ممساهمة دول الجوار في تغيب نظام 14 تموز: (2-6)

عقيل الناصري
2021 / 9 / 20

مساهمة دول الجوار في تغيب نظام 14 تموز:

في نفس الوقت قد أكد هذه الواقعة يفغني بريماكوف رجل المخابرات السوفيتية ورئيس وزراء روسيا الأسبق، بشأن صدام حسين وحزب البعث قائلا: "... واعترف مايلز كوبلاند (صاحب كتابة لعبة الأمم وعميل المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط -الناصري) أحد رجال المخابرات الأمريكية القدامى في أواسط الثمانيات في حديث مع صحفيي وكالة (يونايتيد برس أنترناشنال) الأمريكية بأن المخابرات الأمريكية كانت بعد مجيء قاسم إلى السلطة على أتصال وثيقة للغاية بحزب البعث العراقي المعادي له. وشارك صدام حسين الشاب في ذلك الوقت بالذات في مؤامرة لإسقاط قاسم وإغتياله. وأسكنوا صدام في شقة في شارع الرشيد في بغداد بالقرب من وزارة الدفاع. ويؤكد عادل درويش مؤلف كتاب (بابل الكافرة) على أن المخابرات المركزية كانت على علم تام بجميع نواحي الإعداد لمحاولة إغتيال قاسم. وأن طبيب أسنان عراقيا (حازم البكري- الناصري)عمل في آن واحد لصالح المخابرات المصرية أيضاً كان حلقة وصل بين المخابرات الأمريكية وصدام.
فشلت محاولة الاغتيال وقتل سائق الزعيم، أما قاسم نفسه فانبطح على أرضية السيارة وأصيب بيده فقط. وتمكن صدام الذي أصيب بجرح طفيف في ساقه من رصاصة لمتآمر أخر، وبمساعدة المخابرات الأمريكية والمصرية، من الهرب إلى مدينته تكريت في البداية ثم إلى سوريا. وساعده رجال المخابرات المصرية على الإنتقال منها إلى بيروت. وبدأ برعايته هناك رجال المخابرات الأمريكية الذين دفعوا له إيجار الشقة والمصاريف اليومية الأخرى. وبعد فترة من الوقت ساعدت المخابرات الأمريكية صدام على الانتقال إلى القاهرة. وعاد إلى العراق في عام 1963، ورأس قسم الاستخبارات العسكرية في داخل حزب البعث.
وأدى الانقلاب في شباط / فبراير 1963، الذي اشترك في إعداده رجال المخابرات الأمريكية الذين كانوا يعملون تحت سقف السفارة الأمريكية إلى الاستيلاء على السلطة وإعدام قاسم. وحل محله رسمياً بعد فترة قصيرة عبد السلام عارف. وتميز مجيئ البعثيين إلى السلطة بعد اغتيال عبد الكريم قاسم بمجازر دامية ضد الشيوعيين وقتل الآلاف من اعضاء الحزب والمتعاطفين معه. واصبحوا ضحايا للمجازر التي ارتكبها الحرس القومي الذي شكله المتآمرون. وكانوا يقتلونهم خلال اقتحام منازلهم أو في الشارع مباشرة. وقد اعدت المخابرات الامريكية بعناية قوائم بأسماء الشيوعيين وعناوينهم... ". ( التوكيد منا- الناصري)
والجدير بالذكر أن عبد الوهاب الأمين الملحق العسكري بالقاهرة يسرد لقائه مع أحد قيادي مجلس قيادة الثورة المصرية كونه معجب بثورة العراق، ويقول: "... عدت إلى العراق في 30 تشرين أول (في حين تؤكد مصادر أخرى في تشرين الثاني- الناصري) وقدمت تقريراً يحتوي النقاط التالية: ان الرئيس عبد الناصر بعد عودته من موسكو جمع مجلس قيادة الثورة وبحث ثورة العراق في 16 تموز(أي بعد عودته من موسكو) وفي نتيجة بحثهم لثورة العراق كان رأي عبد الناصر أن العراق قام بثورة لم تجاريها ثورة مصر في 23 يوليو ويعني ذلك أن قادة الثورة رجال أكفاء (يقصد العراقيين) وبامكانياتهم ونجاح ثورتهم بهذا الشكل الخاطف فالاحتمال أنه سيقوم العراق (لإمكانيته الكبيرة) ويقود الأمة العربية وتصبح مصر في الخلف، وإذا يجب تدمر الثورة العراقية بأي ثمن. وسألته كيف حصلت على هذه المعلومات وقد كان وصولك إلى مصر بعد أسبوع من الاجتماع الذي تقرر فيه تدمير الثورة العراقية، فأجاب: لقد حصلت على المعلومات من العميد فلان ... وقد أجتمعت به كثيراً، وقد كان معجباً بثورة العراق... (و) حدثت مناقشات كثيرة بيني وبينه ومتعددة حول الثورة العراقية والمصرية والأمة العربية فكان معجباً بالثورة العراقية جداً حتى ذكر لي قائلا: نحن لم نقم بثورة، إنما أدينا التحية للملك فاروق، والثورة الحقيقية هي ثورتكم... ".
ويعقب عبد الوهاب الأمين في مذكراته بالقول: "... وبالعودة إلى موضوع التقرير وتوتر العلاقات العراقية المصرية يقول الوالد: إن البعثيين والقوميين سخروا كل كتابتهم لتصفير الساحة المصرية، وتضليل الرأي العام من خلال اتهامي بافتعال الأزمة بين البدين، وهي اتهامات تجافي الحقيقية، فموقف جمال عبد الناصر من ثورة تموز معروف لدى الجميع، وكذلك الدور الذي لعبه الإعلام المصري في دعم انقلاب عبد الوهاب الشواف وحتى ما ذكرته الكتابات البعثية والقومية بشأن سفر العميد خليل إبراهيم حسين إلى مصر ولقائه بالضباط المصري الذي أخبرني بهذه المعلومات، تمثل أحد الأساليب التظليلية لتحريف الحقيقة، فأنا لم اطلع سوى الزعيم عبد الكريم قاسم على مصادر المعلومات، ولم أخبر خليل إبراهيم حسين باسم الضباط ولو فرضنا أني أخبرته بالأسم فمن اللاواقعية أن يعترف الضابط المصري بأنه قام بإعطاء تلك المعلومات إلى الملحق العسكري العراقي، لأن هذا سيؤدي به إلى الإعدام بتهمة الخيانة ... وبعد عودتي من مصر وتقديمي تقريرا مفصلاً عن الموقف المصري من الثورة وتحديد حجم الخطر ثم تعيني في دائرة الأركان العامة حتى صدور أمر تعيني وزيراً لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية... " .
وهكذا لعبت الجمهورية العربية المتحدة دوراً تخريبياً في العراق إذ "... شكلت حركة 14 تموز 1958 في العراق التي انهت النظام الملكي والوجود البريطاني فرصة مواتية للولايات المتحدة لملاء فراغ السلطة الذي خلفه البريطانيون, لكنها كانت تراقب بحذر ما يجري في العراق بعد آن تصاعد نفوذ الشيوعيين في السلطة في بغداد وبدءوا بالتقارب مع السوفيت الذين وقعوا مع الجمهورية العراقية اتفاقية صداقة عام 1959. ولهذا فان سياسة جمال عبد الناصر مع الامريكيين قد لعبت دور هام في الكثير من الاحداث التي شهدها العراق في تلك الفترة المضطربة والتي قادت في المحصلة الى اجهاض تلك التجربة واعدام عبد الكريم قاسم عام 1963 حيث اعترف قيادي بارز في حزب البعث هو علي صالح السعدي بأن الانقلابيين جاءوا على ظهر دبابة امريكية... ".
والشيء بالشيء يذكر، فقد "... اعترف صلاح نصر رئيس المخابرات الصرية الأسبق أنه وبأوامر مباشرة من عبد الناصر أسست غرفة عمليات سوداء خاصة بثورة 14 نموز ورسم الخطط الكفيلة بتعطيلها وتدميرها وقتل وهجها في المنطقة خوفاً من تحولها إلى بديل لثورة 23 تموز المصرية... ".
وبصورة عامة ومكثفة كان "... التدخل العربي والدولي، بما في ذلك دول حلف بغداد وضغط شركات النفط الإحتكارية والدول التي ترعاه، دورها البارز والمهم في إفشال التجربة الديمقراطية والحياة الحزبية في العراق... ". ويقول بطاطو بصدد الوضع في العراق في مطلع 1959: "... وانتشرت على نطاق واسع وشعرت أوساط الحلف المركزي (السنتو CENTO) بالقلق. وقرع القوميون في البلدان العربية المجاورة طبول الانذار بالخطر وفي واشنطن وصف آلن دالاس مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية الوضع بأنه أخطر ما في عالم اليوم... ".
وإستنادا إلى ابو ريش "... وفي عام 1961 قدم الأمريكان إلى عبد الناصر خطة لإسقاط قاسم بإنقلاب بعثي، وأبدى عبد الناصر موافقته على الخطة.(ومنذ عام 1961 وحتى الإطاحة بقاسم في شباط/ فبراير 1963 كان قسم العراق في المخابرات المصرية يتولى مهمة تسهيل الإتصالات بين وكالة المخابرات المركزية وعراقيون لجأوا إلى القاهرة. وعمل الأمريكان على زيادة هذه الاتصالات بإقامة صلات بين محطات الوكالة في بيروت ودمشق وضباط سابقين في الشرطة العراقية في زمن العهد الملكي وعناصر مسيحية لبنانية وسورية تنتمي إلى حزب البعث القومي العربي نفسه الذي يناصب قاسم العداء)... ".
في الوقت نفسه أصابت عدوى القلق قادة الدول الإقليمية الإسلامية في حلف بغداد، الذين عبروا عن ذلك في رسالتهم الموجه إلى الرئيس الأمريكي، يوم 16 تموز من كونهم "... يراقبون بدقة فيما إذا كان مبدأ أيزنهاور يعمل أو لا يعمل إزاء هذا الوضع، وحيث إن العمل الذي تم إتخاذه من قبل الولايات المتحدة للحفاظ على الإتحاد العربية وإستقلال لبنان ووحدته التي تعرض الآن إلى الخطر بسبب الأفعال الهدامة... فإن ذلك لا يعني فقط كونه مؤشراً حول تأكيد ضمان الدفاع عنا في حالة الضرورة، وإنما أيضاً يؤشر الإصرار على تحجيم وإضعاف الاتحاد السوفيتي وحليف مصر. لهذا السبب فأن تركيا وإيران والباكستان تجد من الضروري بعد القرار الحميد الذي اتخذته صديقتهم وحليفتهم الولايات المتحدة لضمان استقرار لبنان وسلامنته ووحدته، وأنه من المهم جداً بالنسبة لهم أن يشمل مبدأ آيزنهاور حماية الاتحاد العراقي– الأردني... إن تركيا وإيران والباكستان تدعو الولايات المتحدة إلى الاستمرار في اتخاذ كل ما هو ممكن بهذا الشأن وما يتطلبه الوضع ... ".
كل حكومات حلف بغداد تنكرت لثورة 14 تموز وقد اتفقوا "... على ضرورة التعاون الوثيق بينها. وسوف يبقى الميثاق قائما. وفيما يتعلق بالارتباط الأمريكي بالميثاق، فان ذلك القرار متروك للولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، كما اشار السيد ( دلص) في اجتماع انقرة لـــ (مجلس ميثاق يغداد)، فان الولايات المتحدة من الناحية العملية هي ضمن ميثاق بغداد. وقررت اقطار ميثاق بغداد دعم الاردن من جميع النواحي. واتخذت الحكومة التركية الاجراءات الضرورية على الحدود السورية منذ فترة من الزمن. واغلقت الحدود لبضعة ايام ثم اعادت فتحها. وبالرغم من أن الحدود ليست مغلقة الان، إلآ أنه (اتخذت التدابير الوقائية).
ووفقا لرأي الحكومة التركية ليس هناك شك في وجود حكومة عراقية جديدة. وان الملك حسين هو الآن رئيس الاتحاد العراقي- الاردني. وان الحكومة الشرعية هي الحكومة التي تحت إدارة الملك حسين. وكان السفير التركي ببغداد على اتصال بالسلطة الثورية في العراق. وقد أتصل بالسلطة الثورية العراقية بناءً على توجيهات صادرة من الحكومة التركية لبحث الوضع في الموصل وقضية الهجوم على المقبرة العسكرية التركية هناك. ونيابة عن الحكومة التركية، قدم السفير طلباً يتضمن ضرورة عدم تكرار مثل تلك الاعمال. وفي الوقت عينه، فأنه طالب بأن تتمتع سكرتارية ميثاق بغداد بحريتها في العمل. وليست هناك أية انباء فيما اذا كانت السلطة الثورية مسيطرة على الموقف خارج بغداد. وتوجد في العراق جالية تركية كبيرة، ومن الطبيعي ان تأمين حياة افراد هذه الجالية وممتلكاتهم يشكل اهتماما كبير بالنسبة للحكومة التركية... ".
وعلاوة على ذلك فقد شكلت سلطات العربية المتحدة التجمع القومي العراقي في القاهرة، والذي ضم "... ممثلين عن حزب الاستقلال وحزب البعث العربي الاشتراكي والرابطة القومية وحركة القوميين العرب والحزب العربي الاشنراكي والقوميين المستقليين وممثلين عن الجماعات الأخرى التي اكانت تتردد على المكتب ومنهم شباب الاخوان المسلمين مثل الدكتور حبيب السامرائي وعبد الكريم الشومة وحمد الكبيسي وجماعات الحزب الاسلامي وبعض الكرد منهم شوكت عقراوي...
وفضلا عن ذلك كان النجمع القومي يقوم بالدعاية ضد حكم عبد الكريم قاسم عن طريق محطات الاذاعة في الجمهورية العربية المتحدة في القاهرة ودمشق وكان المسؤول عن برامجها المخصصة إلأى العراق كل من عدنان الراوي ونعيم العزاوي، كما كان المكتب يقوم بإصدار ونشر الكتب الدعائية ضد النظام القائم والتي يتم أرسالها إلى العراق بالتعاون مع رجال الكمارك ومن ثم تشرها وتوزيعها عن طريق مكتبة المثتى في بغداد. واستمر المكتب القومي في العمل حتى ثورة 8 شباط 1973، حين أغلق بقرارا من رئاسىة الجمهورية العربية المتحدة بعد ثلاثة أشهار من الثورة بعد انتهى الغرض منه. وقدم كل من محمود الدرة ومحمود عزيز تقارير تفصيلية ومطولة عن الاحداث التي جرت في العراق قبل حركة الشواف وبعدها... ".
"... وفي 1 نيسان أيضاً قدم العراق احتجاجا بسسب ( شن حملة من الأكاذيب ضد العراق ) ونفى اتهامات الجمهورية العربية المتحدة بوقوع مظاهرات في بغداد والموصل والهتاف ضد الإسلام والقومية العربية ، وتمزيق القرآن الكريم ، واستباحة حرمة الناساء، والنداء بالاباحية والإلحاد، واعتبرتها إفتراءات بعد افتضاح تآمرها مع الشواف. ولكن الجمهورية العربية المتحدة رفضت استلام المذكرة الاحتجاجية بسبب لهجتها... ".

الهوامش
- يفغني بريماكوف، الشرق الأوسط: المعلوم والمخفي، ص.83، مصدر سابق.
2 - مستل من خليل إبراهيم حسين، موسوعة 14 تموز، ج. الأول، ص.234، مصدر سابق.
3-. على جاسم السواد، القائد المجهول لثورة 14 تموز1958، صص، 128-133، مصدر سابق.
4 - عزيز الدفاعي، العراق في الحقبة الأمريكية، ج. 1، الحوار المتمدن نشر في 10/10/ 2007.
5- شامل عبد القادر، الاغتيال بالدبابة، ص. 4، مصدر سابق.
6- د. كاظم حبيب، لمحات من تاريخ العراق، ص. 137، مصدر سابق.
7- حنا بطاطو، الطبقات الاجتاعية، ج. 3، ص.211.
8 - ويليام زيمان، التدخل السري، ص. 76، مصدر سابق. ويذكر أن ميل الولايات المتحدة الأمريكية إلى تمتين علاقاتها مع العربية المتحدة التي "... وجدت في السياسة المصرية المعادية لثورة 14 تموز وفي إتجاهها اليميني المعادي للشيوعية سبيلاً لضرب الثورة العراقية ووسيلة للإستحواذ على مناطق النفوذ البريطاني في البلاد العربية..." نجم محمود، المقايضة برلين– بغداد، ص. 47، مصدر سابق.
9 - د. مؤيد إبراهيم الونداوي، وثائق ثورة تموز، ص. 151، مصدر سابق.
10- خليل إبراهيم الزوبعي، العراق في الوثائق البريطانية، ج.1، ص. 146، مصدر سابق.
11 - تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، ج.4، ص. 130، مصدر سابق.
12- د.قحطان أحمد الحمداني، السياسية الخارجية، ص. 149، مصدر سابق.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي