تجربة ثورة ديسمبر ودروسها (12)

تاج السر عثمان
2021 / 9 / 18

تصفية الثورة باسم المصالحة مع الإسلامويين
1
أشرنا سابقا الي مخطط الفلول وامتدادهم داخل السلطة لتصفية الثورة ، ودور انقلاب اللجنة الأمنية في قطع الطريق أمام الثورة ، وابرام اتفاق جوبا الذي يهدد وحدة البلاد والقائم علي المحاصصات والمسارات الذي تجاهل الشرق وقضاياه ، مما أدي لتأجيج الفتنة القبلية في الشرق ، كما يحدث الآن ، فقد أغلق شباب المجلس الأعلى لنظارات البجا مداخل ومخارج محطة الحاويات ومنطقة الكشف الجمركي في “دما دما” بميناء بورتسودان عصر أمس الجمعة بجانب إغلاق الطريق القومي بعدد من مناطق شرق السودان وإغلاق الطريق القاري الرابط بين مصر والسودان في منطقة اوسيف، مع استثناء عبور السيارات الخاصة والبصات السفرية (الراكوبة، 18 /9 / 2021) ، للمطالبة بالغاء مسار الشرق.
مما يتطلب الغاء المسارات والمحاصصات ،و الحل الشامل والعادل الذي يحقق التنمية المتوازنة وتوفير خدمات التعليم والصحة والأمن وحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد ، وعودة النازحين لقراهم وحواكيرهم وتعويضهم العادل ، وتسليم البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية، وتوفير خدمات المياه والكهرباء والرعاية البيطرية.
وقبل ذلك كان قد أغلق محتجون بغرب كردفان مطار بليلة كما تم منع المهندسين الخروج لاداء أعمالهم.
لتحقيق مطالبهم بتعويضات لصالحهم في أرض لمعسكر شركة “بترو انرجي” والذي تم إنشائه في وقت سابق، مما أدي للتردي الأمني بحقول البترول.
كل ذلك يعكس ضعف الحكومة وتجاهلها لمطالب المواطنين، وفشلها في حفظ الأمن ، والحل الشامل والعادل لقضايا الشرق والغرب ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، واللجؤ لمنهج النظام البائد في الحلول الجزئية التي تفتت وحدة البلاد ، وتؤدي لتحقيق هدف الفلول في تصفية الثورة والانقلاب عليها.
2
بعد كل الدمار الذي الحقه الإسلامويون بالبلاد والعباد منذ انقلاب 30 يونيو 1989 المشؤوم، والتخريب الذي احدثوه بعد الثورة دون محاسبة وتفكيك التمكين واسترداد أموال وممتلكات الشعب المنهوبة ، ظهرت دعوة المصالحة أو التسوية أو المساومة التاريخية مع الإسلامويين التي وجدت استنكارًا واسعًا من قوى الثورة باعتبارها "خيانة للثورة"، "دعوة حق أريد بها باطل"... الخ فكيف ندعو للتسوية معهم وثورة ديسمبر لم تستكمل مهامها في تفكيك التمكين والمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة، وتقديم المطلوبين في جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية إلى لاهاي والمحاكمة الخ؟؟!!.
لا يغير من دعوات المصالحة المرفوضة حقيقة تراجع الداعين للمصالحة بعد الاستنكار الواسع من ثوار ديسمبر لتلك الدعوات، بقولهم أنهم لا يقصدون المصالحة مع من أفسدوا وأجرموا في حق الشعب السوداني، وليس المقصود المساومة في الفترة الانتقالية الحالية. الخ، لكنها في حقيقة الأمر تهدف لإيجاد مخرج لهم من المحاسبة واستعادة أموال الشعب المنهوبة، ولتكريس استمرار الفساد والديكتاتورية في الحياة السودانية، كما في رفض الإسلامويين بعد ثورة أكتوبر 1964 بقيادة د. الترابي محاكمة قادة انقلاب 17 نوفمبر تحت شعار "عفا الله عما سلف" والذي أدى لاستمرار الحلقة الجهنمية الشريرة من الانقلابات العسكرية بعد فترات ديمقراطية قصيرة، كما تهدف الدعوة لتنفيذ مخطط "الهبوط الناعم" لإعادة سياسات النظام البائد القمعية والاقتصادية والتفريط في السيادة الوطنية والحلول الجزئية التي تكّرس المحاصصات والفساد والنهب لأراضي وثروات البلاد المعدنية والزراعية والحيوانية، وتهدد وحدتها كما في وجود مليشيات الدعم السريع والإسلاميين وجيوش الحركات الحالي بعد اتفاق جوبا.
تجسدت دعوات المصالحة في: دعوات د. الشفيع خضر، وقادة الجبهة الثورية مثل: مناوي الذي دعا حتى للمصالحة مع حزب المؤتمر الوطني المحلول!!، وجبريل إبراهيم وزير المالية حاليًا الذي دعا لمصالحة وطنية شاملة، فلا يستطيع أي طرف إزالة الإسلاميين من الوجود، هذا أمر غير واقعي، ومالك عقار الذي دعا إلى التصالح مع القيادات الإسلامية المعتدلة من النظام السابق!!، وأنه لا بد من المصالحة حتى تخرج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية (للمزيد من التفاصيل: راجع موقع أفريقيا برس: 25 /7 / 2021).
تواصلت دعوات المصالحة مع الإسلامويين حتى دعوة د. النور حمد الأخيرة التي أشار فيها أنه لا بد من المصالحة مع الإسلامويين.
3
المشترك في كل الداعين للمصالحة مع الإسلامويين أنهم كانوا واقفين ضد إسقاط النظام قبل ثورة ديسمبر، ودعوا للحوار مع المؤتمر الوطني على أساس خريطة الطريق لأمبيكي والمشاركة في انتخابات 2020 التي نتيجتها محسومة سلفًا بالتزوير لصالح البشير، واختطفوا الثورة بعد انقلاب اللجنة الأمنية للنظام البائد الذي قطع الطريق أمام الثورة، وتحالف مع قوى "الهبوط الناعم" في "قوى الحرية والتغيير" حتى توقيع الوثيقة الدستورية المعيبة بدعم إقليمي ودولي لا يرغب في وجود نظام ديمقراطي راسخ في البلاد يكون منارة للديمقراطية والحرية في المنطقة، بعد مجزرة القيادة العامة التي كرّست الحكم العسكري ومصالح الرأسمالية الطفيلية، وتم تعطيل إنجاز مهام الفترة الانتقالية، كما في:
– الهجوم علي الشيوعيين بإشاعة أن الحكومة حكومة شيوعيين، في حين أن الحزب قرر عدم المشاركة في المجلسين السيادي والوزاري، واستنكار وجود شيوعيين في قيادة الخدمة المدنية مثلهم كالآخرين بمعيار الكفاءة، بل المطلوب ارجاع المزيد من المفصولين للخدمة من الشيوعيين وغيرهم للخدمة.
- البطء في تفكيك التمكين واستعادة أموال الشعب المنهوبة، تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية بالسير في الخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين بعد تجاهل توصيات المؤتمر الاقتصادي.
- البطء في القصاص لشهداء مجزرة القيادة العامة وبقية الشهداء، عدم إلغاء القوانين المقيدة للحريات والقمع الوحشي للتجمعات والمظاهرات السلمية، وإشعال الفتن والحروب القبلية في دارفور والشرق وجبال النوبا، وإجازة قانون النقابات 2021 الذي يهدد وحدة الحركة النقابية وديمقراطيتها واستقلالها وعدم إصلاح النظام العدلي والقانوني، والانقلاب على "الوثيقة الدستورية "كما في اختطاف عملية السلام من مجلس الوزراء والتوقيع على اتفاق جوبا الذي تعلو بنوده على الوثيقة الدستورية وتكوين مجلس الشركاء
4
حول المصالحة مع الإسلامويين يري محمد ادم رجال الناطق الرسمي المكلف باسم المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين وجهة نظر مختلفة، ويقول نحن كضحايا فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية، نرى أن هذا ليس الوقت المناسب للمصالحة المطروحة، ويطالب اولاً بتحقيق العدالة، و محاسبة من ارتكبوا جرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ويشدد لابد أن يسلموا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر حسن احمد البشير، واحمد هارون وعبدالرحيم محمد حسين، لإنصاف الضحايا وأهلهم في المقام الاول، وبعد ان يحس الضحايا أن هناك عدالة، يمكن الجلوس حول طاولة المصالحة الوطنية. ويضيف محمد ل(شوارع) كيف أتصالح مع من ارتكب كل أنواع الجرائم بهذه السهولة، المصالحة الوطنية يجب أن تسبقها العدالة، وبعد أن تهيكل المؤسسات الأمنية والعسكرية وكذلك على المستوى المدني، وان تكون ذات طابع قومي، لكن في الوقت الراهن الضحايا لا يمكن ان يقبلوا ان تكون هناك مصالحة وطنية.
ويفسر محمد أن العدالة التي ينشدها النازحون واللاجئين يجب أن تسبقها عملية توفير الامن على الارض، وتسريح مليشيات الجنجويد، ووقف الانتهاكات المتكررة، يشير إلى أن الثقة غير متوفرة في جميع قوات الأمن السودانية، وما زالت الانتهاكات مستمرة منذ بداية العام الحالي في ولاية شمال دارفور، حتي بعد سقوط النظام السابق، ويتساءل كيف أن تكون هناك مصالحة وطنية شاملة في ظل هذه الأوضاع المتدهورة، ويستحيل أن تنجح هذه المصالحة وتحقق أهدافها ( صحيفة الراكوبة : 26 أبريل 2021).
وخلاصة الأمر ، الدعو للمصالحة مع الإسلامويين دون المحاسبة علي جرائم الابادة الجماعية وضد الانسانية ، وتفكيك التمكين واسترداد أموال وممتلكات الشعب المنهوبة وانجاز مهام الفترة الانتقالية هدفها استكمال تصفية الثورة.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي