الأقليات في الوطن العربي.. والربيع العربي

حسن الشامي
2021 / 9 / 19

الثورات العربية، أو الربيع العربي أو ثورات الربيع العربي في الإعلام، هي حركات احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أواخر عام 2010 ومطلع 2011، متأثرة بالثورة التونسية التي اندلعت جراء إحراق محمد البوعزيزي نفسه ونجحت في الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، وكان من أسبابها الأساسية انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية. ولا زالت هذه الحركة مستمرة حتى هذه اللحظة.

ونجحت الثورات بالإطاحة بخمسة أنظمة حتى الآن، فبعدَ الثورة التونسية نجحت ثورة 25 يناير المصرية بإسقاط الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ثم ثورة 17 فبراير الليبية بقتل معمر القذافي وإسقاط نظامه، فالثورة اليمنية التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي، ثم الثورة السودانية في 2019 استطاعت إسقاط الرئيس السابق عمر البشير.

وأما الحركات الاحتجاجية فقد بلغت جميع أنحاء الوطن العربي، وكانت أكبرها هي حركة الاحتجاجات في سوريا. تميزت هذه الثورات بظهور هتاف عربيّ ظهر لأول مرة في تونس وأصبح شهيرًا في كل الدول العربية وهو : "الشعب يريد إسقاط النظام". ، ثم بعدها كانت الثورة في تونس عندما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، وعدم تمكنه من تأمين قوت عائلته، فاندلعت بذلك الثورة التونسية، وانتهت في 14 يناير عندما غادر زين العابدين بن علي البلاد بطائرة إلى مدينة جدة في السعودية، واستلم من بعده السلطة محمد الغنوشي الوزير الأول السابق، فالباجي قائد السبسي.

وبعدها بتسعة أيام، اندلعت ثورة 25 يناير المصرية تليها بأيام الثورة اليمنية، وفي 11 فبراير التالي أعلن محمد حسني مبارك تنحيه عن السلطة، ثم سُجن وحوكم بتهمة قتل المتظاهرين خلال الثورة. وإثر نجاح الثورتين التونسية والمصرية بإسقاط نظامين بدأت الاحتجاجات السلميَّة المُطالبة بإنهاء الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية بل وأحياناً إسقاط الأنظمة بالانتشار سريعاً في أنحاء الوطن العربي الأخرى،
بلغت الأردن والبحرين والجزائر وجيبوتي والسعودية والسودان والعراق وعُمان وفلسطين (مطالبة بإنهاء الانقسام بالإضافة إلى الانتفاضة الثالثة) والكويت ولبنان والمغرب وموريتانيا.

وفي 17 فبراير اندلعت الثورة الليبية، التي سُرعان ما تحولت إلى ثورة مسلحة، وبعد صراع طويل تمكن الثوار من السيطرة على العاصمة في أواخر شهر أغسطس عام 2011، قبل مقتل معمر القذافي في 20 أكتوبر خلال معركة سرت، وبعدها تسلّم السلطة في البلاد المجلس الوطني الانتقالي. وقد أدت إلى مقتل أكثر من خمسين ألف شخص، وبذلك فإنها كانت أكثر الثورات دموية. وبعد بدء الثورة الليبية بشهر تقريباً، اندلعت حركة احتجاجات سلمية واسعة النطاق في سوريا في 15 مارس، وأدت إلى رفع حالة الطوارئ السارية منذ 48 عاماً وإجراء تعديلات على الدستور، كما أنها أوقعت أكثر من ثمانية آلاف قتيل ودفعت المجتمع الدولي إلى مُطالبة الرئيس بشار الأسد بالتنحي عن السلطة. وفي أواخر شهر فبراير عام 2012 أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تنحيه عن السلطة التزاماً ببنود المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، التي كان قد وقع عليها قبل بضعة شهور عقبَ الاحتجاجات العارمة التي عصفت بالبلاد لعام كامل.

ويعتبر موضوع الأقليات من الموضوعات الهامة والقديمة الحديثة المتجددة مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحدث في الحقب التاريخية المختلفة.. وهو موضوع تداخل تخصصات عديدة مثل علم الاجتماع والسياسة والتاريخ ودراسة الحضارة وعلم الوراثة.
كما أن هذه المشكلة تخفي بداخلها صراعات حقيقية أخرى مثل الصراعات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة والتي تظهر كصراعات عرقية وأثنية.
لذلك يعتبر إثارة منطق الأقليات من أخطر الأمور على الأمن القومي العربي ومن المداخل الهامة التي تتدخل فيها القوى الاستعمارية لتحقيق أهدافها ومآربها وتخترق الأمن القومي العربي وتحقق استراتيجياتها ومصالحها.

فلا تخلو دولة في العالم من الأقليات. ولكن مفهوم الأقليات في ظل مشاريع تفكيك الأرض والهوية والشعب بات يحتمل في بلادنا الكثير من المعاني المتناسلة، وكأن الوطن كله قد أمسى حيزاً لتداخل أقليات بلا هوية جامعة، يطغى فيها الخاص دوماً على العام.

والأقلية بالأساس إما أقلية عددية كبعض المجموعات العرقية أو الدينية كالأفارقة الأمريكيين أو الكاثوليك في الولايات المتحدة مثلاً، وإما أنها أقلية بحكم وضعها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي المهمش بفعل طغيان الأغلبية المهيمنة، ولذلك، تعتبر المرأة في الغرب مثلاً أقلية مع أنها أكثر قليلاً من نصف المجتمع. وهكذا تصبح الأقلية أية مجموعة ترى بأنها تتلقى معاملة غير متساوية مع باقي المواطنين بسبب صفات جسدية أو ثقافية أو اجتماعية خاصة بها، حسب التعريف السائد للأقلية كما وضعه عالم الاجتماع الأمريكي اليهودي لويس ويرث.

وسواء اعتمدنا مقياس الأقلية العددية أو مقياس التهميش، فإننا يمكن أن نشتق عدداً لا نهائياً من الأقليات عملياً من أية مجموعة تعتقد بأن لديها قضايا مشتركة تميزها عن غيرها. فالطلاب بهذا المعنى أقلية، وكذلك المتقاعدين... ومن يزاولون أية مهنة من المهن يبقون أقلية في المجتمع، وفي الغرب يعتبر المثليون جنسياً أقلية، وكذلك يعتبر المعاقون حركياً أو ذهنياً، وهناك أقليات اقتصادية مثل العاطلين عن العمل أو (الفقراء من العمال تمييزاً لهم عن العمال غير الفقراء)، وهذا ناهيك عن الأقليات العرقية أو الدينية، وهكذا، حتى تصبح كل جماعة أقلية وكل فرد جزيرة!.

وينشط اليهود في أمريكا بالترويج لاستنساخ الأقليات من كافة الأنواع في مواجهة شريحة اجتماعية محددة تُقدَّم بأنها المالك الفعلي لمفاتيح الثروة والسلطة : فئة الرجال البيض البروتستانت ذوي الأصل الأنجلوساكسوني من الفئة العمرية المتوسطة (أي لا شباب ولا عجزة ولا نساء ولا أقليات عرقية أو دينية أو اقتصادية)، ويعتبر أغنياء هذه الفئة وممثلوها السياسيين ومثقفوها هدفاً مفضلاً لنقمة الأقليات الحقيقية والمفبركة ووسائل الإعلام والترفيه المسيطر عليها يهودياً.

ويفيد هذا النمط من تهجين وتناسل الوعي بالأقليات إلى ما لا نهاية في تفكيك وحدة الأكثرية وتحقيق أفضل الشروط لهيمنة النخبة الحاكمة على الشعب، وبالأخص، لتعزيز وضع اليهود ككتلة متماسكة في المجتمع الأمريكي إزاء الشرائح الأخرى من النخبة الحاكمة الأمريكية.
هو ما خلق ردود فعل عنيفة ضد اليهود في أمريكا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، خاصة أنه ترافق مع نزعة العولمة لتفكيك السيادة الوطنية والهوية القومية.

تعريف الأقلية :
هي جماعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية(الدين، اللغة، الثقافة، السلالة).
واستنادا لذلك فإننا نعتبر جماعة الأقلية هي جماعة أثنية بالأساس أيا كان المتغير الذي يحدد أثنيتها فهي أقلية إما مادية (العدد أو الحجم)، أو أقلية معنوية من حيث (ضعف الوزن الاجتماعي)، وتنتمي غالبية الأقليات في الوطن العربي إلى النمط الأول أي الأقليات المادية.

الأقليات والاضطهاد :
يتفق دعاة الحريات إنه إذا كان هناك تمييز منظم ضد فرد أو جماعة تقوم به حكومة ما، أو تتستر عليه، أو تتواطأ مع منفذيه، أو تنكر وجوده، أو تخلق المناخ الذي يشجع عليه، أو لا تتعهد بمقاومته والتخفيف منه، فإن هذا يعني اضطهاد هذه الحكومة لذلك الشخص أو تلك الجماعة.
ب ـ الأقليات والتهميش : يقصد به فئات اجتماعية بعينها تجمعها صفات عامة في مختلف المجتمعات البشرية (التهميش) وهذه الفئات هي المرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى الأقليات القومية والدينية والعرقية

وأشارت الدراسات أن حوالي 80 % من سكان الوطن العربي هم يتحدثون اللغة العربية كلغة أصلية ويدينون بالإسلام ويعتنقون المذهب السني، وينتمون سلاليا إلى العنصر (السامي الحامي) وأن الأقليات الأثينة في المجتمع العربي تختلف مع الأغلبية في واحد أو أكثر من هذه المتغيرات الأربعة، الأمر الذي يجعلنا نؤكد عليها فقط كأقلية أثنية متبلورة.

ومن الأقليات المعروفة في الوطن العربي (الأكراد، البربر، الزنوج، المسيحيون، الشيعة).
تعتبر قضية العمالة الآسيوية الوافدة إلى مجتمعات الخليج من الظواهر التي أصبحت مؤثرة وفيها تهديد للأمن العربي، ذلك أن العمالة الوافدة وإن كانت تتركز في مجتمعات الخليج، إلا أنها بدأت تنتشر بهدوء في الأقطار العربية الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية ن والتي تمتلك قوة بشرية فائضة كمصر مثلا، غير أنها في مجتمعات الخليج أصبحت تمثل خطورة قائمة ومؤثرة.

ومصطلح «الأقليات» ليس دقيقا ولا يجوز اعتماده في دراسات علمية جادة.. وليس هناك تعريف علمي واحد لأية أقلية في الوطن العربي. وهناك جماعات تصنف في خانة الأقليات وتعد بعشرات الملايين. ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، الأكراد على المستوى العرقي وهم يتوزعون ما بين تركيا والعراق وإيران وسورية. ويقدر عددهم بحوالي 25 مليون كردي. وهناك الأقباط في مصر على المستوى الديني ويقدر عددهم بعشرة ملايين. وهناك الأمازيغ في دول شمال أفريقيا، ويقدر عددهم باكثر من عشرين مليون، ويطالبون باعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية. يضاف إلى ذلك أن خارطة «الأقليات» في الوطن العربي تضم عددا كبيرا من الطوائف المسيحية، والإسلامية، واليهود، والصابئة، وجماعات العبادات المحلية في جنوب السودان. كما ان هناك أقليات عرقية كالأرمن، والشركس، والتركمان، والشيشان، وبقايا الجاليات الأوروبية، وغيرهم. وإجمالا يشكل المسلمون العرب السنة (بمدارسهم الفقهية الأربع)، والشيعي غير الباطني (بفرعيه الجعفري والزيدي) غالبية سكان العالم العربي البالغ عددهم اكثر من 200 مليون نسمة. وهنا يفتح «الشرق الأوسط» ملف الأقليات في العالم العربي وتبدأ أولا بوضع ظاهرة الأقليات في سياقها التاريخي والسياسي، ثم تعالج بشكل أكثر تفصيلا الحالات العربية التي شكلت فيها مسألة الأقليات قضية اشكالية بالتركثيز علي لبنان، العراق، السودان، والجزائر.

بعد أن وضعت بعض الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وروسيا السلطنة العثمانية تحت رقابة مشددة وعملت على تفكيكها واقتسام ولاياتها، برزت مشكلة الأقليات بصورة حادة في المنطقة العربية والبلقان. وكانت السلطنة العثمانية تميز بين الطبقة الحاكمة والرعايا، وتقسم الرعايا على أساس نظام الملل العثماني الذي أعطى لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية بنفسها، وبناء مؤسساتها التربوية، والثقافية، والاجتماعية، وإدارة أوقافها عبر مجلس ملي لكل منها دون تدخل مباشر من جانب السلطنة. لكن نظام الملل العثماني الذي شكل نموذجا متطورا للتعايش بين المذاهب والطوائف والجماعات الدينية والفرق الصوفية وغيرها في مرحلة القوة التي امتدت طوال القرنين السادس والسابع عشر، تحول إلى عبء عليها في مرحلة الضعف. فقد أضعفت الهزائم العسكرية السلطنة منذ أواسط القرن الثامن عشر. وتجرأ الأوروبيون عليها بإرسال حملة نابليون بونابرت إلى مصر في أواخر ذلك القرن، وتحديدا في سنوات 1798. وكان نابليون قد خطط لاحتلال مصر وبلاد الشام في طريقه لاحتلال الأستانة وإنهاء السلطنة العثمانية. إلا أن صمود الجزار في عكا أحبط مخططه العسكري قبل أن يتلقى أسطوله البحري هزيمة كبيرة أمام الأسطول الإنكليزي في معركة أبي قير قرب الإسكندرية.

ويلاحظ في هذا المجال أن نابليون قد أكثر من إصدار البيانات الموجهة إلى طوائف بلاد الشام ومصر بهدف استمالة زعمائها إليه تحت ستار إنقاذهم من الحكم العثماني الاستبدادي ومساعدتهم على إقامة أنظمة ديمقراطية على النمط الغربي تحمي الأقليات الدينية والعرقية واللغوية. ورغم فشل مشروعه السياسي والعسكري بات على السلطنة العثمانية أن تواجه مطالب تلك الأقليات في طلب الديمقراطية، والحريات العامة والفردية.

المشكلة الكردية والأمن القومي العربي :
إن التحليل العلمي الموضوعي لواقع وتطورات المشكلة الكردية في ارتباطاتها بقوى غير عربية إقليمية "شرق أوسطية" كإيران وتركيا، وقوى دولية كبرى، كالولايات المتحدة، وأوروبا، يكشف عن حقيقة ما تمثله هذه المشكلة واستغلالها من قبل هذه القوى الأجنبية من ثغرة في الأمن القومي سواء بالمعنى القطري (العراق) أو القومي (العربي)، لاسيما أنه من الوارد أن تكرر هذه القوى الدولية بعض سياساتها إزاء تلك المشكلة في الآونة الأخيرة (مثل خطة المنطقة الآمنة للأكراد في شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية) في دول عربية أخرى، أو مناطق معينة مثل جنوب السودان.

وفي محاولة لاستقراء واقع واحتمالات المستقبل للمشكلة الكردية وتأثيراتها في الأمن القومي العراقي والعربي، يمكن القول، إن هذه المشكلة بالغة التعقيد، فإضافة إلى تمسك الأكراد بهويتهم نتيجة التمايز العرقي واللغوي، والتنظيم الاجتماعي القبلي، فإن العمليات التمردية الكردية المدعومة إقليمياً وخارجياً، والأساليب الحكومية في التعامل معها، وخصوصاً القمع، والعنف الواسع النطاق، والمفتقر في كثير من الحالات للتمييز بين المتمردين المسلحين وغيرهم من المدنيين الأكراد ـ تؤدي إلى خلق حالة من عدم الثقة من جانب الأكراد إزاء الوعود الحكومية، ويزيد المشكلة تعقيداً ارتباطها بسعي قوى مجاورة غير عربية، وقوى دولية كبرى إلى استخدام الأكراد كأداة للضغط على العراق (وسياسته الإقليمية).

وتبرز هذه الناحية الأخيرة بدرجة أكبر في حالات معينة مثل سعى العراق إلى أداء دور إقليمي أكبر، لاسيما في الخليج، كما رأينا بصدد تحالف ودعم إيران للأكراد العراقيين، سواء في عهد الشاه في منتصف السبعينيات، أو في عهد الخميني خلال حرب الخليج الأولى أو في حالة دخول العراق في حروب واسعة النطاق، سواء مع إحدى البلدان المجاورة (حرب الخليج الأولى) أو غيرها.

وبلا شك فإن عدم التوصل حتى الآن إلى تسوية دائمة للمشكلة الكردية في العراق ـ نتيجة عوامل تعود إلى الأكراد أنفسهم، وإلى السلطة العراقية الحاكمة، وخصائصها، وأساليبها في التعامل مع الأكراد وغيرهم من العراقيين، ولا يقل عن ذلك أهمية ارتباطات الأكراد بقوى مجاورة غير عربية، وقوى دولية كبرى ـ يشكل ثغر للأمن القومي العراقي، وللأمن العربي، لما يعنيه استمرار وتفاقم هذه المشكلة من تهديد للتكامل الإقليمي للعراق، الذي يمثل ركيزة مهمة للأمن العربي، وخلل بالتوازن في مواجهة أطماع قوى "شرق أوسطية" كإيران وتركيا وإسرائيل.

والواقع القائم حالياً في شمال العراق بعد الحرب الأنجلو أمريكية، واحتلال العراق يكاد يدعم احتمالات تحول السلطة الكردية في المنطقة إلى دولة كردية، قد يتم إعلانها في المستقبل القريب، ولكن هناك عدداً من الباحثين يرون أن هذا الاحتمال يتسم بالضعف بالنظر إلى :
أ‌) عدم وجود مصلحة حقيقية للدول المجاورة، وتحديداً تركيا وإيران، في قيام مثل هذه الدولة، والتي قد تنقل عدواها إلى الأكراد في كل من البلدين، لاسيما وأن وضع أكراد العراق يظل أفضل نسبياً من وضع الأكراد، سواء في تركيا أو في إيران.
ب‌) هذا الواقع رغم أنه أكثر خطورة من وجهة نظر عراقية، عما شهدته المناطق العراقية الشمالية في منتصف السبعينيات خلال تمرد مصطفى البارزاني اعتماداً على شاه إيران بالأساس، وخلال حرب الخليج الأولى عندما سيطر المتمردون الأكراد بالتحالف مع الإيرانيين على مساحات واسعة من هذه المناطق، لا يختلف سوى في درجة خطورته عن هذين التمردين السابقين، وفي كل من هذين التمردين انتهى الأمر (التمرد الكردي) عندما قررت القوى الإقليمية (إيران) الداعمة للأكراد العراقيين أن مصالحها وظروفها تقضي بالتضحية بالأكراد مقابل تحقيق بعض المكاسب من العراق (اتفاقية الجزائر مارس 1975م)، أو لصعوبة إلحاق هزيمة بالعراق (وقف حرب الخليج الأولى).
ومن المحتمل ـ ربما في فترة مقبلة غير بعيدة ـ أن ينتهي الواقع القائم حالياً في شمال العراق في غير صالح الأكراد، إذا رأت القوى الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، أن مصالحها تتطلب إعادة قنوات الاتصال والعلاقات مع العراق.
جـ) إضافة إلى العاملين السابقين فإن ما يعزز أيضاً احتمالات تغير الواقع القائم في شمال العراق في غير صالح الأكراد، هو الصراع الحالي على زعامة الحركة الكردية، ولاسيما بين "جلال طالباني"، "مسعود البارزاني" بجوانبه القبلية، وكذا التاريخية.

التركمان في العراق :
من الصعب تناول مشكلة التركمان في العراق ومطالبهم السياسية، وآثارها على الأمن القومي العراقي والعربي بمعزل عن تركيا، واهتماماتها بأوضاع التركمان، ولاسيما في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية خصوصاً في ظل ارتباط هذه المشكلة من وجهة نظر تركيا بالمشكلة الكردية وتطوراتها في العراق بعد الحرب.
إن اهتمامات تركيا بأوضاع الأقلية التركمانية في العراق، وانتقاداتها لما يتعرض لها أبناء هذه الأقلية من "اضطهاد وقمع وتمييز وسوء معاملة" ظاهرة ليست بالحديثة، إذ أنها سبقت زمنياً حرب الخليج الثانية بأكثر من عشر سنوات، ولكن لم تكن تركيا آنذاك قادرة على إثارة هذه المسألة مع العراق في ظل توازن القوى والمصالح المتبادلة آنذاك بين البلدين.
وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن التطورات الداخلية في العراق أتاحت فرصة تاريخية لتركيا للتعبير عن اهتمامها بوضع ومستقبل التركمان في العراق، ومن أبرز جوانب هذا الاهتمام الدعم التركي السياسي والمعنوي للحزب القومي العراقي التركماني الذي تأسس أصلاً في 11 من نوفمبر 1988م بغرض العمل من أجل قضية التركمان الخاضعين "للظلم والقهر والاستعباد في العراق"، علاوة على أن تركيا لن تقبل مطلقاً إقامة أي نظام جديد في العراق ـ خاصة في فترة ما بعد احتلال العراق ـ بشكل متحيز ضد أي جماعة، وخاصة التركمان الذين ترغب تركيا في أن يشغلوا مكانتهم في النظام الديمقراطي، كأحد العناصر الرئيسية في العراق، وأن يتمتعوا بالحقوق والحريات.
من ناحية أخرى؛ أثار الجانب التركي مسألة ضمان أمن وحقوق التركمان في إطار الإصلاحات السياسية في العراق بعد احتلال العراق.
وفي النهاية يمكن التأكيد على أن إثارة تركيا لقضية التركمان في المرحلة الدقيقة من مراحل تطور الأحداث في العراق ـ رغم قلة أهميتها في مشكلة العراق ـ إنما تعكس رغبتها في خلق دور إقليمي مؤثر في المنطقة لتحقيق أهداف قومية غير خافية، ومنها الحصول على مكاسب من العراق بالضغط عليها في المسألة التركمانية، بالإضافة إلى الكردية، ومن ناحية أخرى استغلال القضية في كسب ود الأحزاب المعارضة داخل تركيا نفسها، الأمر الذي يتطلب جهوداً عربية مشتركة لوقف هذا التحرك التركي المهدد للأمن القومي العراقي.

الأقلية العلوية في سوريا :
تمثل الطائفة العلوية في سوريا ظاهرة فريدة؛ حيث لا تخضع هذه الأقلية العددية لسيطرة الأغلبية، بل تسيطر هي على النظام منذ عام 1966م، أي أنها تحظى بنصيب من السلطة يفوق نسبتها العددية على حساب كل من الأغلبية السنية، والأقليات الأخرى، وقد تسبب هذا الصعود العلوي في انتشار ظاهرة عدم الاستقرار السياسي في سوريا؛ حيث أدى الاحتكار العلوي للسلطة إلى معارضة إسلامية قوية للنظام، سنية بالأساس، لا سيما في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات، واستخدام النظام سياسة قمعية عنيفة في مواجهة التنظيمات الإسلامية المعارضة، كان أبرزها قصف مدينة حماة عام 1982م.
ويتهم النظام السوري النظام العراقي بتأييد الجماعات المعارضة، كما اتهم الأردن أيضاً بدعم هذه الجماعات عن طريق التسامح مع قياداتها المقيمة في الأردن.

الأقليات الشيعية في العالم العربي والأمن القومي العربي :
إن هناك تأثيراً سلبياً للأقليات الشيعية في العالم العربي على الأمن القومي العربي، ويتمثل هذا التهديد فيما يلي :
أ‌) إعاقة عملية التكامل القومي، وتهديد الاستقرار السياسي، ويتضح هذا في كل من دول الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، حيث تقوم الأقليات الشيعية بأنشطة عنيفة في مواجهة النظام (العراق ـ لبنان ـ الكويت ـ السعودية ـ الإمارات ـ البحرين)، وتؤدي سيطرتها إلى قيام الطوائف الأخرى بأعمال عنف تهدد الاستقرار السياسي (سوريا).
ب‌) إعاقة تتبنى موقفا عربياً واحداً، ويتضح هذا من السلوك السوري في لبنان، ومن السلوك السوري خلال الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث تأثر الموقف السوري بالتحالف مع إيران.
جـ) تيسير السبل أمام قوى إقليمية ودولية معادية للتدخل في الشئون العربية، ويتضح هذا من العلاقة بين حزب الله اللبناني، والنظام الإسلامي في إيران، ومن دعم إيران للقوى المعارضة الشيعية في العراق.
ويتضح هذا أيضاً من التحالف بين الكتائب اللبنانية وإسرائيل، لاسيما خلال زعامة بشير الجميل للقوات اللبنانية، والدعم الأمريكي والفرنسي للطوائف المسيحية اللبنانية.
د) عرقلة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويتضح هذا من خلال التأثير السلبي للخلاف السوري ـ العراقي على تكوين جبهة شرقية في مواجهة إسرائيل خلال مرحلة الصراع المسلح، ومن خلال الأداء السيئ للجيش السوري في حرب 1967م بسبب حالات الطرد التي كانت تتم لأسباب طائفية،... ودعم إيران للمنظمات اللبنانية (حزب الله) والفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) لعرقلة عملية السلام العربي/ الإسرائيلي لأسباب تخص المصالح الإيرانية. إن دولا عربية ومسلمة أخرى وكذلك العديد من دول العالم الثالث وحتى الدول الغربية تعاني هي الأخرى من مشكلة الأقليات

ومشكلة حقوق البربر لا تعني الجزائر وحدها بل تؤثر على المغرب وتونس أيضا إلى حد ما. إن دولا عربية ومسلمة أخرى وكذلك العديد من دول العالم الثالث وحتى الدول الغربية تعاني هي الأخرى من مشكلة الأقليات ولكن من نواح مختلفة. والحقيقة أن العالم العربي محظوظ لأنه لا يحتوي الكثير من الأقليات العرقية على الرغم من وجود الكثير من الأقليات الدينية كالمسيحيين والشيعة. ومن بين الأقليات العرقية الموجودة في العالم العربي هناك البربر والأكراد (وهؤلاء يعيشون أيضا في تركيا وإيران)، وهي أقليات ذات تعداد كبير جدا وخصوصا الأكراد الذين يعتبرون أكبر مجموعة عرقية في العالم تعيش دون دولة خاصة بها.

إن المجتمعات العرقية في زمن الإمبراطوريات السابقة كانت تضم أعراقا مختلفة مسئولة في العادة عن إدارة نفسها مثلما كان عليه الحال في عصر الإمبراطورية العثمانية. ولكن مع ظهور ما يسمى بـ"دولة الأمة" في الغرب دخل هذا المفهوم إلى الدول العربية المستقلة. وكانت أولوية هذه الدول الجديدة مثل الجزائر والعراق إنشاء دولة قوية ذات هوية وطنية. لكن مسألة الهوية الجزائرية أو العراقية اصطدمت بمسألة الهوية العربية، إذ كانت القومية العربية طاغية على كثير من الحركات السياسية العربية كالبعث والقومية العربية الناصرية.

ولكن أين مكان السكان غير العرب في الدولة القومية؟ إن هذه مازالت تعتبر مشكلة للجزائر والعراق اليوم، فالقوميون العرب أو القوميون العراقيون والجزائريون على وجه الخصوص يريدون دولة بهوية قومية واحدة ويعتبرون وجود الأقليات بينهم دليل ضعف في دولتهم، وخصوصا أن القوى الاستعمارية في الماضي استخدمت كثيرا من هذه الأقليات العرقية أو الدينية في تقسيم الوطن العربي أو غزوه وفي إضعاف مقاومة الحكم الاستعماري. وكثيرا ما كان ينظر إلى الأقليات العرقية في دول العالم النامي باعتبارها تهديدا لقوة ووحدة الدولة المستقلة والمتحررة من الحكم الاستعماري.

إن الظهور السياسي للأقليات ظاهرة عالمية، وليست مشكلة عربية فقط، لأن هذه الأقليات في دول العالم النامي أصبحت أكثر تصريحا ومطالبة بحقوقها وتسعى للاعتراف بوجودها المستقل ولغاتها وعرقيتها وثقافتها وحقوقها التعليمية.. ومع ظهور أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير في النصف الثاني من القرن العشرين أصبح من الصعب إنكار حق الأقليات العرقية أو الدينية في المساواة. وقد بدأت هذه الأقليات تطالب بالاعتراف بهويتها وحقوقها. لكن القيادة المتسلطة تخشى من ضعف قوة الدولة إذا ما اعترفت بحقوق الأقليات لديها أو إذا طلب منها تنفيذ إصلاحات ديمقراطية أكبر.

وهذه ليست مشكلة عربية فقط، فالظهور السياسي للأقليات ظاهرة عالمية، إذ إن هذه الأقليات في جميع دول العالم النامي أصبحت أكثر تصريحا ومطالبة بحقوقها وتسعى للاعتراف بوجودها المستقل ولغاتها وعرقيتها وثقافتها وحقوقها التعليمية. وحتى الغرب ليس حصينا من هذه الاتجاهات، إذ إننا نجد في بريطانيا على سبيل المثال أن الويلزيين والأسكتلنديين حصلوا على حكم ذاتي وأصبحت لهم برلماناتهم الخاصة بهم خلال العقد الأخير. كما أن الكتالونيين في إسبانيا يطلقون اسم الدولة على إقليم كاتالونيا.

وتواجه فرنسا ضغوطا لمنح البريتانيين والكورسيكيين حقوقهم الثقافية. أما في الولايات المتحدة التي يعتبر كل مواطن فيها تقريبا مهاجرا فلا توجد فيها أقلية عرقية متركزة في منطقة واحدة، ولذلك فإنه من غير المحتمل مطالبة أي مجموعة عرقية فيها بحكم ذاتي أو حتى بالانفصال على الرغم من أن المكسيكيين المتمركزين في جنوب غرب الولايات المتحدة قد يطالبون يوما ما بالاستقلال الثقافي. إن الأقليات العرقية الأمريكية تمارس الحياة السياسية وتبحث عن النفوذ، العرقي في كل مكان، فهناك الكوبيون والإيطاليون واليهود والعرب والصينيون والكوريون والمكسيكيون وغيرهم.

وأعتقد أن النشاط السياسي للأقليات العرقية سيكون مألوفا في كل العالم في المستقبل ويعكس الاتجاه نحو الديمقراطية وحقوق المجتمعات العرقية والدينية، والأقليات المسلمة على سبيل المثال تبحث عن حقوقها وعن المساواة في الهند وروسيا والصين.

إن جميع الدول ذات الأعراق المتعددة تواجه اليوم أزمة الدمقرطة وحقوق الأقليات وضعف الدولة المركزية، فكيف تتعامل الدول ذات الأقليات العرقية والدينية المختلفة في عالم متعدد الثقافات؟ وحتى الدول العربية الآن يوجد فيها أعداد من الأجانب أكثر مما كان قبل، سواء عرب من دول عربية أخرى أو عمال غير عرب.
ماذا تفعل الجزائر بخصوص مطالب البربر والاعتراف بهم وبحقوقهم في تعليم اللغة الخاصة بهم وإتاحة وسائل إعلام ومحطات إذاعية باللغة الأمازيغية؟

أيضا مسألة من هم البربر؟ الذين يمثلون من حيث العرق 80 % من سكان المغرب والجزائر وأكثر من 60 % من سكان تونس وليبيا مما يجعلهم أكثر من 50 مليون شخص. وتلاحظ الموسوعة نفسها أن "التعريب قضى على اللغة الأصلية للسكان في عدة مناطق إضافة إلى القضاء على هوية البربر، كما أن كثيرا من الناس الذين ينتسبون لأجداد من البربر يدعون الآن أنهم عرب".

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر