قصة التأريخ

عباس علي العلي
2021 / 9 / 20

دأب المؤرخون على تقسيم الماضي الوجودي البشري لمرحلتين أو لقسمين مهمين، هما مرحلة ما قبل التأريخ ومرحلة ما بعد التأريخ، ويقصدون بذلك أن الوجود البشري القديم قد صادف نقطة حرجة زمانيا عندها ولد التأريخ، ليكون بداية تقوم معرفي على أعتبار أن المرحلتين لا يمثلان صورة واحدة على الأقل من ناحية التحول الأجتماعي أو المعرفي أو الإدراكي، وعلى هذا الأعتبار يمكن أن نقسم تاريخ الإنسان وفقا لمحدد له أهمية محورية في قيادة التحولات المتتالية والمترابطة، فقد أختار البعض لحظة أو زمن أنتقال البشر من مرحلة الرعي والصيد وجمع الأثمار إلى تعلم الزراعة كبداية للتاريخ، فيما جعل القسم الأخر خروج الإنسان من الكهوف والمغارات الى مكان معد منه سابقا ووفقا لنموذج أختاره هو بداية للتاريخ، وهناك أراء أخرى منها أكتشاف النار أو الكتابة أو حتى أختراع العبادة والتعبد كبداية للتاريخ البشري في الأرض.
إن أختلاف التوقيت أيا كان السبب لا أظنه قادر على فصل الإنسان تأريخه أ وضع جدول زمني لذلك، فكما قلنا أن التاريخ هو معطى وجود الإنسان في الوجود وتحديدا الإنسان العاقل الذي يحسن أستخدام أدواته التعقلية من لحظة بدايته في ممارسة التفكير، التعليل العلمي يتعلق بأن التأريخ يبدا عندما يبدأ الإنسان بملاحظة ذاته وما تفرضه هذه الملاحظة من ردات فعل سواء أستجاب لها أم ظل متفكرا كيف سيكون تعامله مع هذه الذات وما تريد، ولو عدنا لبدايات الحياة البشرية وهنا أقصد به أجدادنا نحن الذين كونا المجموعة الإنسانية الحالية وليس أسلافنا من المتطورات الحيوانية، لوجدنا من خلال الأدلة المعتمدة علميا في التأريخ أن هؤلاء الأجداد في بادئ الأمر وطبقا لما هم عليه من واقع بيئي ليسوا أكثر من مجرد مجموعات من الأقرباء أو التي ضمتهم بعض الظروف ليكونوا مجموعة أشبه بالقطيع فرضت عليهم الظروف البيئية والطبيعة لأن يكونوا في مكان واحد، وغالبا ما كانت هذه الاماكن أما كهوف أو مغارات أو حتى مسطحات مائية خصبة تنتشر حولها الأشجار والنباتات وبعض الحيوانات التي ليس من الصعب عليه تدجينها.
هذه المجموعات تضم أناث وذكور متعددين والغالب أنهم ممن قاموا الظروف البيئية وتماهوا مع شروط البيئة، بمعنى رجال ونساء من الأقوياء فقط الذين يمكنهم أن يحموا وجودهم بأنفسهم، هذا التصنيف لا ينكر التفاوت بينهم ولا ينكر أنهم كانوا أيضا في صراعات داخل مجاميعهم أما على الغذاء أو على الأستحواذ على النساء طبقا للغريزة البشرية وأشتراطات الأنا، البعض من الدارسين يقولون أن الإنسان القديم (أجدادنا الحقيقيون) مختلفون في تركيبتهم النفسية والحسية والشعورية عنا وعن إنسان هذا العصر، لأن الحس والشعور والعاطفة تخضع للتطور، هذا الكلام ليس علميا ولا يمكن الوثوق به، نعم الحس والشعور والعواطف تتغير مع مرور الزمان داخل العصر أو عبر العصور ولكن ليس من حيث جوهرها وطبيعتها، بل من خلال أشكال التعبير عنها وممارستها في الواقع، فهي فطرية واحدة لا فرق بين إنسان ما قبل التاريخ وما بيننا نحن إلا في شكل ما نترجمها منه أو نظهرها الخارج طبقا للقواعد الذوقية والاخلاقية وحتى الدينية.
(يُرجّح العلماءُ أنّ الصيادين القدماء عاشوا في جماعاتٍ تحتوي كلٌّ منها على 25 إلى 50 فرداً، حيث تقوم هذه الجماعات بأعمال مختلفة، كصنع أدوات وصيد الفرائس وتقطيعها وكشط جلودها، وعند الصيد تخرج فرق مُكوّنةٌ من 3-4 أشخاصٍ، وتقوم كلٌ من هذه الفرق بأعمالها أثناء الصيد)، هذا المقطع الذي يتفق أكثر المؤرخين على حقيقته يشير إلى أن المجموعات البشرية تلك كانت تعيش فترة المشاعية البدائية التي تطبعوا عليها نتيجة طبيعة وجودهم في غياب قوانين أو أعراف أو نظم حاكمة ما خلا ما يستوجبه الحفاظ على الوجود فقط، من بين هذه المجموعات كان الذكور الأقوياء او ربما الأنات الأكثر قدرة على جذب الرجال هم من يترأسون المجموعة، أما بشكل فردي أو حتى تنافسي بين بعضهم، هذا التنافس يعتمد فقط على القوة البدنية والقدرة على تأمين متطلبات الجماعة، فنشأت ظاهرة القيادة وصراع التحكم فيها داخل المجموعة.
سيكولوجيا القوة البدنية والشعور بها والإحساس بالقدرة على فرضها على الأخرين تنبع من الذات البشرية بصورة الأنا المتفوقة، الأنا التي تفرض شروطها على الغير، وبالتالي فقد رتبت القوة لأصحابها أمتيازات منفردة ووضعت قوانينها لتكون قانون الجماعة واعرافها يجب أن تسود ولو رغما عن الأخرين، فبدأ القوي أو الأقوياء بالأستحواذ على الأمتيازات (نساء وأمكنة وحتى طعام) ليعبروا عن قوة الأنا الذاتية التي تدفعهم لذلك، وبغياب الشرائع والقوانين التي نعرفها اليوم كان للذكر اكثر من محظية وما تلد وأمتلك لأول مرة بعض الحيوانات التي تم أصطيادها وتدجينها لتكون الملكية الخاصة، ومارس الأقوياء داخل المجموعات قوتهم للحفاظ على هذه المليكات، عندها تم خرق نظام المشاعة البدائية وظهرت الملكية الفردية التي أسست فيما بعد لوجود الأسر بدل القطيع أو المجموعات.
هذا التحول المحوري والهام كان بداية مفهوم التأريخ عندما أنفرد الأقوياء مع ملكيتهم في أماكن خاصة لا يسمح لغيرهم من دخولها من باب المنافسة أو التزاحم بينهم، هنا عرفت البشرية موضوع النزاع المسلح أو نزاع الأقوياء، أستوجب هذا التحول أيضا أنشطار المجموعات تلك إلى مجموعات أصغر وأستقلالها عن بعضها لتكوين الأسرة التي منشأها القوة وليس القانون أو التشريع، وأنتقلت حتى ظاهرة الملكية للأبناء بعد أباءهم أو رؤساء تلك الأسر أما بالفقدان الوجودي أو بفقدان مظاهر القوة، ليستحوذ الأقوياء داخل الأسرة الواحدة على ميراث من سبقه بما فيه النساء والمكان والحيوانات وما تعلمه من حرف بدائية منها الزراعة واشعال النيران وتحولت حكرا له كقانون طبيعي.
التأريخ إذا بدأ بالشعور بالقوة وسينتهي على ما يبدو بأستفحال مظهرية القوة على التأريخ ومصادرة إرادة الإنسان في يبقى كمعطى وجودي أيضا، كانت الأنا المتضخمة بشعورها بالقوة البدنية تنساق لتحقيق الرغبات ليس بوصفها حاجة طبيعية، ولكن لتطرفها في تحويل كل الرغبات إلى حاجات وفرضها بالواقع ليجد نفسه مستجيبا لها بالقدر الغير طبيعي، مثلا يكفي للذكر أن يحتفظ بأنثى واحدة لتلبية الرغبات الغريزية الجنسية، ولكن التعدد في الحظي بأكثر من واحدة هو رغبة نفسية تترجم على أنها حاجة ضرورية، وما عليه سوى الأستجابة لها وترجمتها فعلا، ولكي لا تخدش الأنا فرض الذكر الإنساني القديم شروط القوة على ملكيته تلك وحاول الدفاع عن حاجاته بما يملك من قوة، فأساس العائلة وعلاقاتها وأشكالها ومنطقي التعاطي معها هو ذاته من القديم إلى اليوم وإن كان بعناوين أخرى أخلاقية (الشرف) أو بعنوان الدين (الحلال والحرام) التي صنعها وطورها وأعطاها مشروعية ما من خلال نلك الأبتكارات القيمية.
لو رجعنا لتفحص تلك العناوين من حيث دوافعها ومباعثها الأولية داخل موضوعها وبعين خارجية نجد أنها هي نفس التبريرات الأولى (التملك الأناني فقط)، فالحلال هو المتاح لك بقوة الدين وسطوته على التفكير الفردي والجمعي وكذلك الأخلاق تتعكز على نفس العلة والسبب، ما لي ليس بحق للأخر طالما أنني أكتسبته تحت عنوان متفق عليه وتعامل الاخرون معي بنفس الحيثية والمبرر، إذا قصة التاريخ يمكننا نسبتها إلى التحول الكوني البارز الذي رافق تفكك المجموعات البشرية من شكلها القطيع إلى شكل الأسر الكبيرة والتي تحولت بدورها من مشاعية الملكية إلى الفردانية الذاتية المدعومة بالقوة، هذا التحول رافقه أيضا تحول بالأعراف والقوانين التي صنعها وفرضها السيد القوي، أختلفت تلك الأعراف وتنوعت نتيجة تنوع الرؤية والتقدير للذات الفردية، وهنا نشأ التعدد المعرفي والتنوع الأجتماعي من حيث ما تختلف تلك الأعراف والقوانين المحلية عن بعضها.
نستنتج من ذلك حقائق لا بد من ذكرها هنا لتكون أساسيات قصة التأريخ ومرتكز لفهم التحولات في حياة الإنسان (الجد الصحيح لنا) وهي:.
• نشأ (القانون) داخل المجموعة الأسرية فرديا بمعنى أنه ليس نتاج أتفاق جمعي بين أفراد المجموعة الواحدة، بل هي إرادة القوة ومقدار ما تستطيع فرضه على الأخرين، فتنوع القوانين والأعراف بين المجموعات البشرية هو تنوع طبيعي لأختلاف وتنوع الخالق والصانع لها.
• (الدين) لم يكن في بدايته إلا مظهر من مظاهر أنصياع الأفراد للقوة، القوي ليس فقط في فرض قوته على المجموع ولكن وايضا نجح في فرد مظهر تعظيم لها، لأنها تملك ما لا يملكه الأخرون التي تؤدي بالطبيعة إلى التقيد بالانحياز لها بشكل ولاء وطاعة واخلاص، ومن هنا نشأت عبادة الأقوياء بحسب مقدار القوة التي يتعاطون بها ومعها وصولا إلى جعل الأجداد خوارق وليس من ضمن الأسرة أو المجموعة القديمة، والدليل إن تصور الأرباب والآلهة في الديانات القديمة هي خليط بين الطبع البشري ومظاهر الخارقية التي لا يملكها البشر طبيعيا، فالدين هنا نسغ صاعد من الإنسان ليصل في مراحل أخرى لما فوق القوة الأولى حينما تستعين هذه القوة بالأقوى منها.
• (الأخلاق) ليست قواعد بينية مشتركة نشأت على أمل تحسين السلوكيات داخل المجموعة البشرية المتجمعة حول القطب أو المركز، بل هي الرغبة في تقديم الولاء للقوة ولصاحب القوة لتفادي الصدام معها وتجنب نتائج قد تؤدي إلى المزيد من مظاهر القوة، فولدت الأخلاق والمثل أولا لمراعاة مزاج القوة والتماهي معها.
إن الحياة الأجتماعية التي صاغها مبدا غلبة القوة والتي نبعت أساسا من تحكمات الأنا الذاتية هي من قادت الحراك التأريخي ووظفته ليكون بداية قصة التأريخ، فلولا الشعور بالذات والإحساس بمطالبها وحاجاتها التي تتجدد ولا تنتهي لم يتحرك الإنسان من موقعه الأول، ولم يضطر لأن يتنازع من أجل الأستجابة لتلك الحاجات حتى وجد نفسه دائم التفكير في إيجاد أفضل تلبية لها وبأكثر من طريقة للأستجابة، إذا الفكر وبداية المغرفة الأولى وأكتشاف التعبير الواضح عنها من خلال الكتابة أو الفنون البدائية لم يكن أيضا إلا نتاج واحد من نتاجات الأستجابة للحاجات بمفهومها السيكولوجي.
يجب علينا كدارسي التأريخ بالنمط الذي يعني البحث عن حقائق وجود الإنسان أن لا ننجر دوما لتفسيرات تأويلية تقديرية دون أن نعزل الإنسان كصانع للتأريخ بوجوده ولوجوده، بل أن الإنسان وحياته ووجوده وتطوره هو روح التأريخ وإلا لماذا كل هذا الأهتمام بالتأريخ من قبله؟ والإصرار على التوغل في الماضي للبحث عنه، وبعيدا عن تأريخنا نحن بني الإنسان وعند محاولتنا للكشف عنا وعن أنفسنا نجد تلك المعادلات الوجودية التي مثلت الحياة الأجتماعية القديمة هي ذاتها اليوم من تتحكم بنا، فما زالت الأنا الفردية والجماعية ومقدار ما تملك من قوة وبقدر ما أثرت عليها المعرفة والعلوم والأخلاق وقوانين الأقتصاد والفلسفة من تهذيب، هي المحرك الأول لصنع تأريخنا الحاضر، لا أحد ينكر اننا ننطلق دوما من شعورنا بأننا في الوجود نتزاحم نتصارع نعمل معا نشترك في أشياء ونفترق في أخرى، لكن في النتيجة كلها أننا نعمل أستجابة وإرضاء للأنا، بمعنى أدق ما زلنا ننشطر كمجموعات من أجل تحقيق حاجات نفسية بتبريرات وأعذار مختلفة لكن مضمرها الكامن في جوهرها هو الأستجابة لرغبات الأنا.
حتى الدين والعلم والأخلاق والفلسفة لا يمكنها أن تفعل دون الشعور بالإنتماء للأنا التي تجد في تلك المسميات ملاذ لها، ولولا أختلافات الأنا وتبدلات وتغيرات الميل فيها لم نجد مثلا إلا دين واحد ومعرفة واحدة وأخلاق موحدة، ولو أفترضنا على سبيل المثال أن الأنا تعمل بشكل موحد وقياسي ونمطي متماثل لأجل أن تبقى فقط أو كما يقول البعض (أن فرصة البقاء فقط للأصلح)، لكان الحياة سارت على نموذج واحد نموذج طوباوي مثالي جامد، لم يشهد تلك التحولات ولم تحدث الصراعات والحروب والنزاعات بين الإنسان والإنسان، ولكان التاريخ صورة واحدة قياسية بقانون ثابت ويسير على خط مستقيم ببطء شديد في محاولته ان لا يخرق فكرة كون الأنا البشرية لا تتمرد ولا تتضخم خارج الأحسنية تلك.
هذه هي قصة التأريخ من حيث بدا من حيث تحركت الأنا لتستكشف وجودها وتمارس سلطتها على الإنسان الأول، فلا تأريخ بدون إنسان ولا إنسان بدون أنا بشكل ما، بدأ الصراع في التأريخ أولا بين الأنا والوجود ثم بين الأنا والمقابل، ثم بين أستحقاقات الأستجابة ونتائج الفعل، فظهر الصراع الإنساني الأول منسوبا لما حققته الأنا في وجودها من ثروة (نساء وملكية وسطوة) لتتفرع كل مظهرية بصراع خاص، وجد الصراع الطبقي بين القوي السيد وبين الضعيف العبد، بين القوي المالك وبين القن وعبد الأرض، بين الرجل والمرأة وصراع الرغبات وحب النرجسية لديهما، فكل تطورات الصراع الإنساني تجد مفاعلاته في كونية الإنسان الخاضع لقوة الأنا حتى جاء دور العقل لاحقا ليلطف من هذه الصراعات مرة وليتفنن في مرات أخرى لتغيير قواعد الصراع بما يضمن تفوق الأنا بشكل مختار أو حتى بدون وعي، الإنسان الذي صنع قصة التأريخ ليس ذلك الإنسان البسيط الضعيف الذي لا يريد سوى ضمان بقاءه حيا، قصة التأريخ هي قصص الأقوياء فقط.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية