المترجمون العرب ومتلازمة الأنحياز/ الجزء الاول

اشواق سلمان حسين
2021 / 9 / 20

االأمین یغیر أفكاره لتتناسب مع الحقيقة، والمخادع یغیر الحقيقة لتتلاءم مع افكاره
وللأسف ان نسبة غير قليلة من المترجمين العرب ينطبق عليهم الشطر الثاني من تلك المقولة لعدم توخيهم الأمانة وتزييفهم الحقائق حين تتناقض مع افكارهم ومعتقداتهم ، إذ نراهم في كثير من الاحيان يتحيزون لقومياتهم ، او يتعصبون لأديانهم ومعتقداتهم وافكارهم ، ونحن إذ نحترم حرية اللأعتقاد واعتناق الأفكار والأديان لكل شخص ، نكون في ذات الوقت مُلزمين بتوضيح ما يتم انتهاكه من قِبل البعض ، حين يتعلق الأمر بأنتهاك امانة فكرية وتغيير مفاهيم قد تكون جذرية لتلائم اهواء من وضعت تلك الافكار كأمانة بين يديه .
ولأن هذا الأمر كان ولا يزال يؤرقني، مع كل اختلاف اجده بين النسخة الأصلية لأحد المؤلفات ، وبين ترجمتها المغايرة للعربية ، وجدت ان اسلط الضوء على ما يقع فيه بعض المترجمين العرب ان لم اقل اغلبهم من الوقوع في الانحياز للقومية او الدين او الافكار التي يتبنوها.
وسأتناول وعلى جزئين سيتم نشرهما تباعاً كتابان من اهم الكتب هما :
لبرنارد لويس)The Muslim discovery of Europe . (اكتشاف المسلمين لاوروبا 1
لجان جاك روسو).Emile2.(كتاب إميل
وابدأ في هذا الجزء مع كتاب اكتشاف المسلمين لاوروبا والذي يترجمه د. ماهر عبد القادر محمد علي :
“Nor was the realm of Christendom-limit-ed to the Mediterranean land” . page 17
ومعنى النص : ( لم تقتصر المملكة المسيحية على اراضي البحر الابيض المتوسط ).
ترجمت في( ص 19 ) من النسخة العربية الى: ( لم تتجاوز الدولة المسيحية حدود اراضي البحر المتوسط ).
ومن المعروف ان معنى ( لم يقتصر) هو انه لم يكتفِ بهذا الحد بل تجاوزه ، اي ان معنى النص اعلاه باللغة الأنجليزية ، يكون بالعربية هو ان المملكة المسيحية كانت اراضيها تمتد الى اكثر من اراضي البحر المتوسط ، في حين ان المترجم جعلها ( لم تتجاوز) اراضي البحر المتوسط اي انها اقل من ذلك ، وهذا يتنافى مع يقصده المؤلف جغرافيا.

“Within a few decades of the death of Muhammad in 632 , his Arab followers had burst out of the Arabian Peninsula , attacked Byzantium and Persia , the two great empires that had divided the Middle East between them , and Western vast territories from both . the Empire Persia was conquered and absorbed in its entirety” .
ومعنى النص:
( في غضون بضعة عقود من وفاة محمد عام 632 اندفع اتباعه العرب من شبه الجزيرة العربية وهاجموا بيزنطة وبلاد فارس وهما الامبراطوريتان العظيمتان اللتان قسمتا الشرق الاوسط بينهما وانتزعتا اقاليم شاسعة من كليهما . وتم احتلال الامبراطورية الفارسية واستيعابها بالكامل ).
ترجمت في( ص 19 و 20 ) من النسخة العربية الى:
( بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) سنة 632 بسنوات قلائل اندفع المسلمون خارج شبه الجزيرة العربية وقاموا بفتح الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية وضموا مساحات شاسعة من الامبراطوريتين فكانت الهزيمة من نصيب الامبراطورية الفارسية التي ضمت بأسرها للأسلام ).
وهنا استغرب لماذا يضع المترجم على لسان المؤلف قول ( صلى الله عليه وسلم ) في حين ان المؤلف ليس مسلماً ولن يستخدم تلك العبارات ، فلماذا يضعها المترجم ويفرضها على القراء معتبراً ان كل من يتناول الكتاب من العرب هو مسلم ، في حين ان احدى واجبات المترجم هو التزام الحيادية والموضوعية بعيداً عن مفاهيمه الدينية ، واضعاً نصب عينيه مراعاة جميع الثقافات.
ثم ان المترجم وفي نفس النص اعلاه استبدل كلمة هاجموا التي وضعها المؤلف الى ( وقاموا بفتح ) ، كذلك حذف عبارة (العظيمتان اللتان قسمتا الشرق الاوسط بينهما وانتزعتا اقاليم شاسعة من كليهما) ، وربما هنا اخذت المترجم المكابرة في ان يصف تلك الامبراطوريتين بالعظيمة كما وصفها المؤلف ، لتكون العظمة بالتالي من نصيب دولة الأسلام فقط.

في( ص 22 ) من النسخة العربية ذكر المترجم اسم (عبيدة ) واغفل ما كتبه المؤلف بأن عبيدة هو حاكم شمال افريقيا حيث ذكر المؤلف في النسخة الانكليزية :
"Ubayda (the governor of North Africa)".


"Abd al _Rahman was a worthy man"
ومعنى النص ( كان عبد الرحمن رجلا جديرا ) ، ترجمت الى :(كان عبد الرحمن رجلا صالحاً)
ولا اعرف ما الذي جعل المؤلف متيقن ان ذلك الرجل هو رجل صالح فليس بالضرورة ان يكون كل رجل جدير بوظيفة ما هو رجلُ صالح.

“It has in contrast a great deal to say about the contemporaneous Arab attempts to conquer Constantinople”.
ومعنى النص : ( في المقابل ، هناك الكثير ليقوله عن المحاولات العربية المعاصرة لغزو القسطنطينية )
ترجمت الى : ( فانه في مقابل هذا كان يوجد ما يمكن قوله عن محاولات المعاصرين لفتح القسطنطينية ).
وهنا استبدل المترجم كلمة conquer) ( ومعناها غزو الى كلمة محاولات وشتان ما بين الكلمتين في المعنى وكذلك اغفل المترجم كلمة العرب واكتفى بذكر المعاصرين.

كلمةassaults) (ومعناها اعتداءات ترجمت الى : ( محاولات ) في ( ص 23 )
في ( ص 24 ) من النسخة العربية وضع المترجم هامشا يعترض فيه على مصطلح استخدمه المؤلف وهو( Holy War ( ، ويقول المترجم : "من الافضل استخدام كلمة جهاد بدلا من الحرب المقدسة فالاسلام لا يشن الحرب ولكن يعلن الجهاد".
اظن ان المترجم فضل كلمة ( جهاد ) لأن الفرق بين الكلمتين في المفهوم الأسلامي هو ان معنى ( الجهاد ) هو بذل الطاقة واحتمال المشقة والمكابدة والصبر بينما مفهوم (الحرب) هو نقيض السلم وتعني السلب والنهب والغصب والقتل والفساد. وبالطبع فأن المترجم لانحيازه للإسلام فهو لن يستخدم ما يسئ لدينه حتى وان كان على حساب تغيير فكرة المؤلف ومقاصده.

في ( ص 20 ) من النسخة الانجليزية يقول المؤلف:
“Their interest in the Holy War was perfunctory , their concern with their western borders minimal”.
ومعنى النص : ( كان اهتمامهم بالحرب المقدسة سطحيا وكان اهتمامهم بحدودهم الغربية ضئيلا).
ويعترض المترجم على قول المؤلف اعلاه ويقول في الهامش:
"هذا غير صحيح لان الدولة العباسية شهدت فتوحات كثيرة ولكن كان الاهتمام بالجزء الاسيوي من العالم اكثر من الجزء الاوروبي "
وهنا اسمحوا لي ان ارد على الالتباس الذي وقع فيه المترجم الدكتور ماهر عبد القادر محمد علي ، باقتباس من كتاب ( الدولة العباسية ، من التخلي عن سياسات الفتح الى السقوط) الذي يوضح خطأ المترجم في معلومته تلك ، وهذا الكتاب يشترك في تأليفه نخبة من الباحثيين هم:
(احمد عبد الونيس شتا ، سيف الدين عبد الفتاح اسماعيل ، عبد العزيز صقر، علا عبد العزيز ابو زيد ، مصطفى محمود منجود ، نادية محمود مصطفى ، نصر محمد عارف ، ودودة عبد الرحمن بدران).
يقول الاقتباس في ( ص 58 ) من الكتاب اعلاه:
"وإذا كان الصراع على المحور الغربي قد أتخذ شكل المد الفتحى على خلاف ما كان عليه الحال في المحور الشرقي ، إلا أن حركة الفتح هناك لايمكن مقارنتها لامن حيث الدرجة ولا الاستمرارية بحركة الفتوحات الكبرى في عصر دولة الخلافة الأموية . والواقع أن سببا رئيسيا للحد من قدرة المغرب الاسلامي على قيادة حركة فتوح كبرى مثل التي قادتها دولة الخلافة الأموية رغم رغبته واستعداده هو الأنقسام الذي أصاب دولة الإسلام بعد ست . سنوات فقط من زوال دولة الخلافة الأموية وقيام دولة الخلافة العباسية مكانها حيث قامت الدولة الأموية في الأندلس وأتخذت قرطبة عاصمة لها ودخلت في علاقات صراع وعداء وخوف وشك وتوجس مع الدولة العباسية في المشرق وعاصمتها بغداد فأضحى كل منهما أقرب إلى طرف غير مسلم عنه إلى الطرف الإسلامي الآخر ، ولقد أثر هذا بلا شك على قدرة الطرف الإسلامي الراغب في الفتح على تحقيق أنجازات ضخمة في هذا المجال لانشغاله بعلاقاته الصراعية مع الطرف الإسلامي الآخر . وبالفتن الداخلية التي كانت في كثير من الأحيان انعكاساً لهذا الانقسام في دولة الإسلام وكذا لاضطراره الدخول في علاقات تحالف مع أطراف غير اسلامية أثرت بالضرورة على مصداقية دعاواه للجهاد من جانب وكبلت قدرته على التوسع في أملاك الطرف غير الاسلامي الحليف من جانب آخر."

“But before long their attention was deflected from the holy war against the infidel to pressing internal problems” .
ومعنى النص : ( سرعان ما تحول انتباههم من الحرب المقدسة ضد الكافر الى المشاكل الداخلية الملحة) .
ترجمت في ( ص 25 ) من النسخة العربية الى :
(لكن بعد قليل من الوقت تحول اهتمام المسلمين من الحرب المقدسة ضد الوثنية الى مشكلات خارجية ملحة.)
ولا اعرف هنا لماذا اتى المترجم بكلمة معاكسة تماما حيث يتغير المعنى جذريا اذ كيف تتحول المشاكل الداخلية التي قصدها المؤلف الى مشاكل خارجية ؟!!!

“The lack even of correct information is shown by an Iraqi poet of the time , who lamenting the fall of Jerusalem and the failure of the Muslims to rally to its defense…..”
ومعنى النص : ( إن عدم وجود معلومات صحيحة يظهره شاعر عراقي في ذلك الوقت ، وهو يأسف لسقوط القدس ونيل المسلمين للدفاع عنها).
ترجم المترجم كلمة(lamenting) ومعناها (يأسف او يندب ) في (ص 29 ) من النسخة العربية الى كلمة (يصف ) وهذا ما يتجه بقصد المؤلف الى منحى اخر .

“For over two hundred years Franks and Muslims were on close and daily contact with one another in Syria and Palestine , often in battle but often , also in trade and diplomacy and even in alliance.”
ومعنى النص : (لأكثر من مائتي عام كان الفرنجة والمسلمون على اتصال وثيق ويومي مع بعضهم البعض في سوريا وفلسطين ، غالبًا في المعركة ولكن في كثير من الأحيان أيضًا في التجارة والدبلوماسية وحتى في التحالف).
بينما نجد المترجم يترجمها بالشكل التالي:
وكان هذا الاتصال لا يتم غالبا في اثناء المعركة بل غالبا كان يتم من خلال التجارة والدبلوماسية والاحلاف.
فكيف ينفي المترجم ان الاتصال بين الفرنجة والمسلمين لم يتم خلال المعركة في حين ان المؤلف ذكر ان الاتصال بينهما يتم من خلالها ؟!!!

“In the late eleventh and twelfth centuries, the Seljuk Turks transformed Anatolia by conquest and settlement into Turkish and Muslim land that later become the launching pad for a second and far more dangerous Islamic invasion of Europe”.
ومعنى النص : ( في أواخر القرنين الحادي عشر والثاني عشر ، حول السلاجقة الأتراك الأناضول عن طريق الغزو والاستيطان الى أراضي تركية و اسلامية أصبحت فيما بعد منصة انطلاق لغزو إسلامي ثانٍ اكثر خطورة لأوروبا).
يترجم المترجم هذا النص في (ص 33 ) من النسخة العربية الى:
) في اواخر القرن الحادي عشر حول الاتراك السلاجقة الاناضول عن طريق الفتح والاستقرار ، الى ارض تركية ومسلمة ، تلك الاراضي التي اصبحت في ما بعد الطريق لانطلاق ثاني فتح اسلامي مهم لاوروبا).
نجد المترجم قد حذف القرن ( الثاني عشر) من النص ، ثم انه كتب في هامش له في نهاية ( ص 33 ) يقول فيه:
"لاحظ ان الترجمة الحرفية لعبارة المؤلف (غزوة اسلامية خطيرة لاوروبا) وقد رايت ان تكون كما وضعناها في النص المترجم حتى تتسق مع المفهوم الاسلامي ".
وهنا استغرب لماذا يصر المترجم على تحويل نظرة المؤلف ورؤيته وفكره الى نظرة ورؤية ومفهوم اسلامي , وكيف اعطى لنفسه الحق في حذف افكار المؤلف الاصلية واستبدالها بافكاره هو!!!

في( ص 34 ) يترجم المترجم كلمة ( Mesopotamia ) التي تعني ( بلاد الرافدين او بلاد ما بين النهرين ) ، الى (ماوراء النهرين) ، ولا اعرف اي بلاد يقصد المترجم فليس هناك بلاد تسمى ( بلاد ما وراء النهرين ) لكن هناك بلاد تسمى ( ما وراء النهر ) وهي اراضي تشمل جمهورية اوزبكستان وطاجيكستان والجزء الجنوبي الغربي من كازاخستان وجنوب قيزغستان ، وجغرافيا هي المنطقة التي بين نهري جيحون في الجنوب وسيمون في الشمال ، وتعرف ارضي ما وراء النهر ب (Transoxiana) ترانسوكسيانا وهي ترجمة لاتينية للاسم اليوناني القديم ( وراء نهر اوكسوس).

“And conquered the greater part of what is now Russia” .page 27.
ومعنى النص : ( وغزا الجزء الاكبر مما يعرف الان بروسيا).
قام المترجم بحذف عبارة ( مما يعرف الان بروسيا ) واكتفى بالقول : ( وفتحوا الجزء الاكبر من روسيا ) وهنا اعطى المترجم اسم ( روسيا ) مباشرة على المنطقة ، مع ان المؤلف كان يتعمد صياغتها ب ( ما يعرف الان بروسيا ) كي يوضح للقارئ ان روسيا لم تكن تعرف بهذا الاسم من قبل.
لم تكن تلك الفروقات التي نوهت عنها في الترجمة هي فقط ما وجدته فللأسف هناك الكثير ، لكني اكتفيت بهذا القدر الذي يخدم الموضوع.

للمقال جزء ثاني مع كتاب ( إميل Emile) لجان جاك روسو.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي