كتاب لينين -المادية ومذهب النقد التجريبي- ونظرية المعرفة المُعاصرة

مالك ابوعليا
2021 / 9 / 20

كاتب المقالة: فلاديسلاف الكساندروفيتش ليكتورسكي*

ترجمة: مالك أبوعليا

في ذكرى عمل لينين العبقري، يجب أن نفهم أهمية هذا الكتاب للفلسفة الماركسية ككل، ولا سيما للنظرية المادية للمعرفة بشكلٍ واضح. بالانتقال الى تاريخ الفكر الماركسي اللينيني في القرن العشرين، فاننا نفهم تماماً الدور الهائل الذي لعبه كُلٌ من دفاع لينين عن الافتراضات الرئيسية للمادية الدياليكتيكية ضد التحريفيين والأعداء الصريحين للماركسية، وتطويره الابداعي للأسس الرئيسية للنظرية الماركسية، وهي الأُسس التي حددت، في التحليل النهائي، طريقة استعراض وحل المشاكل الأُخرى في الماركسية، ليس فقط تلك ذات الطبيعة النظرية ولكن أيضاً ذات الطبيعة السياسية العملية كذلك. تكتسب العديد من المسائل المطروحة في أعمال لينين العبقرية أهمية خاصة للفلسفة الماركسية اللينينية وتحديداً في المرحلة الحالية من تطور العلم وفي ظل ظروف الصراع الايديولوجي الحالية. في هذا المقال سوف نتعامل مع أهمية كتاب "المادية ومذهب النقد التجريبي" لتفسير بعض المشاكل المُلحة للنظرية الماركسية اللينينية عن المعرفة.

نظرية الانعكاس ونظرية المعرفة والنظرية الدياليكتيكية
في معالجته المسائل النظرية الماركسية للمعرفة كنظرية الانعكاس، أكّد لينين أن الانعكاس هو السمة الأساسية والحاسمة لكل ادراك. من المناسب تماماً الاشارة الى مساهمة لينين في تطوير نظرية المعرفة كنظرية لينينية عن الانعكاس.
ما هي العلاقة بين نظرية الانعكاس والابستمولوجيا؟ بالطبع، بالدرجة التي تكون فيها هذه المناقشة متعلقة بالبحث الفلسفي لعمليات الانعكاس على مستوى ما قبل ادراكي في الطبيعة الحية وغير الحية (وقد قام فلاسفتنا بعملٍ جيد في مجال الاستفادة من بيانات السبيرنتيك ونظرية المعلومات وعلم الأحياء والعلوم الخاصة الأُخرى، على أساس فهم لينين للانعكاس كخاصية شمولية للمادة ككل)، أثبتت نظرية الانعكاس أنها أوسع الى حدٍ ما من الابستمولوجيا بالمعنى الدقيق للكلمة. لكن الأهم من ذلك، هو التأكيد على شيء آخر: نظرية الانعكاس هي ليست فرعاً خاصاً من المادية الدياليكتيكية توازي نظرية المعرفة. ان مسائل الانعكاس، في نظرية المعرفة، هي ليست "جزء" (حتى وليس جزءاً أساسياً) من مسائلها (مسائل نظرية المعرفة). ان نظرية المعرفة المادية الدياليكتيكية، هي من بدايتها وحتى نهايتها، هي نظرية انعكاس، بمعنى آخر، انها بحث في الخصائص الأساسية لعملية الانعكاس بالشكل الذي تحدث فيه على المستوى الادراكي، وهو المستوى الذي يُميز الذات الانسانية.
بالطبع، تحتل دراسة أشكال وأساليب الانعكاس المُختلفة والأفعال الادراكية والذاتية وأنظمة التوسطات المُعقدة لعلاقة المعرفة بالموضوع الفعلي، تحتل، مكاناً رئيسياً في نظرية المعرفة. لكن الانعكاس ليس أحد خصائص المعرفة والادراك الذي يوجد جنباً الى جنب مع الخصائص الأُخرى: ان فهم الادراك باعتباره انعكاساً هو بالضبط الذي يوفّر مفتاح تفسير جوهره. ولكن، اذا اعتبر المرء، وفقاً لأطروحة لينين الأساسية، التي تم تطويرها لاحقاً في الدفاتر الفلسفية (والمُتضمنة مُسبقاً في كتاب المادية ومذهب النقد)، أن نظرية المعرفة الماركسية تتطابق مع الدياليكتيك والمنطق وأن "الدياليكتيك هو نظرية (هيغل) ونظرية الماركسية في المعرفة..."(1)، فانه سيظهر استنتاج بأن نظرية المادية الدياليكتيكية والمنطق الماركسي يستندان الى نظرية الانعكاس اللينينية.
وفي واقع الأمر، من المستحيل تحديد السمات الفعلية لعملية الانعكاس على المستوى البشري دون دراسة الدياليكتيك الحقيقي للعملية الادراكية وبدون دراسة وظائف مقولات الدياليكتيك المادي في عملية تحصيل المعارف الجديدة.
هناك رأي مفاده أن لينين قد عالج مسائل المادية الفلسفية الماركسية ونظرية الانعكاس في كتاب (المادية ومذهب النقد التجريبي)، بينما في (الدفاتر الفلسفية) طوّرَ نظرية الدياليكتيك المادي. ان أي فكرة من هذا القبيل غير دقيقة بالمرة. بالطبع، كان هناك تغيرات في تأكيدات لينين في معالجة الموضوع الفلسفي حسب التغيرات في الوضع التاريخي، لكن فكره الفلسفي صار أكثر عُمقاً وتطوراً. ولكن، كان فكره يتسم بالوحدة والاستمرارية في سياق هذا التطور. تم التعامل مع مسائل نظرية المعرفة كنظرية انعكاس في كتاب (المادية ومذهب النقد التجريبي) من المواقع الدياليكتيكية كمسائل مُرتبطة بالتطور الدياليكتيكي للمعرفة، والانتقال من الجهل الى المعرفة. لذلك، فان بحث لينين في (الدفاتر الفلسفية) حول دياليكتيك المقولات كان بمثابة اثراء وتطوير اضافي لنظرية الانعكاس.
وتجب الاشارة الى انه على الرغم من أهمية وضرورة اجراء مزيد من الدراسة لعمليات الانعكاس في الطبيعة غير الحية والحية، فان تطوير مسائل نظرية الانعكاس اللينينية على مستوى ما قبل الانسان يرتبط اليوم في المقام الأول بدراسة السمات الخاصة بالانسان، أي الانعكاس الادراكي. تبيّنَ أن هذا الأمر معقد كثيراً. يفترض النجاح في حل هذه المسألة تحليل الدياليكتيك الحقيقي للادراك، أي تطوير نظرية الدياليكتيك المادي والمنطق الدياليكتيكي ومنهجية الادراك العلمي. في المُقابل، لا يُمكن البحث في مسائل نظرية الدياليكتيك والمنطق الدياليكتيكي الا على أساس مبدأ الانعكاس المادي الدياليكتيكي.

دياليكتيك الحقيقة المُطلقة والنسبية ومسألة "الوضع الأنطولوجي للكيانات النظرية
ان نظرية دياليكتيك الحقيقة النسبية والمُطلقة التي طوّرها لينين، في ظل الظروف المُعاصرة، لهيَ نظرية راهنة بشكلٍ خاص. تلعب أفكار لينين الأساسية حول هذه المسألة دوراً مُهماً في حل مجموعة كاملة من المسائل التي لا تتعلق فقط بالمُتخصصين في نظرية المعرفة ومنهجية العلم، ولكنها تُدرَس بشكلٍ مُكثّف في الأدبيات الفلسفية وتاريخ العلم. في هذا الصدد، من المُهم أن نُلاحظ أن مُشكلة الحقيقة تكشف اليوم، الى حدٍ أكبرَ من أي وقتٍ مضى، عن طابعها العميق من حيث النظرة الى العالم وتُظهِر الصلة المُباشرة مع الحلول المُختلفة للمسائل التي نوقِشَت بشكلٍ مُكثّف حول مكانة الادراك بشكلٍ عام، والادراك العلمي والنظري بشكلٍ خاص ضمن نظام الثقافة وطبيعة وآفاق تطور العلوم والثورة العلمية التكنيكية.
طوّرَ لينين النظرية المادية الدياليكتيكية عن الحقيقة، وطوّرَ فهم الحقيقة على أنها انعكاس للحالة الواقعية الموضوعية للأشياء مُستقلةً عن الانسان والبشرية، وفي الوقت نفسه كعملية دياليكتيكية بشكلٍ لا ينفَصِم مع نقد الماخية الروسية والأجنبية. أنكرت هذه الأخيرة، كما نعلم، المعنى الحقيقي الموضوعي للبُنى النظرية مُعتبرةً كُل البناء الفوقي النظرية في العلم مُجرّد طريقة مُلائمة لوصف "البيانات الحسية" ("عناصر العالم" حسب كلمات ماخ). في الأساس، التزمت الوضعية المنطقية بنفس الموقف الأساسي في الابستمولوجيا، مع بعض التعديلات، وهي قد حلّت محل الفكر الماخي وسادت في "فلسفة العلم" الغربية حتى وقتٍ قريب. من وجهة النظر هذه، لا معنى للحديث عن صدق (أو زيف) البُنى النظرية ووجود مرجعيات "أشياء" حقيقية تُقابل المُصطلحات النظرية. لقد أخضَعَ لينين هذا المفهوم الفلسفي الذاتي للنقد مُواجهاً به موقف المادية الدياليكتيكية.
ومع ذلك، يجب أن نُلاحظ أن الماخيين والوضعيين المنطقيين شددوا على الحاجة الى أن تتوافق البُنى النظرية مع "الواقع التجريبي"، على الرغم من أنهم فهموا هذا الأخير بروحٍ مثالية ذاتية (يُمكن للمرء أن يقول أن نظرية "العناصر" الماخية كانت نوعاً غريباً من الأنطولوجيا والتي يرتبط بها مفهوم الواقعيون الجُدد Neorealist عن "البيانات الحسية" الذي تمت صياغته لاحقاً). المدارس ما بعد الوضعية المُتنوعة في "فلسفة العلم" الغربية، والتي حلّت محل الوضعية المنطقية، والتي تنتقد بشكلٍ مُحق الوضعية المنطقية بسبب تجريبيتها الضيقة، والتي تُلاحظ وجود "ثِقَل نظري كبير" للأفكار التجريبية في العلم المُعاصر، تتميز في نفس الوقت بكثافة هائلة من الأفكار النسبوية في نظرية المعرفة. مؤكدين على وجود "الانقطاعات" في تطور المعرفة النظرية ومُلاحظين أهمية دور الثورات العلمية في تاريخ العلوم الطبيعية، يعتبر مثل هؤلاء المُمثلين لفلسفة ما بعد الوضعية الحديثة، على سبيل المثال توماس كون وبول فايراباند Paul Feyerabend، أن مُشكلة الحقيقة الموضوعية لا معنى لها بشكلٍ عام لأنها تنطبق على المعرفة العلمية وتُنكر وجود استمرارية نظرية مُعنية في العلم(2). تنتشر في هذه الدوائر، الأفكار المُتعلقة باعتمادية فهم مُعيّن لصحة التأكيدات العلمية عن طابع "الباراديم" العلمي او حتى عن الوضع الثقافي التاريخي الأوسع، وهي موضة واسعة الى حدٍ كبير، ولكن لا تنتشر على أي حال، الأفكار عن الحالة الموضوعية الحقيقية للأشياء(3). بالاضافة الى ذلك، فان الأفكار النسبوية من هذا النوع تُمارس تأثيراً على مجموعة واسعة من المُتخصصين في العلوم الخاصة.
في ظل هذه الظروف، يُساعد اللجوء الى أفكار (المادية ومذهب النقد التجريبي)، على وضع مسألة الدياليكتيك المُعقّد للعوامل النسبية والمُطلَقة في المنظور الصحيح الوحيد ويوفّر وسائل نظرية للكشف عن عُقم النسبوية الفلسفية. كَتَبَ لينين أن "الحقائق نسبية وهي انعكاسات صادقة نسبياً للموضوع المُستقل عن البشرية، وأن هذه الانعكاسات تُصبح صادقة أكثر فأكثر، وأن لكل دقيقة علمية، بالرغم من نسبيتها، عنصر الحقيقة المُطلقة"(4). في الوقت نفسه، أكّد لينين أن "حدود حقيقة كل موضوعة علمية هي حدود نسبية لأنها تتسع تارةً وتضيق طوراً من جراء نمو المعرفة اللاحق"(5)
يجب التأكيد على أن فهم لينين للحقيقة كعملية يتضمن الاعتراف بالاستمرارية في تطور المعرفة ووجود اعادة بناء ثورية في سياق هذه العملية، وليس له أي شيء مُشتَرَك مع النزعة التراكمية ثُنائية البُعد. (لهذا السبب، على سبيل المثال، فان الفكرة القائلة بأنه، في سياق تطور المعرفة العلمية يُمكن اختزال نظرية ما الى نظرية أُخرى عن طريق المنطق، لا تنبع على الاطلاق من الفهم اللينيني لدياليكتيك الحقيقة باعتبارها عملية).
ان كل نظام معرفي تم التحقق منه من خلال التجربة الاجتماعية وبعد اثبات قيمته الموضوعية، يعكس حالةً واقعية موضوعية مُعينة للأشياء، على الرغم من أن هذا الانعكاس تقريبي دائماً وله حدوده. ما تم ذكره، يتعلق بكلٍ من المعرفة النظرية العلمية وأشكال مُختلفة من المعرفة العامة. في هذا الصد، دعونا نتوقف قليلاً لننظر في مسألة تكتسب الآن أهميةً خاصةً في دراسات نظرية المعرفة ومنهجية العلم. نُشير هُنا الى مسألة "الوضعية الأنطولوجية" لمواضيع النظرية العلمية. هناك وجهة نظر تنتشر على نطاق واسع اليوم في الفلسفة الغربية، وفقاً لها انه يجب اعتبار واقعاً موضوعياً فقط تلك الأشياء التي تتحدد على المستوى ما قبل النظري، أي عن طريق الادراك العادي في مصطلحات اللغة اليومية. (وبذلك، فان هذا المفهوم يدحض الذاتية الواضحة للماخيين والوضعيين المنطقيين). فيما يتعلق بالكيانات النظرية، فانها تُعتَبَر دائماً بحد ذاتها كأمثَلة Idealizations- بقدر ما أن المعرفة حولها تتم عن طريق سلسلة من عمليات الأمثَلة-، أي انه ليس لهذه الكيانات النظرية المؤمثلة أي مرجعية في الواقع الفعلي، ولكنها تتخذ، ان جاز التعبير، وجوداً "بين نظرياً-أي داخل النظرية" intratheoretical.
ولكن، دعونا نوجه الانتباه الى حقيقة أنه في العلم فعلاً، لا يحدث تطابق بين المواضيع النظرية والأشياء المؤمثَلة. بطبيعة الحال، فان صياغة قانون في اطار نظرية علمية تفترض تنفيذ اجرائات الأمثَلة، أي انه يتم قبول عدد من الافتراضات التي لا تتوافق مع ما يُمكن ملاحظته بشكلٍ مُباشرٍ في الممارسة التجريبية، ولكنها، مع ذلك، تُساعد على فهم القانون في "شكله النقي". لا شك أيضاً أنه، في اطار النظرية، غالباً ما يكون من الضروري بناء ما يُسمى بالمواضيع المؤمثَلة (نقطة مادية، جسم صلب مثالي، سائل غير قابل للضغط، الخ) والتي لا يوجد أي مرجع واقعي يتوافق معها فعلاً، والتي تتحدد الحاجة النظرية اليها من خلال دورها في التعرف على علاقات موضوعية مُعينة في "شكلها النقي". في الوقت ذاته، على الأقل يعتبر العلم بعض الأمور المعروفة على مستوىً نظري، على أنها موجودة في الواقع الموضوعي: الجُزيئات، الذرات، لالكترونات، البوزيترونات، الأحداث في الزمكان رُباعي الأبعاد، الحقل، الخ. لم يكن من دون سبب أن لينين وجّه الانتباه في نقاشه ضد الماخيين الى حقيقة أن الذرة والالكترون موجودان في الواقع الموضوعي. النقطة المُهمة هي أن التمايز الذاتي للأشياء المؤمثلة عن الأشياء غير المؤمثَلة، أي الأشياء الحقيقية، هو شيء مُمكن وله معنى فقط في اطار معرفة المواضيع الفعلية وخصائصها الحقيقية.
لا يتم اكتساب مثل هذه المعرفة فقط بطريقة غير نظرية (على سبيل المثال، بمساعدة الادراك العادي). تُقدّم النظرية العلمية في حد ذاتها مفاهيم حول الأشياء التي لها وجود حقيقي والتي قد لا تتطابق مع الضرورة مع الأشياء التي تتحدد في الممارسة غير العلمية، أو التي قد تكون غير قابلة للرصد (فعلياً او نظرياً). يجب التأكيد على أن الفرضية القائلة بوجود عدد من الكيانات الحقيقية التي لا توجد معرفة عنها الا على المستوى النظري (مع تطور النظرية وزيادة درجة تأكيده، تتحول هذه المعرفة تدريجياً من مُجرّد فرضية الى انعكاس حقيقي للواقع بهذه الدقة أو تلك)، عادةً ما تكون مرتبطة بشكلٍ مُباشر بتشكّل ما يُسمى "لُب" برنامج البحث، والذي على أساسه تتطور سلسلة لاحقة من النظريات العلمية. يُحد هذا الى حدٍ كبير الامكانات الكشفية للبرنامج البحثي المعني. يتم انشاء الكيانات النظرية المؤمثَلة فقط بالعلاقة مع الكيانات الحقيقية، أي أنها تُقدّم نفسها في شكل أشياء تفتقر الأشياء الحقيقية الى الكثير من خصائصها، أو على العكس من ذلك، الى أشياء يستحيل على الأشياء الحقيقية أن تحوز عليها.
يترتب على ما سبق، من بين أمورٍ كثيرة، أن الكيانات المؤمثلة قد تكون مؤمثلة من الأشياء الحقيقية المُنعكسة على المستوى غير النظري او غير العلمي (كقاعدة، يتم تفسير النماذج الأولية للأشياء المؤمثلة بهذه الطريقة بالضبط) ولكن أيضاً من الأشياء الواقعية التي لا يُمكن الحصول على المعرفة عنها الا بالوسائل النظرية. في الوقت نفسه، من المهم التأكيد على أنه من المُمكن أيضاً وجود وضع يُمكن بأن يتم الافتراض فيه وجود أشياء مُعينة في الواقع في مرحلة مُعينة من تطور العلم، يُمكن أن يتبيّن، مع عملية تغيّر المفاهيم العلمية، انها خيالية تماماً (المصير الذي حل بالكيان النظري المُسمى بـ"الأثير" في الفيزياء الكلاسيكية، على سبيل المثال)، أو أن يتم نقله الى منزلة الأشياء المؤمثلة (ذرات العلوم الكلاسيكية، المُتعلقة بالذرات الحقيقية التي تتعامل معها الفيزياء المُعاصرة، على سبيل المثال).
ليس من الصعب أن نرى أن تلك العملية تُعبّر عن دياليكتيك الحقيقة الموضوعية النسبية والمُطلقة(6). وبالتالي فان وظيفة النظرية العلمية لا تكمن فقط في كونها مُجرّد وضع مُخطط ورسم بياني "اقتصادي" لبيانات التجربة الحسية، كما يدّعي الأداتيون، ولكن في كونها تعكس جُزءاً مُعيناً من الواقع الموضوعي بهذا الشكل أو ذاك.
في ضوء فهم لينين للحقيقة كعملية انعكاس دياليكتيكية، دعونا نتوقف أيضاً لنتأمل بعض فرضيات ما يُسمى بـ"الواقعية العلمية" (ويلفريد سيلارز Wilfrid Sellars وآخرين)(7)، والمؤثرة حالياً في الفلسفة الانجلوأمريكية. يتخذ مؤيدو هذا التيار كنقطة انطلاق، الفكرة الصحيحة (والمادية بشكلٍ أساسي) القائلة بأن تعاليم العلوم النظرية الحديثة-الفيزياء قبل كل شيء- حول بُنية المادة وحول جسيمات مادية حقيقية (ذرات، الكترونات، الخ) يُمثلب الحقيقة التي تُقابل الحالة الواقعية الموضوعية للأشياء(8). ولكن ينهض السؤال التالي في هذا الصدد: ما هي الحالة الأنطولوجية لأشياء الادراك الحسي الشائع؟ بالنسبة لأشياء التجربة اليومية التي نعتبرها ذات وجود حقيقي موضوعي (الجداول، الأشجال، الجبال وحتى الأدوات العلمية نفسها)، فانها في الواقع، تبدو أنها مجموعة مُحددة فقط من عدد قليل من الجسيمات المادية (الذرات، لخ). هذا يعني، أن دُعاة "الواقعية العلمية" يستنتجون، أن موضوعات التجربة اليومية لا توجد في الواقع، ولكنها أشياء ذاتية من النوع الكانطي يقبع خلفها "العالم الحقيقي"، وهي مع ذلك، ليست تلك "الأشياء بذاتها" التي تحدث عنها كانط والتي لا يُمكن معرفتها، بل يُمكن معرفتها تماماً من خلال أدوات العلم الحديث(9). هذا هو التطرف الآخر الذي يتحدد بالفهم الميتافيزيقي للعلاقة بين المعرفة وموضوعها.
في الواقع، كما ينبع من فهم لينين لدياليكتيك الحقيقة النسبية والمُطلقة، من الضروري التحدث ليس فقط عن سيرورة التفكير التي تجري على عدة مستويات (تصير المعرفة أعمق من الظاهرة الى الجوهر، من الجوهر الأول الى الجوهر من الدرجة الثانية، الخ)، ولكن أيضاً عن تعدد مستويات الواقع الموضوعي نفسه.
هناك طاولة ومجموعة من الذرات التي تتكون منها موجودة في الواقع الموضوعي، ولكن، في مستويات متعددة من الواقع، ان جاز التعبير، توجد بيينها (بين مكوناتها) علاقا مؤكدة، ليست دائماً بسيطة. من هذا، من بين أمورٍ أُخرى، هناك امكانية لوجود معرفة على مستويات مُختلفة (المعرفة التجريبية،على وجه الخصوص، والتي تسمح، في شكل المرصد العلمي، بتحديد ليس فقط الأشياء في الممارسة اليومية، بل وأيضاً الأشياء التي لا يُمكن تحديدها الا في الفكر العلمي) وعدد من المسائل الأُخرى التي لا تزال تتطلب معالجة مُفصّلة من وجهة نظر المادية الدياليكتيكية.

نظرية لينين في الانعكاس والبحث في طبيعة الادراك الاجتماعية-التاريخية.
لقد قام فلاسفتنا بقدرٍ كبيرٍ من العمل المُثمر في دراسة مسائل نظرية الانعكاس، مُستندين الى مُنجزات العلوم المُتخصصة مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء وفسيولوجيا النشاط العصبي والسيبيرنتيك ويتعاونون بشكلٍ وثيقٍ مع علماء الطبيعة المُتخصصين. تم انجاز الكثير في مجال تحليل عمليات الانعكاس من وجهة نظر المجالات الخاضعة للسيمانطيقا والدلالات المنطقية (دراسة ترميز المعلومات وفك رموزها، وخصائص وقوانين أداء أنظمة الاشارات، والعلاقة المُتبادلة بين الأفكار "الصور الابستمولوجية، "النموذج"، "الاشارة" الخ).
لم يتم فعل الكثير في دراسة نشوء وأداء الانعكاس الادراكي فيما يتعلق بانخراطه في النشاط العملي الموجه نحو الهدف وفيما يتعلق بالقياسات الاجتماعية والثقافية-التاريخية لهذا النشاط. الا أنه من خلال هذا النوع من الدراسة، يُمكن للمرء، كما توضّح الفلسفة الماركسية اللينينية، أن يكتشف تماماً ما يتفرّد به الادراك ويُميّزه عن جميع أشكال الانعكاس الأُخرى. على الرغم من أن الانعكاس المادي أو الفسيولوجي وعمليات نقل المعلومات تفترض أهميةً استثنائيةً في الادراك، الا أنها بحد ذاتها لا تُشكّل صورةً ادراكيةً بشكلٍ مُباشر.
من المهم، بل من الضروري، تفسير واستيعاب البيانات فلسفياً من جميع العلوم الخاصة التي تكشف عن آليات وشروط الادراك الانساني. مع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال كامل مجال الفلسفة والابستمولوجيا الى هذه البيانات، وتجاهل العلاقة بين نظرية المعرفة والتخصصات الاجتماعية والتاريخية. لقد وجّهَ لينين الانتباه الأكثر جديةً الى حقيقة أن مثل هذا الاختزال غير مسموح به. كما وضّحَ في (المادية ومذهب النقد التجريبي)، فانه قد حدد الماخيين والتجريبيين الأُحاديين والتجريبيين الرمزيين وغيرهم من مُمثلي "الوضعية الأكثر حداثةً" من خلال مُحاولاتهم الخلط بين مُشكلات نظرية المعرفة، والعلوم الخاصة واستبدال الأخيرة بالأولى واختزال الأولى بالأخيرة. تم الكشف عن هذا أيضاً في المُطابقة بين المقولة الفلسفية (المادة) Matter بنظرية بُنية المادة المقبولة في العلوم الطبيعية واستبدال فكرة الاعتماد الوظيفي بالسببية، وما الى ذلك. تم التعبير عن هذا أيضاً، بالجهود، التي أُجرِيَت بروح المادية المُبتذلة (أظهر لينين، أن الماخية جمعت بين المثالية الذاتية وعناصر من المادية المُبتذلة) لتفسير عملية الادراك بمساعدة مفاهيم "الانتقاء الطبيعي" و"تبادل الطاقة" و"التوازن بين الكائن الحي والبيئة" الخ. كَتَبَ لينين مُنتقداً بوغدانوف: "وكل (مذهب الطاقة الاجتماعي) هذا و(الانتقاء الاجتماعي)، ان كل هذا هو مجرد رصف للكلمات واستهزاء تام بالماركسية"(10). مُدافعاً عن المبادئ الأساسية للمادية الماركسية من هجمات المثاليين الذاتيين، دعا لينين ماديي الأزمنة القديمة كحلفاء في نضاله ضدهم. في الوقت نفسه، يؤكد أن المادية الدياليكتيكية تختلف اختلافاً جوهرياً عن مفاهيم ماديي ما قبل الماركسية من حيث أنها تضع مقولة (النشاط الاجتماعي) في أساس نظرية المعرفة. كتب لينين: "يجب أن تكون وجهة نظر الحياة، وجهة نظر الواقع العملي هي وجهة النظر الأولى والأساسية في نظرية المعرفة. ووجهة النظر هذه تؤدي حتماً الى المادية، نابذةً منذ بادئ بدء الاختلاقات اللامتناهية للسكولاستية الأُستاذية"(11).
ان فعل الادراك لا تقوم به ببساطة عضوية بيولوجية أو من خلال آلية مُعالجة المعلومات، ولكن بواسطة كائن انساني فاعل ونشِط يحوّل العالم، وهو كائن مُندمج في منظومة النشاط الاجتماعي. فقط في هذا النظام الأوسع يُمكن فهم نشأة وعمل العلاقة الادراكية، أي علاقة المعرفة كصورة ابستمولوجية للموضوع. هذا الفهم للادراك يحوّل جذرياً مجال موضوع نظرية المعرفة ويزيلها من حدود التقاليد النموذجية للنظرية البرجوازية عن المعرفة ككل.
ان الاعتراف بوحدة التفكير والنشاط العملي الموجه نحو الهدف هو المبدأ الأساسي لنظرية المعرفة الماركسية اللينينية، ذلك المبدأ ذاته الذي يخوض مُمثلو التحريفية الفلسفية المُعاصرة ضده صراعاً شرساً. في هذا الصدد، تحوز مسائل من مثل دراسة العلاقة بين الادراك والنشاط العملي الموجه نحو الهدف، ودراسة التوسط الاجتماعي-الثقافي للادراك وكل منظومة التوسطات التي يضعها المرء بين نفسه والشي الذي يتم ادراكه وتلك الظيفة المتوافقة مع قوانين النشاط الاجتماعي، تحوز على أهمية خاصة للبحث الابستمولوجي. يُفَهم الادراك الانساني، أي الانعكاس الانساني، على أنه نظام متطور تاريخياً. لذلك، يجب على نظرية المعرفة أن تستند الى مُركّب فلسفي نشوئي (نشوء تطوري على مدار ملايين السنين) ونمائي (مُتعلّق بتطور ادراك الطفل الفرد خلال سنوات حياته)، وعلى تحليل تاريخ الادراك والثقافة ككل. أكّد لينين، في هذا الصدد، في دفاتره الفلسفية أن تاريخ المعرفة بوجهٍ عام وكل ميادين العلوم الفردية وعلى وجه الخصوص "علم تطور ذكاء الطفل وتطور ذكاء الحيوان وعلم اللغة والسيكولوجيا وفيسيولوجيا أعضاء الحواس هي ذي ميادين العلم التي يجب أن تُكوّن نظرية المعرفة والدياليكتيك"(12).
يرجع الفضل الى الفلاسفة السوفييت في بعض التطورات في تنفيذ هذه المهمة. ولكن، لا يزال هناك الكثير الذي يتعيّن القيام به. قد يبدو من المُلِح للغاية مُعالجة مشاكل مثل أنواع وأشكال النشاط الموجه نحو الهدف المُختلفة وعلاقتها بالممارسة المادية باعتبارها جوهر البداية الرئيسية لجميع الأنشطة، والعلاقات المُتبادلة بين المكونات العملية Operational والموجهة نحو الهدف في الانعكاس النظري، والعلاقة بين النشاط والابداع، ودياليكتيك النشاط، المعرفة والتواصل ودياليكتيك الاتصال والفهم، ودياليكيتك الادراك والتأمل، والسمات المُميزة لانتاج المعرفة في مُختلف نُظم المُجتمع والثقافة في التاريخ. تتطلب مُشكلة العلاقة بين الوعي والادراك والجوانب الفلسفية للآليات الذاتية للوعي مُعالجة مُفصلة(13). يجب التأكيد على أن دراسة هذه المسائل الابستمولوجية هي نتيجة لتطور عدد من العلوم الاجتماعية والانسانية التي تُحلل كل من الجوانب العملية والموجهة نحو الهدف والجوانب الاشارية الرمزية للشناط الانساني (السيكولوجيا والسيكولوجيا الاجتماعية وعلم اللغة وعلم اللغة النفسي والانثروبولوجيا ونظرية الثقافة وتاريخ العلم والفلسفة الخ) وأيضاً ظهور عدد من التخصصات العلمية التي لا تقوم فقط بالبحث في النشاط الانساني، بل تعرض أشكالاً جديدةً منه (علم النفس الصناعي، جماليات التصميم، بيئة العمل وما الى ذلك).
أشار لينين الى الاتجاه نحو "الريضنة" mathematization المتزايدة للمعرفة كميزة نموذجية للفيزياء المُعاصرة. انتشر هذا الاتجاه في سياق تطور الثورة العلمية في القرن العشرين الى نظام المعرفة العلمية بأكمله. في الوقت نفسه، كشَفَ العلم الحديث، في السنوات الأخيرة، عن اتجاه آخر يُسمى أحياناً "أنسنة" humanitarization المعرفة. نحن لا نُشير هنا فقط الى الحاجة المُلحة الى التطوير المُكثّف للعلوم الاجتماعية والانسانية ولكن أيضاً الى الأهمية المُتزايدة لمسائل النظرة الى العالم والأخلاق من أجل تطوير العلوم الطبيعية على نحوها (ليس فقط من أجل الاستفادة منها والحصول على نتائج فيما يتعلق بمرحلة تطبيق النتائج التي حققها العلم، بل وأيضاً من أجل الاسترشاد بها في مرحلة البحث)، ونشير كذلك الى الوعي المتزايد بأهمية الشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخية للعلوم الطبيعية وجميع العلوم ككل.
بالنسبة للنظرية الماركسية اللينينية عن المعرفة، التي تقوم على الاعتراف بالطبيعة الاجتماعية والتاريخية للادراك، فان البحث التفصيلي في مشاكل النظرية الابستمولوجية والمنهجية، المُرتبط بتطور العلوم الاجتماعية والانسانيات في الوقت الحاضر وكذلك، بالميل نحو "أنسنة" المعرفة ككل، هي مهمة ذات أهمية راهنة.

الثورة العلمية في القرن العشرين، ونظرية المعرفة
قدّمَ لينين في عمله العبقري تحليلاً كلاسيكياً لآخر ثورة في العلوم الطبيعية أظهر أنه مُرتبط بالحاجة الى تغلغل أفكار الدياليكتيك المادي، ونظرية المعرفة الدياليكتيكية في نسيج العلوم الطبيعية وأن الفيزياء الحديثة "تولّد المادية الدياليكتيكية" عفوياً. ولكن، فان التغيرات في الفيزياء في مطلع القرن العشرين كانت مجرد بداية لقائمة هائلة من التحولات التي لم تشمل الفيزياء وحسب، بل سلسة كاملة من التخصصات الأُخرى، مما أدى الى تغيرات عميقة في الصورة العلمية عن العالم وفي طبيعة وبُنية النظرية العلمية(14). أصبحت الثورة في علم الطبيعة ثورةً في العلم والتكنولوجيا، وهي قد ارتقت بنفسها الى مستوىً جديدٍ نوعياً من خلال دخولها الى تلك الثورة الأخيرة كأحد مكوناتها الأساسية.
يبرز الاتجاه العام للتحول الثوري في العلم الجاري الآن بشكلٍ واضحٍ بهذه الحدة أو تلك. ان جوهر ذلك التحوّل هو اعادة توجيه جذرية للعلم في مجالات المنهجية والنظرة الى العالم وظهور أفكار جديدة حول العالم والمعرفة العلمية على هذا النحو، وظهر معيار جديد للعلم وما هو علمي. ان التغيّر في الأفكار حول طابع العالم المُدرَك، والتفاعل بين الزمان والمكان، وامكانية موضعة الكيانات المُدرَكة والتغير في الأفكار حول مكانة الأدوات في عملية الحصول على البيانات العلمية وطبيعة التحديد الموضوعي، الخ، كل هذا في وقتٍ واحد يدل على تشكّل مطالب جديدة على الوصف والتفسير العلميين والتغير في قوانين بناء النظرية العلمية، وحتى في مفهوم ما يُمكن اعتباره معرفة علمية. كما أن التغير في العلاقات المُتبادلة بين العلوم المُختلفة وظهور تخصصات جديدة يعمل بشكلٍ أساسي في نفس الاتجاه.
يتميز تطور العلم الحديث بالتعقيد المتزايد باستمرار في منظومة أجهزة البحث تلك التي يضعها المرء بينه وبين الموضوع المُدرَك، بدءاً من مُختلَف الأدوات وأجهزة القياس، من ناحية، الى المخططات النظرية والنماذج والبنائات الاستنتاجية، الخ، من ناحية أُخرى. كل هذا يخلق بعض التعقيدات في التفسير الملموس الموجه نحو الهدف لأنظمة المعرفة النظرية، وفي نفس الوقت، يخلق موقفاً يُصبح فيه، تقدير العالِم نفسه لطبيعة وسائل البحث التي يستخدمها-الأدوات والافتراضات النظرية- شرطاً ضرورياً لتقدم العمل النظري.
كل هذا يُشير الى ازدياد حاد في الطبيعة الانعكاسية الذاتية للفكر العلمي النظري. لا يَنتُج التعقيد المُتزايد لبُنية المعرفة النظرية فقط من زيادة عدد الروابط الوسيطة بين المستويات النظرية العُليا وأساسها التجريبي، ولكن أيضاً من ظهور مكونات جديدة بشكلٍ أساسي في نظام المعرفة العلمية ذاته: التفكير النظري حول البُنية المنطقية والمعنى الادراكي لتلك المنظومات المفهومية التي تُصوّر الواقع الموضوعي.
يُنتِج هذا التفكير، في بعض الحالات، تخصصات علمية خاصة، على سبيل المثال ما بعد الرياضيات metamathematics، والتي يكون موضوعها هو البُنية المنطقية للبراهين الرياضية. في حالاتٍ أُخرى، لا يأخذ التفكير النظري شكل علم خاص أو أحد مكوناته، ولكنه يلعب دور مُهم في عملية صياغة وتفسير وتوسيع النظرية العلمية. على سبيل المثال، تعريف وتحليل المبادئ العامة التي تُبنى عليها النظرية الفيزيائية: مبادئ التطابق والتكامل والمُلاحظية والثباتية، الخ.
ومع ذلك، من المُهم أن نُلاحظ أن التفكير النظري حول العلم، الى الدرجة التي يلجأ فيها الى البحث في الأسس الأكثر عُمقاً للمعرفة العلمية النظرية، لا يُمكنه الا أن يتخذ طابعاً فلسفياً، ولا يسعه الا أن يمس المشاكل الابستمولوجية الأساسية المُتعلقة بطبيعة الواقع المُدرَك، والعلاقة المُتبادلة بين الذات والموضوع، وطبيعة المعرفة العلمية، وما الى ذلك. بدأ التفكير الابستمولوجي النظري، في سياق الثورة العلمية في القرن العشرين، يلعب دوراً جديداً في عملية تطور المعرفة العلمية النظرية، وتتغير العلاقات بين الابستمولوجيا والمعرفة في في العلوم الخاصة أيضاً.
كما نعلم، فان عملية التطور التاريخي لاكتساب المعرفة كانت مصحوبةً على الدوام بانفصال العلوم الخاصة عن الفلسفة، وزيادة التخصص والمهنية بين العلماء والفلاسفة على حدٍ سواء، وتحديد أدق لموضوع التخصصات العلمية الفردية والفلسفية نفسها. ان لهذه العملية التقدمية تكاليفها بالطبع. ان بين الفلاسفة والعلماء البرجوازيين الرأي القائل بأن المعرفة في الفلسفة والعلوم الخاصة يختلفان اختلافاً جوهرياً ويتسع "عدم التداخل" بينهما على نطاقٍ واسع. ووفقاً لهذا الرأي، يحل العلم الخاص مهامه بنجاح دون اللجوء الى مُساعدة الفلسفة (بالاضافة الى ذلك، فان الفلسفة لا يُمكن الا أن تضر بالنشاط العلمي). من ناحيةٍ أُخرى، لا تحتاج الفلسفة، ولا سيما نظرية المعرفة، في اعتقاد أتباع وجهة النظر هذه، الى تحليل المعرفة العلمية التي تحدث بالفعل في العلم، لأنها، أي الفلسفة، تُطوّر معرفتها بطريقةٍ خاصة: اما عن طريق تحليل سمات الوعي في فعل المُلاحظة الذاتية، أو بمساعدة اكتشاف وتشريح المحتوى النظري المُجسّد أبدياً في مقولات المنطق، أو كنتيجة للبحث في اللغة اليومية ما قبل العلمية والتي تُعتَبَر بدورها ثابتة ومُعطاة مُسبقاً، الخ. ان كل المعرفة الابستمولوجية، وفقاً لوجهة النظر هذه، على عكس المعرفة في العلوم الخاصة، هي، بحُكم تعريفها بالذات، أبدية وغير مُتغيّرة ومُطلقة وتتطور في اطار حل المشكلات الخاصة التي يُزعَم أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن مسائل العلوم الملموسة.
هذا الفهم للعلاقة المُتبادلة بين المعرفة الابستمولوجية والعلوم الخاصة قد انهار في سياق تطور الثورة الحالية في العلم. تكمن احدى السمات الهامة للمعرفة العلمية اليوم في حقيقة أن المناقشات الشاملة للمشاكل الأساسية للنظرة عن العالم ونظرية المعرفة والمنهجية الفلسفية تُثبت أنها شرط ضروري لصياغة أفكار جديدة في العلم نفسه. يتضح هذا بشكلٍ جليّ من خلال المناقشات الفلسفية الساخنة في التخصصات النموذجية للعلم الحديث مثل أُسس الرياضيات وميكانيكيا الكم والكوزمولوجي ونظرية التطور البيولوجي وما الى ذلك. انخرَطَ مُبدعو العلم الحديث مثل الفيزيائيون البيرت اينشتاين وفيرنر هايزنبيرغ Werner Heisenberg ونيلز بور Niels Bohr والرياضيون ديفيد هيلبرت David Hilbert ولوتزيان بروار Luitzen Egbertus Jan Brouwer في مُناقشةٍ مُكثفة لمسائل النظرة الى العالم والابستمولوجيا والمنهج الفلسفي. في هذا الصدد، من المهم التأكيد على أن المسألة المطروحة ليست مُجرّد تفسير ابستمولوجي للمفاهيم العلمية القائمة في مُختلف مجالات العلوم: تُطرَح اليوم مطالب أكثر جديةً اليوم على الابستمولوجيا، بقدر ما يلعب مجموع الأفكار الفلسفية دوراً مُهماً في صياغة أي برنامج ملموس للبحث العلمي. ان الصورة الابستمولوجية للادراك وللعلم والالتزام به ليس لها وظيفة وصف ممارسة البحث العلمي كما هي فحسب، بل صارت هي نفسها مُندمجةً في تلك المُمارسة وتُعيد تنظيمها في بعض النواحي.
لكن هذا الموقف يُغيّر أيضاً المطالب المطروحة على نظرية المعرفة أيضاً. ما يحدث هو عملية عاصفة من "اعادة دمج" الابستمولوجيا والمعارف العلمية الخاصة. تبرز الابستمولوجيا العلمية بدرجة متزايدة كدليل منهجي ضروري في عملية البحث العلمي مُحتفظةً بما يُميزها وبدون أن تخضع الى معرفة تُميّز العلوم الخاصة، وبالطبع تتجنب فرض حلول مُسبقة ملموسة على العلم بروح الفلسفة الطبيعية القديمة.
في الوقت نفسه، ترتبط الثورة العلمية في القرن العشرين بالحاجة الى حل نوع خاص من الأزمات، والذي وفّره لها التحليل الكلاسيكي الذي قام به لينين في (المادية ومذهب النقد التجريبي). نحن نُشير هُنا الى أزمة النظرة الفلسفية الى العالم والأسس الابستمولوجية للعلم. كان الأساس الفلسفي للعلم الكلاسيكي هو المادية الميتافيزيقية والميكانيكية والتي قَبِلها بوعي غالبية علماء الطبيعة. جاء هذا النمط من التفسير الفلسفي للعلم في تناقضٍ حاد مع نتائج الثورة العلمية في القرن العشرين. ان البحث عن أساس فلسفي مُناسب، والذي قام به فلاسفة الكُتّاب الكلاسيكيون في العلوم الطبيعية الحديثة بنشاط، يُعبّر عن السعي لايجاد طريقة للخروج من أزمة الأُسس الفلسفية للعلم. وهذا الجُهد مفهوم، لأن التطور الكامل للثورة في العلم يفترض أن يطوّر العلماء ويستخدموا أساساً سليماً للنظرة الى العالم يكون كافياً تماماً لمتطلبات المعرفة العلمية. هذا الأساس، كما ذكر لينين في (المادية ومذهب النقد التجريبي) هو المادية الدياليكتيكية. يُمكن اعتبار الثورة العلمية في القرن العشرين بشكلٍ مُحق عملية (اضفاء الدياليكتيك) dialectization على العلم. يسير العديد من الباحثين العلميين الواعين من رواد العلم الحديث في هذا الاتجاه بالضبط.
ومع ذلك، فقد أثبتت عملية توفير أساس فلسفي مُلائم للعلم الحديث أنها مسألة مُعقدة للغاية. طرحت الفلسفة البرجوازية الحديثة عدداً من المفاهيم المثالية كتفسيرات فلسفية للثورة العلمية في القرن العشرين، وقد مارس العديد منها تأثيراً مُعيناً على عقول العلماء العاملين في البلدان الرأسمالية. لذلك، اذا نظرنا الى تطور الثورة العلمية في ظل ظروف الرأسمالية الحديثة، فلا يسعنا الا أن نُلاحظ الطبيعة المُعقدة والمتناقضة لتلك العملية. من ناحية، تُعبّر تلك الثورة عن العملية الموضوعية لتغلغل أفكار المادية الدياليكتيكية في العلم الحديث، ولكنها من ناحيةٍ أُخرى، لا يُصاحبه (لا يُصاحب العلم الحديث) استيعاب كامل وواعي للموقف الابستمولوجي الموافق لها (للمادية الدياليكتيكية). كل هذا يعني، أن الثورة العلمية، في ظل الرأسمالية، لا تؤدي الى القضاء على أزمة الأُسس الفلسفية للعلم، التي قدّمَ لينين تحليلاً كلاسيكي لبدايتها(15).
ولكن، عندما نتحدث عن حقيقة أن الاتجاهات والمدارس المُختلفة في نظرية المعرفة المثالية الحالية ليست أكثر من مُجرّد طفيليات على انجازات الثورة في العلم، فان هذا لا يعني أن المفاهيم التي اقترحها المنظرون البرجوازيون ليس لها أي تأثير على المشاكل الحقيقية للعلم في القرن العشرين. في الواقع، الوضع هو أن المفاهيم الابستمولوجية والمنهجية المُختلفة التي طورها الفلاسفة البرجوازيون المُحترفون أو التي ابتكرها المنظرون الفسلسفيون في العلم الحديث، كانت قادرة على مُمارسة تأثير مُعيّن على الباحثين العلميين، ليس فقط على ادراكهم الذاتي، ولكن في بعض الأحيان على ممارساتهم البحثية، لأنهم التقطوا بعض السمات الحقيقية للعلم الحديث (وان كان ذلك بشكلٍ مُشوه ووحيد الجانب)، جنباً الى جنب مع تفسير مشوه عموماً للمعرفة العلمية.
وهكذا، على سبيل المثال، ركزت النزعة العملياتية (Operationalism)، التي كان لها تأثير مُعيّن ليس فقط على الفيزيائيين بل وعلماء النفس ومُمثلي علم الاجتماع البرجوازي والتي قدمت تفسيراً مثالياً وميتافيزيقياً للمعرفة العلمية، نقول، ركزت الفكر العلمي على التجريبية الضيقة وتناقضت بشكلٍ صارخ مع الممارسة الحقيقية للثورة الحالية في العلم، وهي تلتقط بشكلٍ مُشوه جوانب مُعينة من العلاقة المتبادلة بين المفاهيم النظرية والقاعدة التجريبية وتفاصيل ما يُسمى بـ"التعريفات العملياتية". انطلق الفلاسفة الذين عالجوا مسائل المنهجية ومنطق العلم في اطار العقيدة الوضعية المنطقية من نقطة خاطئة وميتافيزيقية وتجريبية في العلم، ولكنهم حصلوا على بعض النتائج في دراسة لغة النظريات العلمية وروابط المنطق الصوري بين عناصر المعرفة النظرية. تستند الحدسية، كاحدى المدارس التي تسعى الى تطوير أساس الرياضيات، على فهم مثالي لطبيعة المعرفة الرياضية، ولا يُمكن تطبيق برنامج العمل الذي تقدم به الحدسيون. ومع ذلك، فان العلماء المتأثرين بهذا التيار قد حصلوا على نتائج مُهمة في المنطق الرياضي(16).
ولكن من المهم التأكيد مرةً أُخرى على أن الفلسفة البرجوازية غير قادرة من حيث المبدأ على التغلب على المثالية والميتافيزيقيا، ولا يُمكنها أن تكون وعياً ذاتياً فلسفياً مُناسباً للثورة الحالية في العلم، وبالتالي، فان تطور هذ الأخير يُرافقه في نفس الوقت خيبات يشعر بها العلماء باستمرار من مناهج تفسير العلم من وجهة نظر النظرة الى العالم والابستمولوجيا التي تُميّز الأعمال النظرية البرجوازية.
في هذا الصدد، لا يواجه الفلاسفة الماركسيون مهمة المعالجة العلمية لمسائل الابستمولوجيا فحسب، بل وكذلك مهمة تحليل التغير الحاصل داخلها في ظل ظروف الثورة العلمية اليوم والعلاقات الجديدة التي تتشكل بين الابستمولوجيا والعلوم الخاصة ومسائل ما هو الذي يُميّز المعرفة الابستمولوجية ومناهج الوصول اليها والتحقق من صحتها وتطويرها والعلاقة بين المعرفة النظرية والعلوم الخاصة التي تدرس النشاط الادراكي، الخ. يجب أن نُلاحظ أن الفلاسفة البرجوازيين المعاصرين يقومون بالتعتيم على هذا النطاق من المسائل وهم يقدمون عليها اجابات مُختلفة ولكنها خاطئة بشكلٍ مُماثل. وهي تتراوح من الالغاء العملي لنظرية المعرفة عن طريق تقليصها الى فسيولوجيا عصيبة ونظرية معلومات وسيمانطيقا (أي فكرة ما يُسمى بـالابستمولوجيا المُطبعنة Naturalized epistemology للفيلسوف الأمريكي ويلارد كوين Willard Van Orman Quine)، والقول باطروحة أن نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) لا تتحدث عما يحدث بالفعل في الادراك، ولكنها تقدم فقط بعض التوصيات بشأن ما يجب أن يكون عليه الادراك، على الرغم من أن هذه التوصيات، في التحليل النهائي، مواضعية conventional في طبيعتها (كارل بوبر)(18).
يكتسب حل هذه المجموعة من المسائل أهميةً خاصةً في ظل ظروف الثورة العلمية الحالية، ويجب أن يتركز اهتمام باحثينا عليها.

*فلاديسلاف الكساندروفيتش ليكتورسكي
وُلِدَ عام 1932. فيلسوف ماركسي سوفييتي خبير في مجال نظرية المعرفة وعلم النفس وفلسفة العلوم. تخرّجَ من كلية الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية عام 1955 وتابع الدراسات العُليا في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية وتخرّج عام 1959. صار موظف في معهد الفلسفة منذ عام 1957، ورئيس لقسم نظرية المعرفة في الأكاديمية عام 1969.
صار مُرشحاً للعلوم الفلسفية بأطروحته ( الموقف الادراكي) عام 1964، ودكتوراً في الفلسفة لعام 1978 بأطروحة (الذات، الموضوع، الادراك) وبروفيسوراً عام 1979.
من أعماله الأساسية: (مُشكلة الذات والموضوع في الفلسفتين الكلاسيكية والحديثة) 1965.
(الدياليكتيك المادي) 1979. (الذات، الموضوع،، الادراك) 1980
ومن مقالاته: (حول مبادئ البحث المنظومي) 1960، (وحدة النظري والامبريقي في المعرفة العلمية)، (الدياليكتيك ونظرية المعرفة وقوانين التفكير) 1964، (نشوء وبُنية البُنى الفكرية في مفاهيم جان بياجيه-الاتجاهات الأساسية في بحث سيكولوجيا التفكير في الدول الرأسمالية) 1966، (الفلسفة والمنهجية العلمية- مسائل في الفلسفة) 1967.
تُرجِمَت مُعظم أعماله الرئيسية و60 مقالة له حررها ليكتورسكي وكتبها بالمشاركة ونُشِرَت في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الديمقراطية والغربية وفرنسا وفنلندا وكوريا الديمقراطية والجنوبية والصين وتركيا وبولندا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا وغيرها.
حصل ليكتورسكي على جائزة وسام الشرف عام 1979 ووسام العمل الشجاع عام 1971.


1- دفاتر عن الدياليكتيك، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص185
2- كتَبَ توماس كون: "ولكي نكون أكثر دقة، علينا التخلي عن الفكرة، الصريحة أو الضمنية، وهي أن تغيير البراديغمات يُقرّب العلماء والذين يتعلمون منهم من الحقيقة باطراد" ويقول: "فمهوم مُطابقة ما، بين أنطولوجيا نظرية ونظيرها (الواقعي) في الطبيعة، يبدو لي الآن مُخادعاً من الوجهة المبدئية".
بُنية الثورات العلمية، توماس كون، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المُنظمة العربية للترجمة 2007، ص284 وص332.
3- يؤكد كارل بوبر مُعلّم بول فايراباند والعديد من مُمثلي ما بعد الوضعية المُعاصرين، على أهمية فهم الحقيقة من أجل المعرفة العلمية، كفكرة تنظيمية مُرتبطة بتأكيد التطابق بين النظريات العلمية والحالة الموضوعية للأمور. بالاعتماد على النتائج التي توصل اليها الفريد تاركسي، حول بوبر بناء رياضيات "شبه الحقيقة" verisimilitude كتوسيع مُتسق لمحتوى صحة (حقيقة) النظريات المُتعاقبة. تبعاً لبوبر، فاننا نفتقر الى الوسائل التي نكتشف بها الحقيقة، ولا يُمكن أن نعرف أننا وجدناها حتى لو أننا كنا قد اكتشفناها بالفعل.
See K. R. Popper, Objective Knowledge. -An Evolutionary Approach, Oxford, 1973, pp.317-18
قام عدد من تلاميذه بتطوير آخر اطروحات بوبر المذكورة والتي تتضح ذاتيها بشكلٍ جليّ، وتوصل هؤلاء الى استنتاج مفاده أن مسألة الحقيقة هي مسألة زائفة.
4- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص361
5- نفس المصدر، ص151-152
6- يجب مُلاحظة أنه في أدبياتنا، لم تتم مُعالجة كافية مجموعةً مُهمةً جداً من المسائل المُرتبطة بفهم "الحالة الأنطولوجية" للكيانات النظرية، وخاصةً العلاقات المُتبادلة بين الكيانات الحقيقية والمؤمثلة. يبدو أنه ليست كل الاجرائات التي اعتاد أدبنا تسميته الأمثلة هي في الواقع كذلك.
7- See W. Sellars, Science, Perception and Reality, London and New York, 1963 Action, Knowledge and Reality. Critical Studies in Honor of Wilfrid Sellars, edited by H. -N. Castaneda, Indianapolis, 197 5
8- تتخذ "الواقعية العلمية" الافتراضات التالية كُنقطة انطلاق: 1- قد تكون النظريات العلمية صحيحة أو خاطئة. 2- ان المبادئ والتأكيدات النظرية مُفسّرَة. 3- ان الأشياء المؤكدة التي تتحدث عنها النظريات العلمية موجودة في الواقع.
W. A. Rottschachter, "Wilfrid Sellars and the Demise of the Manifest Image," Modern Schoolman, 1976, vol. 53, no. 4, p. 398
وتجدر الاشارة الى أنه في الأدبيات الغربية الحديثة (خاصةً الانجلوأمريكية) حول مسائل نظرية المعرفة، تتمتع الاتجاهات التي تشترك في المبادئ الأساسية للمادية الفلسفية بتأثيرٍ مُعيّن، لكنها لم ترتقي الى مستوى المادية الدياليكتيكية وتتميز بطابع ميتافيزيقي وذاتي. وينطبق هذا على ما يُسمى بـ"المادية العلمية" التي تؤكد على اعتماد الوعي على عمل الدماغ، ولكنها (اي المادية العلمية) غير قادرة على الكشف عن التعقيد الكامل للعلاقة بين الأولى والأخير، وهي تختزل الوعي بالعمليات العصبية. بل أن هناك محاولات للجمع بين الدياليكتيك والمادية في شكل ما يُسمى بـ"المادية النشوئية" emergentist materialism. هذه الجهود مُلهمة للغاية، لكنها أيضاً لا تؤدي الى النجاح.
9- كتب ويلفريد سيلارز: "على الرغم من أن نظام الأشياء المتصورة حسياً التي تواجهنا في الحياة اليومية تُلبي تحقيق أهدافنا اليومية، الا أنه (اي ذلك النظام) غير مُلائم تماماً للوضع الحقيقي رولا يُمكن اعتماده عندما يُطرَح السؤال حول ما الذي تتكون منه كل الأشياء".
W. Sellars, Science, Perception and Reality, p. 27
10- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص382
11- نفس المصدر ص161.
12- الدفاتر الفلسفية-3 جزء 2، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1984، ص132
13- أكّد لينين، كما لو أنه كان يُكافح "الماديين العلمويين" اليوم أن جوهر المادية ليس"استخلاص الاحساس من حركة المادة أو في حصره في حركة المادة، بل تقوم في كونها تعتبر الاحساس احدى خواص المادة المتحركة". المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص45. وأنه "لمن الهراء التام الزعم أن المادية قد أكدت واقعية "أصغر" للادراك..."نفس المصدر، ص326
14- detailed analysis of the stages in the current scientific revolution, and philosophical interpretation thereof, may be found in B. M. Kedrov, Lenin i revoliutsiia v estestvoznanii XX veka, Moscow, 1969.
15- أزمة أُخرى أثرت على العلم كوؤسسة اجتامعية في ظل ظروف المُجتمع الرأسمالي المُعاصر وتم التعبير عنها في ظهور التناقضات بين نمط مُعيّن من تطور العلم ومصالح تطور البشر الانساني، وصارت، في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تشابك مع أزمة الأُسس الفلسفية للعلم. ان الخروج من هذه الأزمة الجديدة لا يفترض فقط اعادة تفسير فلسفية جذرية للعلم ومكانه في نظام الثقافة ومسائل الابستمولوجيا والمنهجية العلمية والأخلاق والنظرة الى العالم، وهو أمر غير مُمكن الا على أساس الفلسفة الماركسية اللينينية، بل انها تفترض أيضاً حدوث تغيير في الوظائف الاجتماعية للعلم، والذي يثبت أنه مُمكن فقط في ظل ظروف الاشتراكية.
16- يؤكد لينين على الحاجة الى التمييز المبدأي بين النتائج الخاصة التي يتم الحصول عليها في هذا المجال أو ذاك من ناحية (قد تتعلق هذه النتائج اليوم بدراسة البُنية المنطقية للغة النظريات العلمية وتاريخ العلم الخ)، وتفسيراتها الفلسفية والابستمولوجية من ناحية أُخرى-بغض النظر عن ارتباط هاتين الناحيتين ببعضهما في الممارسة الحقيقية. كما يُشير الى الحاجة الى تفسير هذه النتائج من وجهة نظر المادية الدياليكتيكية.
17- See W. V. Quine, "Epsitemology Naturalised," in J. R. Royce and W. W. Rozeboom, The Psychology of Knowing, London, 1972.
18- ان أفكار بوبر هذه وصل بها بول فايراباند الى السخف، حيث نشر حُججاً تدعم ما يُسمى "الأناركية في الابستمولوجيا". يسير هذا في اطار ذاتي مُفرط والذي وفقاً له يجب على كل نظرية علمية كُبرى، أن تستند، الى جانب أشياء أُخرى، على نظريتها الخاصة في المعرفة، والتي تختلف عن النظرية المعرفية الخاصة بأي نظرية علمية أُخرى.
see P. Feyerabend, Against Method. Outlines of an Anarchistic Theory of Knowledge, London, 1976

ترجمة لمقالة:
V. A. Lektorskii (1980) Lenin s Materialism and Empirio-Criticism and Contemporary Theory of Knowledge, Soviet Studies in Philosophy, 18:4, 78-101

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي