الترقيعية من داخل المنظومة و لا تجرؤ على الخروج منها و تخطي أسوارها بما فيها أطياف يسارية سقطت عن وعي أو عن غير وعي بحكم نشوة بداية انزياح المشروع الإخواني، في المفاضلة بين السيء و الأقل رداءة أو تكتيك التحالف المرحلي لكن دون أدنى نقد جدي لهذا التمشي و البحث في مالاته المستقبلية بالعمق المطلوب و بخاصةً الوقوف بوجه مخاطر إقحام المؤسسة العسكرية و بداية تعبيد الطريق نحو الحكم الفردي... في ظاهرة تحيلنا على " الداروينية الاجتماعية" في البقاء للأصلح داخل الرأسمالية أو "ظاهرة اليسارية الهيغلية" في سياق مقارن حيث انبهر هيغل بالثورة الفرنسية و مبادئها ثم بعد فشلها عاد ليساند بونابرت...! بالمحصلة وبناءا على عدة تجارب ، تعد الشعبوية المحافظة نفي للعقل و تزوير للتاريخ و لا تشكل البديل الحداثي الديموقراطي الحقيقي و لا البديل التقدمي العلماني الوطني و لا البديل الديموقراطي الشعبي الاجتماعي الحقيقي ، مهما تدثرت بشعارات تعويمية شعبوية و مهما بلغت أوجها فهي لن تتخطى بعض الإصلاحات الترقيعية و السقوف المنخفضة و تبقى دون انتظارات الشعب في الشغل و الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية....! لكن و رغم هذا و ذاك تبقى جل الأطياف السياسية اليسارية بل كلها تقريباً، أسيرة الانحسار في الجانب السياسي و إهمال الجانب الاقتصادي والاجتماعي و هذا ما عمق ربما من انعزاليتها و هشاشة قاعدتها في الأوساط الشعبية المفقرة و الضعيفة و حال دون تلمس درجة وعيها و انشغالها و احتقانها و انضغاطها و مزاجها... بالتالي حال دون كسبها قاعدة شعبية قادرة على منازلة مكونات المنظومة النيوليبرالية التبعية بمختلف مكوناتها و تمثلاتها في إطار نشاط منظم يوحد الطاقات الذاتية و يرسم التكتيكات المناسبة في ضوء استراتيجية واضحة المعالم تهدف إلى إنجاز التغيير الجذري المنشود شعبيا انتصارا للشعب و انتظاراته و للوطن و سيادته في سياق تحرر وطني إجتماعي ديموقراطي شعبي ...!

عمران حاضري
18/9/2021

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية