الأقليات في الوطن العربي.. والربيع العربي الجزء الثاني

حسن الشامي
2021 / 9 / 19

الثورات العربية، أو الربيع العربي أو ثورات الربيع العربي في الإعلام، هي حركات احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أواخر عام 2010 ومطلع 2011، متأثرة بالثورة التونسية التي اندلعت جراء إحراق محمد البوعزيزي نفسه ونجحت في الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، وكان من أسبابها الأساسية انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية. ولا زالت هذه الحركة مستمرة حتى هذه اللحظة.

ونجحت الثورات بالإطاحة بخمسة أنظمة حتى الآن، فبعدَ الثورة التونسية نجحت ثورة 25 يناير المصرية بإسقاط الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ثم ثورة 17 فبراير الليبية بقتل معمر القذافي وإسقاط نظامه، فالثورة اليمنية التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي، ثم الثورة السودانية في 2019 استطاعت إسقاط الرئيس السابق عمر البشير.

إن عملية التخلي عن هوية الأقلية لصالح هوية الأغلبية كانت أمرا شائعا خلال القرن الماضي، لكن الأقليات، في كل أرجاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، ترفض اليوم التخلي عن هويتها.

والموسوعة تشير أيضا إلى أنه "من ناحية الهوية، يمثل البربر 40 % فقط من سكان المغرب جميعا، و30 % فقط من الجزائريين، و5 % من التونسيين و10 % من الليبيين وهو ما يجعل عددهم أكثر من 20 مليونا. وهذا يوضح أن الهوية ليست مجرد مسألة الدم وإنما أيضا مسألة خيار، هل تستطيع الدولة أو هل يجب عليها إرغام الأقليات فيها على تقرير أنهم ليسو بربرا أو أكرادا ومن ثم التخلي عن هويتهم ولغتهم وحقوقهم الثقافية ليصبحوا عربا؟

ومع تزايد الاتجاه نحو الديمقراطية فإن الأقليات تسعى لأن تجاهر بالمطالبة بحقوقها وتنظم المظاهرات لهذا الغرض وتخلق مشكلات للدولة وتؤثر على نتائج الانتخابات، فكيف سيتعامل العالم العربي مع هذه القضية؟

ومن المرغوب فيه من حيث المبدأ رؤية جميع الأقليات تنصهر في مجتمعاتها التي تعيش فيها. ولكن حتى في الولايات المتحدة نفسها لا نجد هذه الأقليات منصهرة في المجتمع الأمريكي بكل ما في الكلمة من معنى. وفي دول كالجزائر والعراق فإن الأقليات فيهما تبدي استعدادا أقل للتخلي عن هويتها.

وهناك دول إسلامية أخرى مثل إيران وأفغانستان وباكستان تعاني من مشكلات الأقليات العرقية بشكل أكبر مما تعانيه بعض الدول العربية. كما أن الدول الأفريقية تواجه مشكلات معقدة هي الأخرى تتمثل في تنافس المجموعات العرقية داخل الدولة الواحدة.

ولذلك على الدول العربية أن تفكر في معنى هوية الأقلية من أجل مستقبل أكثر ديمقراطية. وهذه واحدة من القضايا التي تواجه اليوم المعارضة العراقية وهي تبحث عن عراق المستقبل ومكان الأقلية الكردية والأقلية السنية العربية فيه.

إن التنوع الإثني والديني في العالم العربي أو ما يعرف بالأقليات هو نقاش قديم جديد يعود إلى واجهة الجدل مجدداً في زمن الثورات العربية البطريرك الماروني بشار الراعي أثار زوبعة من ردود الأفعال مؤخراً في تصريحاتٍ صور فيها نظام الأسد في سوريا بأنه ضامن للوجود المسيحي في الشرق وهذه أيضاً وزارة الخارجية الأمريكية تحذر في تقريرٍ حديث مما سمتها مخاطر تهدد الأقليات في العالم العربي بسبب التحولات التي يمر بها العالم العربي، وبعيداً عن هذه المواقف فليس خافياً أن التنوع العرقي والديني في الوطن العربي تحول خلال العقود الماضية إلى أزمة أقليات وغدا واحداً من أخطر بؤر التوتر التي تهدد نسيج مجتمعاته ومنظومة أمنه القومي، اليوم إذن يعود هذا الملف ليطرح نفسه كتحدٍ وكاختبار للنخب الحاكمة المتشكلة في الوطن العربي بعدما أطاحت الثورات العربية ببعضٍ من نُظمه الاستبدادية التي لطالما استخدمت ورقة الأقليات لإقصاء خصومهم ردحاً من الزمن.

وخلص البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي إلي مفاضلة بين سيءٍ موجود وأسوأ قد يأتي نختار السيئ،
عندما تحدث عما يجري في سوريا، فجر الكلام عاصفة من ردود الفعل، انتقده كثيرون بينما دافع عنه البعض ورأوا فيه مكاشفةً صريحة لمخاوف أثارتها هيلاري كلينتون نفسها، يفترض الرجل أنه إذا ذهب نظام بشار الأسد وأتى نظام كالإخوان المسلمين فإن المسيحيين سيدفعون الثمن قتلاً وتهجيراً. وتبلغ الصدمة ذروتها حين يخلص البطريرك إلى معادلة قوامها أنه إذا انتصر السنة في سوريا كما قال فإنهم سيتحالفون مع السنة في لبنان مما يحيق خطراً بالمسيحيين والأقليات، كثيرون ومنهم مسيحيون لمسوا في كلامه ما يشبه تحالف أقليات في وجه أغلبيةٍ ثائرة لا يرى منها غير هويتها الدينية ويستبطن الموقف كما قد يفهم تسامحا مع الاستبداد طالما أنه لا يطال هذه الأقليات.

وتقع هذه الإرهاصات في خضم ثوراتٍ ما كانت تقع لولا أنظمة من الحكم ابتلعت في سبيل بقائها حقوق الجميع ولعبت طويلاً على وتر التخويف مما تعرف بفزاعة الإسلاميين، الثورات التي فجرها تونسي فقير وضعت الجميع أمام حقيقةٍ مختلفة فلا ثورة انطلقت بعناوين دينية ولا أهدافها قومية كبرى ويصدف أن الواقع العربي الذي تفجرت فيه الثورات هو فسيفساء دينية ومذهبية واثنيه، مسيحيون وشيعة وعلويون وأكراد وأرمن بين غالبيةٍ عظمى من المسلمين السنة العرب شكلت بالتالي غالبية الثائرين على حكامها بدءاً من تونس وصولاً إلى ليبيا وإلى اليمن وفي تلك البلدان المكون الجهوي القبلي هو الطاغي.

والأخطر كان الواقع الطائفي، في مصر طلبت كنائس قبطية من أتباعها عدم المشاركة في الثورة عند اندلاعها، لكن في ميدان التحرير كان يمكنك أن تلحظ وجود شبابٍ أقباط إلى جانب المسلمين، بعد الثورة أكدت الكنيسة وقوفها إلى جانب شباب الثورة وتمسكها بدولةٍ مدنية ديمقراطية ويعبر بعض الأقباط اليوم عن مخاوفهم من وصول تياراتٍ إسلامية إلى السلطة ويبقى المشهد الأكثر تعقيداً في سوريا امتداداً إلى لبنان، يصر السوريون على نبذ الطائفية لكن الواقع ليس حالماً إلى هذه الدرجة إذ لا يخفى تنفذ الطائفة العلوية التي تشكل 12 % من عدد السكان في مواقع القرار، النظام السوري تحدث من اللحظة الأولى لاندلاع الانتفاضة عن مؤامرةٍ طائفية يقودها سلفيون وإرهابيون مع استمرار الثورة والقمع وقف معظم ممثلي الأقليات إما إلى جانب النظام أو على الحياد وهو واقع ينذر بانفجارٍ كبير إذا لم يستدرك وذلك بالضبط ذهب إليه رئيس وزراء تركيا حين حذر من حربٍ أهلية إذا لم يوقف الأسد ما يجري، مخاوف تدركها نخب الأقليات التي تصدر بين حينٍ وآخر بياناتٍ تؤكد دعمها مجيء نظامٍ ديمقراطي تكون فيه المواطنة هي الضمانة بدل التمسك بتلابيب استبدادٍ لا ينتج غير اضطهادٍ ومخاوف تتسلل منها مفاهيم عجيبة لا ترى بأسا مثلاً في أن تبيد الأغلبية كي تبقى الأقلية وتطمئن.

في الواقع لا ندري إن كان توصيف أو وصف الربيع يليق بالثورات العربية في نظر الأقليات الدينية وأتحدث عن الأقباط في مصر، هل هذه المخاوف التي تثيرها الأقليات لها ما يبررها ؟
بالطبع لها ما يبررها، لكن لابد أن نؤكد على حقيقة في البداية أننا نتحدث عن نموذج مصري ربما يكون مختلفاً عن بعض النماذج العربية الموجودة، لدينا دولة موحدة، لدينا دولة مركزية، لدينا حالة من الاندماج الإسلامي المسيحي الموجود داخل المجتمع المصري على مدار عقود وعلى مدار قرون وإن كان اختبر بعض اللحظات من التوتر، ما نريد أن نقوله أن المسيحيين في مصر كانوا من أشد المنتقدين للنظام وعدم حصولهم على حقوق المواطنة كاملةً وهذا لا يعني أنهم في خصومة مع المسلمين ولكن مشكلتهم كانت مع النظام، ومشكلتهم أيضاً لم تكن مع الحركة الإسلامية لأن الحركة الإسلامية لم تكن في الحكم، فمشكلتهم الحقيقة كانت مع النظام الذي لم يكن يمنحهم الوظائف، لم يسمح بتمثيلهم السياسي الملائم، لم يسمح بتوليهم مواقع قيادية، فرض بعض القيود عليهم في مسألة بناء دور العبادة، إذن نحن نتحدث عن حالة كان المجتمع المصري كله كان يعاني منها، كان هناك إسلاميون يعانون وكان هناك مسيحيون يعانون وكان هناك تيارات سياسية إلى آخره..

لابد أن نفرق ما بين الكنيسة القبطية والأقباط :
فالكنيسة القبطية بوصفها مؤسسة كانت تتفاعل مع هذا النظام وكانت تتعامل معه ولم يحدث أن خرجت الكنيسة القبطية على أي نظام كان في مصر، على مدار قرون، والكنيسة القبطية بوصفها كنيسة تضم في النهاية قلة عددية ولا أحبذ أن أقول أقلية هي في النهاية إنما تتعامل مع هذا النظام، أما الأقباط أنفسهم فكانوا يعبرون عن حنقهم، عن غضبهم ونزلوا في المظاهرات حتى بالرغم مما ذكر من جانب الكنيسة في هذا الصدد.

والأمر الأساسي أننا كنا نحلم ولازلنا نحلم بدولةٍ مصرية جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية ولكن هناك كثير من الهواجس أعقبت هذه الثورة مثلما أعقبت ثورة 1919 م ونتذكر أن التلاحم الإسلامي المسيحي تعرض أيضاً لبعض التصدعات في أعقاب ثورة 1919 م..

وهناك العديد من المشاكل التي يعرفها القاصي والداني مشكلات تتعلق ببعض القضايا ببناء وترميم كنائس، تتعلق بكنائس مغلقة وعد رئيس الوزراء أن تفتح ولم تفتح، قانون لبناء دور العبادة أيضاً وعد به منذ شهور ولم يصدر، هناك قضايا كثيرة يضاف إلى هذا أيضاً أن الخطاب الإسلامي في بعض عناصره هو خطاب غير واضح وأحياناً يحمل إنكارا للمواطنة بالنسبة للمسيحيين، والخطاب الإسلامي ليس خطاباً واحداً من جانب الإخوان المسلمين ربما يكون الخطاب وسطيا ويتحدث عن المواطنة والاندماج وإن كان الأمر يحتاج إلى إجراءات وسياسات عملية على أرض الواقع.

ولكن من جانب قوى جديدة دخلت على المجتمع السياسي مثل القوى السلفية، لو نظرنا إلى الخطابات التي تصدرها والمواقف التي قامت بها هي تنزع عن المسيحيين المواطنة وتتحدث عن الذمة وتتحدث عن الجزية وتتحدث عن أشياء من قبيل الماضي في الدولة القديمة، لم تعد في دولة حديثة نحلم بها مثلما خرجت وثيقة الأزهر وطالبت بدولة حديثة تقوم على المساواة والمواطنة لكل المصريين.

لدينا ثلاث تجارب على الأقل في العالم العربي والربيع العربي في ليبيا، وفي تونس، وفي مصر، لم نلمس أن الأصولية أقوى مما كانت قبل هذا الربيع العربي.. مثلا في سوريا نجد هناك تعدداً وتنوعا وهناك كثير من التفاعل الاجتماعي أكثر من سواه من الدول العربية، ونحن لا نتوقع أبداً أن تأتي الأصولية كذا بذهنية متخلفة وأن تحكم على الأقليات، المشكلة هي في الأساس عند الأقليات نفسها في نظرتها إلى نفسها، هي تصنف نفسها أقلية.. فالمسيحيون عبر التاريخ منذ الأمويين والعباسيين مروراً بالمماليك والعثمانيين كانوا منخرطين في صلب الدولة، دولة الأكثرية، دولة السنة، وكانوا يعملون في الإدارة، وفي المال، وفي الاستشارة، والمسيحيون حين ينكفئون يتحولون إلى أقلية..

فالمسيحيون في القرن التاسع عشر أطلقوا وساهموا مساهمة أولى في إطلاق النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر بين بيروت ودمشق والقاهرة خصوصاً واليوم هم مدعوون إلى خوض غمار التغيير العربي والربيع العربي بدون تردد ولا وجل ولا أي خوف ولا أي نظام دكتاتوري يضمن الأقليات، هو يحتمي بالأقليات، ويستخدمها ويوظفها من أجل أن يبقى.. وهذا دليل نموذج بسيط استعمله بشار الأسد في الإتيان بوزير مسيحي إلى الدفاع، كي يغرقه ويغرق الأقلية المسيحية في هذا الولوغ في الدم السوري..

أن هذا الخوف مبالغ فيه، لكن هناك من يرى أن البطريرك بشارة الراعي يخشى حقيقةً على مسيحيي سوريا من مصير مماثل للمصير الذي آل إليه أيضاً وضع مسيحيي العراق، قتل تشريد إحراق كنائس تفخيخ أديرة وربما القوى التي فعلت ذلك في العراق لها من يمثلها أيضاً في سوريا، ترى هل ذلك منطقياً وواقعياً؟

والنموذج العراقي لا ينسحب على النموذج السوري طبيعياً، ولكن حتى في النموذج العراقي دعونا نرى بشكل واقعي الأمر، الحكم في العراق اليوم، هو حكم بطبيعة إيرانية بميل إيراني، هو حكم الشيعة وليس السنة، رغم أن السنة هم الأكثرية في العالم العربي.

والنظام الاستبدادي يستخدم ورقة الأقليات لتشطير المجتمع وإضعافه وإحكام القبضة والسيطرة عليه، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن نتوقع مزيداً من التهميش أو الإضعاف للأقليات، إن جاز التعبير لبعض المواطنين أنهم أقليات، المسيحيون في مصر ليسوا أقلية وكذلك المسيحيون في الدول العربية ليسوا أقليات وإن كانوا من حيث العدد قلة، لكنهم مواطنون كاملي المواطنة.

إن الخطاب الإسلامي يقوم على أسس ثابتة راسخة من كاتب الله وسنة رسوله وعلى التطبيق العملي في نظرية الإسلام عن الدولة وعن الحكم وعن النظام السياسي، الدولة في الفكر الأساسي تقوم على ركيزتين أساسيتين، الركيزة الأولى هي مبدأ المواطنة ذلك أن أول وثيقة في التاريخ الإنساني عرفت مبدأ المواطنة ووضعت له محتوى ومدلول هي وثيقة المدينة، ميثاق المدينة الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يهاجر فانتقل من مكة إلى المدينة ولم يدخل المدينة ومكث بقباء هناك ثلاث ليال يقدم عليه فيها غير المسلمين من ساكني المدينة وأبرم لهم ميثاقا كان النص الأول فيه، هو نص لم تكن تعرفه الحضارات القانونية ولم تعرفه الدول قبل الإسلام، وهو أن المسلمين واليهود في المدينة أمةٌ واحدة، هذه هي الوثيقة الأولى في التاريخ القانوني التي تعرف مبدأ المواطنة التي توجد معنى للأمة مختلفا عما كانت تعرفه البشرية أنها جماعة من الناس تلتقي على أمر مشترك قد يكون في الدين أو العرق أو الأصل أو غيره من مما تجتمع عليه البشرية، لكن لم تكن تعرف معنى الإجماع على إقليم محدد وأن تخضع لسلطة سياسية وأن تنشأ رابطة قانونية بين من يقيم على هذا الإقليم وهذه السلطة السياسية، تكون هذه الرابطة هي المعيار الوحيد في اكتساب الحقوق والتمتع بالحريات التعامل بالالتزامات.

هذا الخطاب وهذه ثوابته وهذه أطره النظرية التي لا يملك لا الإخوان ولا غيرهم أن يخرجوا عليها أو أن يخرجوا عنها إن خرجوا عنها فهم خاطئون، هذه ثوابت أصلية في الخطاب الإسلامي ثابتة بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة.. أصول ثابتة في النظرية الإسلامية في الحكم وفي الفكر السياسي وفي النظام السياسي، تتحدث عن المواطنين باعتبارهم يتمتعون بالرابطة القانونية بينهم وبين الدولة والسلطة السياسية، هذه الرابطة هي المعيار الوحيد في التحمل باكتساب الحقوق والتمتع بالحريات والتحمل بالالتزامات.

حينما يأتي الاستبداد تستخدم أوراق الأقليات للتشطير وللتبغيض لمزيد من الإضعاف كي لا يقوى المجتمع لا يجابه الاستبداد ويسقطه، وتستخدم هذه الورقة أيضاً في مخاطبة ومداعبة ومغازلة القوى الخارجية التي ستكون إقليمية وعالمية لكي تكرس الاستبداد وتكرس وجوده ويضمن هذا وجوده لأبعد مدى..

والحل الوحيد لكي يتمتع كافة المواطنين باعتبارهم مواطنين هو نظام قانوني يفرز الدولة القانونية الصحيحة التي تحترم الحقوق والحريات وتقوم على أساس المواطنة وعلى أساس مبدأ سيادة الشعب ويندرج كل ذلك في دستور مكتوب واضح يضمن الفصل بين السلطات ويضمن الحقوق الحريات والأمن بنطاق واسع ويضمن الرقابة القضائية الشاملة على ممارسة الحقوق والحريات ويضمن معايير تكريس القاعدة القانونية التي هي في وجهة نظرها في النظام الإسلامي أن الشريعة الإسلامية بما ضمنته من أصول وثوابت مستقرة تضمن حقوق الناس كافة بغض النظر عن أجناسهم أو أديانهم أو ألوانهم أو عقائدهم.

إن الشباب الذين قادوا هذه الثورات لا يستطيع باحثٌ واحد أن يجد فيها أو يتقدمها أو يتقدم خطابها انتماء دينياً أو عرقياً أو قومياً عربياً، هؤلاء عبروا، عن الحرية والكرامة والمواطنة وضد الاستبداد وضد الفساد.. هؤلاء الشباب، شباب عصري واعي.

وفي كل هذه الثورات.. تخلفت الأحزاب السياسية سواءً الدينية أم القومية أم اليسارية عن الالتحاق بالثورة وتحاول أن تلتحق بالثورة الشبابية، بثورة الحرية والكرامة وأن تجد لها مكاناً في هذا التسارع الذي يحدث من أجل استعادة المجتمع والوطن من الاستبداد الذي ألغى التنوع الثقافي والتنوع الاجتماعي لمكونات المجتمعات العربية.

في إطار الدولة الجديدة، نعم، نعني الدولة القانونية، هي الدولة التي تقوم على مبدأ المواطنة باعتبارها ركيزة أساسية وعلاقة واحدة بين المواطن والدولة في التعاطي مع الحقوق والحريات العامة، والترجمة العملية له مبدأين مبدأ المساواة ومبدأ تكافؤ الفرص بين كل المواطنين بغض النظر عن الجنس أو الأصل، أو العرق أو الدين أو غير ذلك مما يميز بين الناس، والركيزة الثانية مبدأ سيادة الشعب وله ترجمة كما قلت، دستور مكتوب يحدد شكل الدولة ونظامها السياسي، ويقوم بنظام الحكم فيها على مبدأ الفصل بين السلطات.

والأهداف الديمقراطية كالمواطنة والعدالة وحقوق الإنسان والاعتراف بالآخر هي القيم الإنسانية، التي نتفق عليها، سواء كنا مسلمين (السنة أو الشيعة) أو مسيحيين (كاثوليك أو أرثوذكس أو بروتستانت) سواء دروز أو أكراد، ، إذن المسألة تتجه باتجاه واضح نحو مصلحة المجتمعات العربية، وليس خطوة إلى الوراء إلى عهد الحشاشين مثلا، أو حتى عهد ابن تيمية وسواه.

والسؤال كيف يمكن جعل الربيع العربي ربيعا لكافة المجموعات الدينية والعرقية، وهل ثمة مسؤولية على عاتق هذه المجموعات؟
أن ربيع الثورات الذي سيؤدي إلى أنظمة ديمقراطية سليمة قائمة على أسس مواطنة، ودولة مدنية عصرية بدستور أربعين خمسين سنة غابت عن مجتمعاتنا، دستور ينظمها، وقانون يفصل في أمورها، ليس لمن يرى في نفسه أقلية أو ضعفا أو تميزا، ليس له من حماية غير دولة الديمقراطية، غير الديمقراطية كنظام يفصل بين السلطات وتتقدم حقوق المواطنة، على الامتيازات التي تعطى هبات لهذا التابع أو ذاك، كان على البطريرك الراعي أن يتمثل بفارس الخوري لا أفهم هذه الهدية المجانية التي قدمها للسلطة السورية التي أرادت منه أن تخردق الحصار الدولي المتواضع الذي يحاول أن يمنع قتل السوريين، يعني هذا الكلام أعيده لإخوتنا الموارنة، في سوريا مكونات الشعب السوري اضطهدت بالكامل، وأكيد في مصر كذلك، من كان يعرف إذا في محمد بو عزيزي أمازيغيا أم عربيا، صحيح في دولة الاستبداد يقرب الاستبداد بعض الناس، ويبعد بعض الناس.
ولو كان محمد البوعزيزي في الغرب، لكان مصدر تنوع عرقي وديني ومذهبي، طبعا هناك فرق كبير بين النظر إلى الأقليات في الغرب وفي العالم العربي، لأنها في الغرب مصدر تنوع وثراء وغنى، وفي الواقع في العالم العربي يختلف الواقع عن ذلك، لأنها مصدر أزمات ومشكلة، كيف يمكن تحويلها تحويل هذا التنوع إلى مكون أصيل في المجتمعات العربية، وربما لعلها هي الآن من أقدم المجموعات؟

التنوع قيمة إنسانية كبرى :
وهذا يعني عنصر أساسي من عناصر الحياة في المنطقة العربية، المشكلة عادة تأتي ليست من التنوع ولكن في إدارة التنوع، يعني إدارة التنوع التي عرفناها على مدى عقود كانت إدارة رديئة أحيت الأحقاد وعمقت الفجوة ما بين المجموعات المتنوعة المختلفة ووجدت مساحة من الهواجس الكثيرة بينهم، وأحيانا وجدت ذاكرة محملة بمشكلات كثيرة ومشاعر سلبية تجاه بعض المواطنين داخل المجتمعات، اللحظة الحالية هي لحظة فارقة في المنطقة العربية، عندما نبني دولة جديدة، دولة نستعيد بها مفهوم المواطنة، دولة وطنية حديثة تقوم على إدارة التنوع.
وإدارة التنوع تحتاج إلى عدد من المتطلبات هي : حكم كامل للقانون ومساواة الكاملة لكل المواطنين بصرف النظر عن أي اختلاف في اللون أو الدين أو الجنس أو العرق، ومساواة في الفرص والوصول إلى مراكز اتخاذ القرار، ومشاركة لا تحمل المغالبة ولا تحمل الإقصاء لأي طرف من الأطراف، وحرية ثقافية وحقوقا ثقافية داخل المجتمعات العربية.. هذا العنصر الغائب عن الثقافة العربية.. والحقوق الثقافية للأفراد وللمواطنين المختلفين هي التي تعمق وتثري الثقافة العربية بنوع من أنواع التنوع وبلون خاص بها، القضية إذن تحتاج إلى منظومة شاملة من الحقوق والواجبات تحتاج إلى دولة مواطنة ودولة قانون ولكنها أيضا تحتاج إلى دولة ترعى المختلفين، وتحترم هذا الاختلاف.

إن المرحلة القادمة بعد الربيع العربي ستكون مرحلة صعبة بالنسبة للأقليات في البلاد العربية. فالأقليات خائفة من التغيير ولذا لم تشارك في الثورات بأعداد كبيرة مما أدى بالأغلبية إلى اعتبارهم خونة متعاونين مع النظام، كما يحدث في سوريا وقلة اشتراك العلويين في التظاهر، أو كما حدث في مصر من جانب الأقباط وضعف مشاركتهم في الثورة تحت تأثير البابا شنودة. وقد بدأت علامات مضايقة الأقليات الدينية في ليبيا عندما عاد الليبي اليهودي داود الحريبي حديثاً إلى ليبيا ليرمم السناجوج اليهودي في طرابلس وتعرض إلى التهديد من الجماعات الإسلامية وتظاهر عشرات الرجال في طرابلس لمنعه من تجديد المعبد. وفي ليبيا كذلك التي لم يعرف شبابها حكماً غير ديكتاتورية القذافي فإن القبائل التي دافعت عن القذافي فسوف تعاني بعد نجاح الثورة من الاضطهاد وربما التقتيل.

ثم هناك العامل الأكبر في اليمن وسوريا وليبيا ومصر وهو الجماعات الإسلامية التي بدأت منذ الآن التهديد باستعمال السلاح إذا لم تحصل على خمسين بالمائة من مقاعد الحكومة. وفي مصر هددت جماعة الإخوان المسلمين بتقديم شهداء أكثر من الذين قدمتهم الثورة حتى الآن إذا أخر المجلس العسكري موعد الانتخابات. فلا محالة أن يستلم الإسلاميون الحكم في تلك البلاد التي شهدت وتشهد الثورات. والإسلام لا يعرف المساواة بين الناس إلا إذا أسلموا وكانوا من غير الإماء والعبيد.
الشعوب لا تتعلم الديمقراطية بين ليلةٍ وضحاها. لا بد من مرحلة انتقالية قد تستمر عقدين أو ثلاثة ليعرف الناس، وخاصة الأميين، التعامل مع الديمقراطية. وإلى أن نبلغ تلك المرحلة سوف تعاني الأقليات في الوطن العربي اضطهاداً وتهميشاً أكثر مما عانته تحت الأنظمة البائدة.

ليس من السهل تعريف الأقليات في العالم العربي أو في بقية دول العالم. فهناك مثلاً النَوَر أي الحلبة أو الجبسي Gypsy كما يسميهم الغرب. هذه الشريحة من الناس تمتد من الشرق الأوسط إلى أوربا الشرقية مثل رومانيا وألبانيا، ودول أوربا الغربية. وهؤلاء يسافرون في الكرافانات ويستقرون في كل موقع عدة شهور ثم يرحلون إلى موقع آخر. وأعدادهم بالملايين، ولغاتهم مختلفة لكن يُقال إن أصلهم واحد. فهل نعتبرهم أقلية؟ ونفس الشيء ينطبق على الطوارق المقيمون بين الجزائر وليبيا وومالي والنيجر وبوركينا فاسو. فجميعهم يتحدثون الأمازيغية مع لهجات محلية حسب البلد الذي يعيشون فيه.

وماذا عن الأقليات الدينية في البلاد العربية والإسلامية؟
هل نعتبر الشيعة في السعودية أقلية لها حق تقرير المصير، والشيعة في البحرين مع أنهم يمثلون غالبية السكان، والعلويين في سوريا، والهزارى الشيعة في أفغانستان، والشيعة في اليمن (الحوثيون)، والأيزدية والتركمان وغيرهم في العراق. وماذا عن الأمازيغ في شمال إفريقيا، والأقباط في مصر؟ وماذا عن السود في موريتانيا؟

الأمم الغربية الآن تحاول دمج البلاد الأوربية في دولة واحدة كبيرة تكون بمثابة الولايات الأوربية المتحدة لتقوى في مواجهة الولايات المتحدة والصين وروسيا. وكلما كبرت الدولة سكانياً ومادياً كلما تحسنت أحوال ساكنيها. إذا وافقنا على إجراء استفتاء للأقليات في العالم العربي فسوف تتفتت تلك البلاد إلى دويلات، كما حدث للعرب في آخر عهدهم بالأندلس.. والأفضل هو إقامة الديمقراطية ودولة القانون التي تساوي بين المواطنين وترفع الظلم عن أي فئة مستضعفة وتعطيها نفس الحقوق والواجبات.

ويخطئ النظام العربي كثيرا (أي نظام كان) إذا اعتقد أنه بإلغاء الأقليات يساهم في حل مشكلتها، بل إنه يساهم في تآكل الدولة بالكامل عبر زيادة الاحتقان الداخلي. لا نتلمس وجود للأقليات في العالم العربي لا في المتداول التربوي عبر مطبوعات وزارة التربية والتعليم ولا في المتداول الثقافي عبر منشورات وزارة الثقافة، ولا حتى في المتاح الإعلامي عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فرغم أن هذه الأقليات تختزن ثقافة وفلكلورا وطقوسا متمايزة وجميلة، إلا أنه يتم تجاهلها عن عمد بسبب النظر إليها كحالات سياسية وليس كحالات تعددية وثقافية وفلكلورية وتراثية ومناطقية، وهذا ما يؤدي إلى زيادة الاحتقان والرغبة في الخروج عن الطوق وضرورة إبراز المكبوت تحت السطح واختراق قشرة السطح بصورة قوية وشديدة ومفاجئة (تحويل الجدران اللامرئية إلى جدران مرئية بشكل واضح).

إن المطلوب من النخبة العربية هو اتخاذ موضوع الأقليات كمحور هام من محاور الانفتاح الديمقراطي الداخلي، والمصالحة الداخلية بين فئات الشعب في المستوى العمودي للخروج من أزمة الأقليات واستفحالها وخروجها عن السيطرة إلى مجال التدخل الخارجي قبل فوات الأوان.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر