قصص وحواديت من العالم القديم (18) مقتل قيصر

محمد زكريا توفيق
2021 / 9 / 20

كاتو يدمر نفسه في يوتيكا.

ماركوس بروتوس، هو من سلالة جونيوس بروتوس، الذي ضحى بابنه من أجل العدالة وقضية الحرية. أحب ماركوس بروتوس الحرية غاليا، كما فعل سلفه العظيم. لذلك كان يسمى "آخر روماني؛ " كما كان يطلق على فوكيون "آخر يوناني". أي كما نقول نحن، آخر الرجال المحترمين. بعد وفاة هؤلاء الرجال البارزين، لم تعد كلا من روما أو اليونان جمهوريات حرة.

قتل الأثينيون فوكيون بالسم، في الوقت الذي كان فيه فيليب وابنه الاسكندر الأكبر يغزوان اليونان، ويضعاها تحت سيطرتهما. وبعد موت بروتوس، أصبحت روما خاضعة لحكم الفرد. يعني باي باي للديموقراطية والنظام الجهوري.

عندما كان بروتوس شابا، خدم كضابط تحت إمرة كاتو. عندما بدأ قيصر وبومبي يتنافسان على الحكم، انضم بروتوس إلى بومبي، بالرغم من أن بومبي كان قد تسبب في وفاة والده من قبل.

بعد معركة فارساليا في مقدونيا ووفاة بومبي، استقبل قيصر بروتوس، وتعامل معه بلطف وأعطاه ثقته. كاسيوس، روماني آخر، كان صديقا لقيصر. كاتو كان أيضا صديقا لقيصر، وعاشقا للحرية.

عندما عرض على كاتو ذات مرة أن يختار المنصب العسكري الذي يريده، رفضها جميعا، قائلا: "لم أفعل شيئا أستحق عليه هذا التكريم:"

عندما أخبره أحد أصدقاؤه بأن العالم يجده مخطئا في صمته، أجاب: "هذا أفضل من أن يجدني العالم مخطئا في فعلي". وأضاف، "سأتكلم عندما أستطيع الكلام بما يفيد". يعني عندما أستطيع قول رأيي بصراحة.

كان كاتو يعتقد أن مواطنيه مهتمون بالشكليات والمظاهر والمناصب، لكنهم متسيبين أخلاقيا. لم يكن كاتو يهتم بالموضة وآخر صيحة في عالم الملابس والعربات التي تجرها الخيول المطهمة، لكنه كان مثال الاعتدال والبساطة. الخيول المطهمة، تعنى آخر شياكة.

كان يأكل ما يكفي لكي يقيم رمقه، ويلبس ما يكفي لستر جسده، لكنه كان صارما في مراقبته للحقيقة. وكان من شائع القول في المدينة: "إذا قاله كاتو، لا بد أن يكون صحيحا. و، لن أوافق على هذا إلا إذا وافق عليه كاتو".

لا توجد فضيلة مثل الصدق وقول الحقيقة، يمكن أن يتحلى بها الإنسان. كما لا يوجد ما هو أبسط وأسهل من أن تكون صادقا. فليس هناك ما يمنع من قول الحقيقة بدقة. فلماذا لا يتم التحدث بها دائما؟ ونحن نقول بأن الصدق منجي. لذلك أتعجب من رؤساء دول يكذبون كما يتنفسون، ولا يخجلون، ولا يعتبرون هذا عيبا..

كان كاتو مع بومبي، عندما ذهب إلى اليونان لكي يواجه جيش قيصر المنتصر. وتابع بومبي المهزوم إلى مصر، ومعه فلوله. عندما علم بوفاة بومبي، سار بمن معه إلى يوتيكا، وهي بلدة في أفريقيا، ليست بعيدة عن موقع قرطاجة. تختلف عن يوتيكا المقاطعة اليونانية.

هناك ظل ينتظر اقتراب قيصر. عبثا حثه أصدقاؤه على الهرب من الخطر. لكنه لم يكن يستجيب لندائهم. فبدأوا يتخلون عنه في صمت. كان يبغي الانتحار بعد أن فقدت روما حريتها ونظامها الجمهوري.


في تلك الأيام الفاخرة، كان الرومان يتكئون على الأرائك أو يستلقون حول الطاولات لتناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب. لكن كاتو، بعد معركة فارساليا، لم يخلد أبدا إلا للنوم. ومع ذلك، عندما سمع أن قيصر كان في طريقه إلى يوتيكا، دعا إلى حفلة كبيرة لتناول العشاء.

بالرغم من أنه لا يزال يصر على الجلوس وعدم الاستلقاء على الطاولة، تحدث بحرية وببهجة مع ضيوفه. وعندما تركوه، ذهب إلى غرفته، واحتضن ابنه بحنان أكثر من المعتاد. ثم تمدد، وبدأ يقرأ. ولكن، عندما لاحظ أن سيفه لم يكن معلقا في مكانه المعتاد، طلب من خادمه إحضاره له.

كان ابنه، قد أخفى سيفه، عندما لاحظ سلوكه مؤخرا، وخاف أن يقدم على الانتحار. ثم ذهب إليه يرجوه صرف النظر عن إحضار السيف. أجابه بصرامة، أنه يمكنه أن يفعل ذلك بدون السيف، لأن هناك طرق أخرى للموت.

بعد ذلك بوقت قصير، أخذ طفل صغير السيف وأعطاه لكاتو. عندما سحبه من غمده ورأى حافته حادة تلمع في الضوء، قال: "الآن، أنا سيد نفسي".

لكي نفهم مثل هذا السلوك، يجب أن نعرف أن الانتحار كمظهر من مظاهر الاحتجاج، في الديانات الوثنية، كان يعتبر أفضل الفضائل. هذا بعكس الديانات الكتابية التي تعتبر الانتحار من أبشع الجرائم المحرمة.

قرب الفجر، سمع ضجيج في غرفة كاتو، هرع ابنه فوجد مخاوفه قد تحققت. لقد طعن والده نفسه بسيفه، وكان ينزف ويرقد في بركة من الدماء، إلى أن مات.

أسف قيصر عند سماعه بوفاة خصمه كاتو. بورسيا، ابنة كاتو، كانت متزوجة من بروتوس، وكانت تستحق مثل هذا الوالد ومثل هذا الزوج.
انتحر كاتو عام 46 ق م.

يوليوس قيصر:

يجب ألا ننظر إلى يوليوس قيصر على أنه مجرد جنرال قهر فقط. لأنه، كان خطيبا مفوها، لدرجة أن سيسرو وحده هو الذي كان يفوقه في الخطابة في ذلك الوقت.

كتب قيصر تاريخ معاركه الخاصة، تحت اسم "تعليقات قيصر". الإصلاح الذي قام به في التقويم يثبت اهتمامه بالعلم.

قبل وفاة كاتو، ذهب قيصر إلى مصر لمطاردة بومبي. وصل إلى الإسكندرية، فوجد أن بومباي قد أغتيل بيد أحد المصريين أثناء نزوله من المركب. لكن الذي أبهر يوليوس قيصر، جمال الإسكندرية وعظمة المصريين في ذلك الوقت.


دعت كليوباترا يوليوس قيصر إلى وليمة في القصر الملكي. لكن قيصر اكتشف في الوقت المناسب، عن طريق حلاقه الخاص، مؤامر لقتله، دبرها رجال الملك الصبي أخو كيلوبترا.

بعد مقاومة شرسة استطاع قيصر أن يهرب إلى سفنه في ميناء الاسكندرية التي كانت محاصرة بالأسطول المصري.


أرسل قيصر رسولا يطلب النجدة من الحامية الرومانية الموجودة في بلاد الشام. في نفس الوقت قام بعدة هجمات على الميناء لتعزيز موقفه.


أحد هذه الهجمات تسببت في حرق جزء كبير من مكتبة الإسكندرية، وتدمير كتبا ومخطوطات لا تقدر قيمتها بثمن. في أحد هذه المعارك، سقط قيصر في الماء ونجا من الغرق بأعجوبة.

بعد خمسة شهور، وصلت النجدة الرومانية لقيصر. فقام بهزيمة الجيش المصري. لكي تقابل كليوباترا قيصر، لفت نفسها بسجادة، وحملت إلى القصر مربوطة مثل بالة من السلع.

عندما رآها قيصر، بهره جمالها، وسحر حديثها. فهي ليست مثل نساء روما غير المثقفات وغير المتعلمات. كانت تعرف سبع لغات وعلى دراية بالثقافة الهلنستية والعلوم والفلسفة. فقام قيصر بتنصيب كيلوبترا على عرش مصر، بدلا من أخيها الصبي، بطليموس.

وقع يوليوس قيصر في غرام كليوباترا. وقام برحلة نيلية معها لمدة شهرين، أنجب فيها ابنا اعترف ببنوته وبزواجه منها فيما بعد.

كانت العلاقة بين قيصر وكليوباترا أبعد ما تكون عن مجرد شغف عاطفي متهور. فقد كان الطرفان سياسيين مخضرمين، ولم يكن أيا منهما بأي شكل من الأشكال ساذجًا.

لقد أدى زواجهما إلى تحالف سياسي، له مدلول مثالي. بهدف أن تظل مصر مستقلة، لكن تحت حماية روما. وكانت روما ستستفيد من كرم مصر وأموالها بكونها أخصب أراضي العالم.

خلال رحلة قيصر النيلية، كان يناقش علماء مصر وحكمائها.
أحد هؤلاء العلماء هو سوسيجينوس الذي كتب العديد من الكتب عن الفلك والنجوم. أخبر سوسيجينوس القائد الروماني الكثير عن السنة الشمسية والتقويم المصري، وقارنه بالتقويم الروماني، ونصحه بإصلاح التقويم الروماني البدائي.

في شهر يونية عام 47 ق م، وبعد معركة مع ملك سوريا ومعركة مع فلول خصمه بومبي، عاد قيصر إلى روما لكي ينصبه مجلس الشيوخ دكتاتورا لمدة عشر سنوات.

أول شيء قام به يوليوس قيصر بعد تنصيبه، هو إصلاح التقويم الروماني القديم المبني على السنة القمرية، بناء على نصائح العلماء المصريين، وقام باستبداله بالتقويم الشمسي، المبني على العلم، والأكثر فائدة.

ثم قام قيصر بتعميم التقويم الجديد على كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وأصبح التقويم يعرف منذ ذلك الحين بالتقويم اليولياني. نسبة إلى يوليوس قيصر. بعد ذلك بمئات السنين، تم تعديله إلى ما يعرف بالتقويم الجريجوري، وهو التقويم الذي يستخدمه العالم اليوم.

لكي يفعل ذلك، كما يقول بلوتارخ، دعا كل علماء وفلاسفة الإسكندرية ومنهم سوسيجينوس إلى روما لكي يطبقوا التقويم الشمسي الجديد الذي سمع به في مصر.

التقويم الذي أخذوا به، هو التقويم الذي أمر به بطليموس الثالث عام 238 ق م. السنة 365 وربع يوم. ثلاث سنوات بسيطة عدد كل منها 365 يوما، تتبعها سنة كبيسة 366 يوما.

ولكي يطابق التقويم الجديد الاعتدال الربيعي الذي يقع يوم 25 مارس، تم إضافة شهرين لسنة 46 ق م، أحدهما 33 يوما والآخر 34 يوما، بين شهري نوفمبر وديسمبر. بالإضافة إلى شهر آخر في فبراير، حتى يصبح طول سنة 46 ق م، 445 يوما. بذلك تصبح أطول سنة في التاريخ، لذلك سميت بسنة اللخبطة.

قام قيصر أيضا بتغيير أول السنة من مارس إلى يناير. كما أنه أضاف 11 يوما للشهر القمري حتى تكون السنة 365 يوما، بحيث يصبح الشهر إما 30 أو 31 يوما، فيما عدا شهر فبراير الذي كان 29 يوما في السنوات البسيطة و30 يوما في السنوات الكبيسة.

بعد ذلك، سرق العلماء يوما من شهر فبراير، لكي يضاف إلى شهر يوليو، بذلك يكون شهر يوليو 31 يوما، مساويا لشهر أغسطس. وما فيش حد أحسن من حد. يوليوس قيصر، لم يكن في العظمة بأقل من أوغسطس (أوكتافيوس).

ظل التقويم المصري مستخدما حتى سنة 30 قبل الميلاد. ثم فرض التقويم الروماني على المصريين بأمر من قيصر. بذلك، أصبح أول شهر توت بداية السنة في التقويم المصري القديم (القبطي)، يوافق يوم 29 أغسطس من كل عام حسب التقويم اليولياني.

لقد ترك قيصر كليوباترا ملكة في مصر. وقبل أن يغادر يوتيكا، أعطى أوامره بإعادة بناء مدينتي كورنث وقرطاجة. فقد دمرت هتان المدينتان في نفس الوقت تقريبا، أعيد بناؤهما في نفس الوقت.

عند عودته إلى روما، حقق انتصارا رائعا، وانتخب قنصلا للمرة الرابعة. حاول أبناء بومبي مهاجمته مع جيش جمعوه في إسبانيا. كان قيصر على وشك الهزيمة، لكنه وقف يخطب وسط قواته قائلا: "ألا تخجلون من تسليم قائدكم إلى مجموعة أولاد؟"

بذلك، أعادهم إلى المعركة بحماس، وحقق النصر. وقال لأصدقائه، وهو يتقاعد من ميدان المعركة، "لقد حاربت في كثير من الأحيان من أجل النصر؛ لكن هذه المرة، كنت أحارب دفاعا عن حياتي." وكانت هذه آخر حروبه.

كان قيصر في قمة قوته، بالرغم من أن بعض الرومان ندموا على رؤيته متسلطا على مواطنيه، وعلى أبناء بومبي الشجعان. ومع هذا صنعوه ديكتاتورا مدى الحياة.

أوصى سيسرو بأن يحصل قيصر على كل شرف يستحقه. لكن، آخرين تملقوه وأثنوا عليه بدون سبب، سوى أنه في السلطة. وعندما أمر بترميم وإعادة تماثيل بومبي إلى مكانها، قال سيسرو، إن قيصر، بهذا الفعل، قد رفع سمعته هو.

عادة، الوصول للمجد، يصحبه حسد وعداوة. لذلك كان لقيصر العديد من الأعداء. وكان يحذره أصدقاؤه، ويطلبون منه أن يكون يقظا. كانوا يعرضون أن يكونوا حراسه. لكنه لم يكن يستمع لهم. وقال إنه "من الأفضل أن يموت مرة واحدة، على أن يعيش دائما في خوف".

كان مارك أنطونيو، معجبا كثيرا بقيصر. في يوم من الأيام، أثناء اجتماع عام، قدم له إكليلا في شكل تاج. عدد قليل من الناس استحسنوا هذا الفعل، وصفقوا. لكن عندما رفض قيصر الإكليل، كانت الصيحات بصوت عال تملأ المكان.

ربما فعل قيصر هذا لاختبار طبيعة الناس. الرافضة لكي يكون ملكا. منذ ذلك الوقت، كان يرفض تتويجه ملكا على الامبراطورية الرومانية. لكن المؤامرة التي تم تدبيرها لقتله، كانت الآن ناضجة للتنفيذ.

في عام 44 ق م، جاء يوليوس قيصر لحضور عيد 15 مارس، وهو عيد ديني بالنسبة للرومان. تقام فيه المهرجانات والألعاب الرياضية والعروض العسكرية.

أثناء ذهاب قيصر لحضور اجتماع مجلس الشيوخ، قابل في طريقه عرافا، كان قد سبق أن حذره من مغبة ذلك اليوم. عندما أعاد العراف تحذيره، قال قيصر: هذا هو اليوم ولم يحدث لي شيء. أجاب العراف، لكن اليوم لم ينته بعد.

أرسل قيصر حرسه الخاص بعيدا، وجلس على عرشه داخل مجلس الشيوخ. تقدمت إليه مجموعة من واضعي القوانين، وطلب أحدهم توقيعه على وثيقة. عندما رفض قيصر، هجم عليه ومزق ثيابه.

كانت هذه إشارة إلى 23 من أعضاء مجلس الشيوخ بالهجوم على قيصر بالخناجر. كان أحدهم، بروتوس، ولي نعمته وأقرب الناس إلى قلبه. نظر إليه قيصر بحسرة قائلا قولته الشهيرة: " حتى أنت يا بروتوس". ثم توقف عن المقاومة وغطى وجهه بجلبابه، وسقط مدرجا في دمائه على الأرض. أسفل تمثال بومبي.

هرب المتآمرون طلبا للأمان. لكن لم يمت أيا منهم موتة طبيعية. من المؤكد أن بعضهم، بروتوس على سبيل المثال، اشترك في قتل قيصر بسب غيرته على بلده ورغبة في الحصول على حريتها. الآخرون كانت لهم دوافعهم المختلفة. لكن جميعهم تمت إدانتهم.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي