الإنسان والتاريخ

عباس علي العلي
2021 / 9 / 18

الإنسان والتأريخ
لربما كان هيجل فيلسوف التاريخ الأكثر قربا من قضية الإنسان في الوجود من خلال فلسفته التأريخية التي يمكن أختصارها بجملة (أن جوهر دراسة التاريخ أو أن التاريخ ذاته ما هو إلا صيرورة فكرية لسعي الإنسان دوما نحو الأمام لتحقيق الحرية له)، أي أن الحرية الإنسانية كانت منذ البدء هي المحرك التاريخي الأول الذي قاد الإنسان أن يعيش الوجود عبر الزمن، وما زال يفعل ذلك طالما أنه يعاني من فقدان وحاجة لها كي يعبر عن ذاته ككائن طبيعي بشكل فعل تاريخي وهو يعلم أنه يسير للأمام، الفكرة النبيلة وحدها لا يمكن أن تغيب الحقيقة أو تتجاوزها لا سيما وأننا أمام دراسة كائن يدرس نفسه، أي يضع ذاته الطبيعية أمام مجهر العلم وبالتالي فهو لا يبحث عن موضوع خارجي لا يعلم منه إلا ما سجله أو لاحظه سابقا، الإنسان كما نعلم ليس من خلال التاريخ أو الدين ولكن من منطق المنطق العقلي أنه ولد وخلق حرا، أي أن كونيته الأولى هي الحرية لا سيما إذا اخذنا معنى الحرية هي القدرة على الفعل دون اكراه أو إلجاء.
لم تسلم فلسفة هيجل من النقد ولا من الإشارة إليها على انها مجرد تخرصات فلسفية وتصورات مثالية أعتمدت على مفهوم ضيق حينما قسمت المجتمعات طبقا لمنهجه بين مجتمعات التاريخ وهنا يشير تحديد إلى أوربا وتجربة السعي نحو الحرية فيها كما يتصور، ومجتمعات ما قبل التاريخ وهي تلك المجتمعات التي لا يمكن فهمها تحت سطوة توصيفاته وشروطه وفهمه للتاريخ وسماها مجتمعات ما قبل التاريخ، كالمجتمع الصيني او الهندي، مع ان هذه المجتمعات القديمة هي من أسست المفهوم الحضاري للتاريخ مع بقية شعوب العالم القديم، وما تاريخ أوربا الذي يصفه هيجل بتاريخ السعي نحو الحرية إلا جزء متأخر من تاريخ البشرية في نظره عامة طولية وعرضية.
النقطة الأخرى التي توجه لنظرية هيجل في أعتماد مبدا الحرية كمعيار لفهم تاريخ الإنسان، هذه الحرية وبدون مفهوم أساسي ومطلق لا يمكن للفلسفة عموما ولمنطق المعرفة أن تقبل بمصطلح مطاط نسبي لأن يكون معيارا قياسيا، إذا نسأل هيجل ما معنى الحرية التي يقصدها؟ ما شكلها وحدودها وأثرها في صنع رؤية الإنسان تاريخيا أساسا، هل الحرية عنده تعني الخروج الطبيعي من كونية الإنسان ككائن أجتماعي يصنع لنفسه القيود (القانون والأعراف والمثل والدين والأخلاق والمعرفة) ليضمن ديموميته؟ وأخيرا من سلب الحرية من الإنسان أساسا وأولا؟ كل هذه الأسئلة سنحاول أن نجيب عنها في طيات البحث لنصل إلى قناعة مبدئية بأن الحرية بالمعنى الهيجلي مجرد وجه أخر لمسمى أخر يعبر عن محدودية الفكرة وحصرها في أطار عنصري أثني لتبرير لمعنى القوة في دورها في صنع التاريخ الرسمي وليس التاريخ المعرفي بصيغته العلمية المنهجية الأحترافية.
فالسعي الذي يتكلم عنه هيجل هو سعي متوهم عنده لا سيما وان العبودية التي يريد أن يتحرر منها الإنسان هي عبودية مصطنعة خلقها وبررها وحسدها ذات الإنسان لميله الطبيعي نحو قوة الأنا، وبالذات الأنا المتضخمة التي لا تكتفي بحريتها بل ترى في الحرية الطبيعية أعتداء عليها، لذا فكلما تضخم الشعور الذاتي بالقوة تضخمت عندها كراهية الحرية الطبيعية (الحرية للجميع والحرية في ضمان الديمومة البشرية الطبيعية)، فكيف نفسر سعي الإنسان للحرية على أنه جوهر حركة التأريخ والمعيار الذي نمثله للسيرورة التاريخية التي من خلالها نكشف الطبيعة الكونية للإنسان، ومن جهة أخرى نجد أن الإنسان هو ذاته صانع العبودية بمعنى أنه هو من يعرقل حركة التاريخ وهو بذلك يمارس الدور المزدوج الذي يؤشر على ضعف حجة هيجل تلك.
لم تعد أفكار هيجل وفلسفته التأريخية صالحة مع ظهور مذاهب وفلسفات أخرى أكثر منطقية أو على الأكثر أكثر شمولية في الرؤية الفكرية لفهم التأريخ حركة والتاريخ إنسان، خاصة مع ظهور المدرسة التأولية أولا أو ما تعرف بمدرسة الهرمونطوقية التأريخية التي أخذت منحى تفصليا يتعلق بالإنسان ذاته معنى ورمزا وحتى ما يعبر عنه من خلال اللغة، وإن مسالة التعبير عن ذات الإنسان مثلا من خلال اللغة يكسف لنا مسارين مهمين في فهم الحدث والواقع، المسار الأول يبحث عن معنى والأخر يعلل السبب في المعنى، أي أن المدرسة التأولية تحاول الربط بين المعاني التفسيرية وعلات السبب في وجود المعنى وربطهما في رؤية مركبة تكشف لنا حقيقة اللغة والرمز الذي يمكن أن يعبر عن قيمة الحدث وتطوراته وحتى عن جذوره ومقدماته، على أن ما يؤاخذ عليه التأويليون أنهم حصروا إمكانية فهم التاريخ ليس من خلال الوجود الكلي للإنسان في الوجود بقدر ما أختصروا هذا الوجود بعنصر تعبيري قد لا يمكن متابعته بجدية وأكتشافه كاملا ناهيك عن التاريخ ليس لغة ورموز فقط، التأريخ حركة مستمرة لا تتوقف ولا تتمثل بمحدد واحد ليكون معيارا قياسيا تاما، فالحركة هي قوة أيضا وفعل وسبب واثر وتفاعلات وعلاقات وروابط، الحركة إذا منظومة متكاملة يتداخل فيها عام وخاص وذاتي وموضوعي وتسير على منحنيات وخطوط متشابكة وأحيانا او لنقل غالبا أنها متعارضة بسبب ذاتية الإنسان الأناوية.
ومع ذلك تبقى للمدرسة التأولية فضل في اكتشاف جزء من الحقيقة التاريخية لأنها أختارت الغوص عميقا في فهم جزء من تفاعلات الإنسان وجوديا، لكن هذا الفضل يبقى محدودا من الناحية الموضوعية في دراسة تاريخ الإنسان بشكل عام، خاصة وأننا أحيانا نضع أنفسنا كمختبر عملي وعلمي كما قلنا لنفهم المعاني التأولية بديلا للغير على أنها هي مطابقة لنوايا الفاعلين دون أن ننتبه أننا غير عنهم وقد لا يمكن أن تكون النظرة مطابقا أصلا بغياب الغير البعيد لنتأكد من تلك المماثلة والمطابقة، مع تغير وتبدل في الظروف والبيئة ومستوى الأدراك والفهم أو ما يعبر عنه بحالة (التفهم)، ويبقى لتأويل دور ظني ونسبي حينما يقصد منه (اكتشاف الترابط الخفي في المعاني والذي أحدثته أفعال البشر)، ومع تطور مفاهيم المدرسة التأولية في فهم التأريخ، عادوا مجددا للذاكرة الذاتية والذاكرة القومية وتأريخ المجتمعات المحلية ليسبغوا عليها بأدواتهم الخاصة معنى خاصا بخلاصة واضحة تتمثل بمقولة (فللذاكرة والتصورات دور محوري في تشكيل هويتنا العرقية والقومية)، فالهوية هنا هي خلاصة إعادة تمثيل الحدث التأريخي من الذاكرة البعيدة للذاكرة القريبة حتى نفهم حقيقة أن التأريخ هو مجرد إعادة تمثيل ذهني للحدث التأريخي في العقل الإنساني ومنه وتشييد هيكل الحدث كما هو تقريبا، ثم التعامل معه على أنه أختبار تجريبي تحت المجهر البحثي بواسطة الصورة المتحصلة الآن.
يشترط لنجاح هذه المهمة (مهمة التمثيل والتفهم الذهني) أن تقوم على ثلاثة أعتبارات أو شروط منهجية كي نتمكن من إدراك المعنى التأويلي للتاريخ، الأول أن نحدد على وجه الدقة تلك المفاهيم الممكنة والضرورية لفهم التأريخ، وثانيا أن نربط تلك المفاهيم مع السياقات الأجتماعية التي جرت فيها الأحداث والصراعات بمعنى ربط تلك المفاهيم بواقعها الفعلي وما أنتجت وأثمرت من ألوان الأستجابة لها او محاولة الدفع بها إلى الأمام والخلف، وأخيرا أن نمارس تقيما نقديا لها بقدر مساهمتها في صنع أحداث التاريخ الإنساني، هذه الثلاثية ممكن أن تقدم لنا رؤية أكثر وضوحا من ما قدمته المدارس الفلسفية السابقة وتعليلاتها الأكثر قربا وقناعة وملائمة للدرس التأريخي، لكن ما يعوزها أنها لا تفسر لنا تأريخ ما قبل الحدث أو لماذا حدثت هذه الأفعال الإنسانية بهذه الصورة أو تلك، إنها تفتقد حقيقة على أصل حركة التأريخ وتنطلق من لحظة تكوين متقدمة، لحظة من وسط التأريخ لا من جذوره وعلله الأساسية.
المشكلة الأساسية التي عانت منها المدرسة هذه هي في البحث عن معيار أصولي أو ثابت لتحديد معنى المفاهيم، وهي من أسمها تعني تمثيل لصورة ذهنية عن ماهية بالغالب تكتسب ذاتيتها من ذاتية المتمثل لها، فهي أي المفاهيم تختلف بحسب التمثلات الفردية وحتى بين مجتمع ومجتمع لأنها نتاج إنعكاسي لقيم التمثيل ذاتها، مفهوم الخير والشر أو الحق والباطل أو الضرورة والحتمية والصدفة لا يمكن أن تكون واحدة عند الجميع حسب إدراكهم للمعنى وتأويله، فالمجتمع الديني يربط هذه المفاهيم وفقا للعقيدة التي يؤمن بها، في حين ان مجتمع اخر يتخذ معيارا اكثر قربا لثقافته وقيمه من تمثيلات المجتمع الديني بتحديداته المسبقة، وحتى داخل المجتمع تتبدل المفاهيم مع التجربة والزمن وقد لا تكون مفاهيم لأمس هي ذاتها مفاهيم اليوم، لذا لجأ بعض فلاسفة التأريخ لمعيار مفهومي عام يستنبط من المشتركات الأساسية التي تتبنها المجموعات البشرية وأسموها بالمفاهيم التأريخية العامة أو المشتركة، أن فكرة مفاهيم التاريخ Begriffsgeschichte لها صورتان الأولى البُعد المنطقي والثاني البعد الدلالي والمستخدمة في وصف الأحداث التاريخية ومُجرياتها، وأيضاً وجوب الأهتمام بالتطور التاريخي والزمني لهذه المفاهيم كي تكون قادرة على إنجاح التمثيل الذهني في فهم التاريخ ومنطقه .
فالمشكلة هنا في تحديد المفاهيم مشكلة (معنى) لا مشكلة (دلالة) وبالتالي لا يمكننا الوصول وبالرغم من الجهود الفكرية المبذولة للوقوف على معنى عام وأجمالي، لكن الإشكالية تبقى عالقة مع تعدد أسس التحديد ومدى الأتفاق على ذلك، متى ما حصل أتفاق على المعنى يمكننا بالسهولة تطبيق ذلك على الدلالات لأنها عملية وصف لموصوف جرى الأستدال عليه من المعنى، حتى التأويليون يعانون من نفس الإشكالية في تحديد المعاني من اللغة أو من الرمز ايضا لأن القاعدة التي ينطلقون منها هي البحث أولا عن المعنى كي يتم تأويله، فالأهرامات المصرية كانت تعني للفراعنة التعظيم الإعجازي للمكين لكنها لا تعني القدرة على الإبداع والتجسيد الدلالي للمجتمع، أصحاب المدرسة التأولية لا ينظرون للموضوع من زاوية المجتمع، بل يتجهون لتأويل الشكل والرمز وعلاقة ذلك برؤية المجتمع لقيم فنية وهندسية وحتى روحية لتلك المشيدات على أنها دلالة على أن الهرم (القبر) يشرح علاقة المكين بالسماء، قد يكون في التأويل صحة ما ولكن من غير المجزوم به أن المصري القديم الذي شيد الهرم كان يفكر بالرمزية تلك بدل فكرة التعظيم والتهويل التي أراد بها حفظ المكين وأسراره من عبث أو محاولة الأعتداء في وقت أخر على المعظم لديهم، إذا القضية التأويلية معلقة بأصل الفكرة وجوهرها لا بتأويل ما نراه نحن كمعنى حيادي نظنه هو ذات المعنى تأريخيا.
التأريخ كما أفهم وحدة معرفية يبدأ وينتهي على أنه (معطى لوجود الإنسان في الوجود ككل)، لا يمكن أن نركز على مرحلة ما ولا نحدده بما يتناسب مع رؤيتنا لهذه الوجود من نقطة ما، انه بالكاد يمثل خلاصة هذا المعطى كما هو وإن تعذر أن نستعرضه كاملا، لكن المهم أن نتمكن من فهم الخلاصة الوافية والتي تبدأ من لحظة التكوين لنمر عبر صفحات الزمن لنرى كيف تعاطى هذا الكائن مع تأريخه؟ وكي فسر وجوده؟ ولماذا حاول أن يتقدم دوما إلى الأمام برغم أنه يعلم بحقيقة أن وجوده مستمرا ومتواصلا بالرغم من أنه قد يرحل للمجهول في لحظة ما؟ هل جرى كل ذلك بإرادته وبتعمد منه أن يصنع له تأريخا حتى يدرسه في المستقبل ليفهم كل ما تقدم منه؟ الحقيقة هذه الأسئلة وغيرها ولدت لاحقا حين وصل إلى مرحلة إلى مرحلة الأزمة الإشكالية الكبرى حين أراد ان يفهم نفسه ويجيب عن أسئلة مثل لماذا وكيف ومتى وأين يمكنه أن يكون أكثر تعبيرا عن ذاته، إنها أسئلة المعرفة البشرية الأساسية التي مارسها تأريخيا في زمن لاحق لولادة التاريخ نفسه.
ولشرح معنى المعطى الوجودي لا بد لنا أن نبين أنه لولا تبلور وعي الإنسان بوجوده وتسخير هذا الوعي في محاولة التغلب على مشكلات البقاء والنمو لما ظهر لنا ما يمكن أن يهتم به التأريخ، الإنسان بأصله المشترك مع الحيوان هو الوحيد من ضمن هذا التصنيف الذي أهتم بالتأريخ أو سجل له تأريخا، بينما لا نجد أي أهتمام أو محاولة من أي عضو في المجموعة الحيوانية بمجملها أن تفعل ذات الشيء، السبب الرئيس والأهم أن وعي الإنسان وعي عقلي متراكم ومعاد ومستمر، أما وعي الحيوان هو وعي غريزي طبيعي لا يتطور ولا يتجدد ولا يتراكم، وهنا نشير إلى أن الوعي دوما مرتبط بالتفكر أولا وبالحاجة ثانيا وبالضرورة البقائية ثالثا، وكلها تحتاج لعقل يقرر ويتدبر ويقرأ ويكتب ما يقرأ.
الذي يفرق بين تأريخ الإنسان وتأريخ الموجودات في الوجود كمقارنة أن الإنسان كان دائما يحاول أن يكسب الوجود لمصلحته وليس فقط البقاء فيه، من هنا كان الوجود وفهمه وتسخيره رغبة إنسانية أولية ذات قدرة على الأثر والأثر المتقابل بينه وبين الإنسان، وقد شرحنا فيما مضى كيف أن الوجود مجملا ووصفا بأعتباره حاضنة الحضور الإنساني ساهم في تلون التأريخ الإنساني وتعدده طبقا لشروط الوجود وشروط الأستجابة الإنسانية، أي تكلمنا عن كون الإنسان كائن كوني كامل في الذات والمضمور الوجودي أيضا، أما أختلاف السلوك التأريخي البشري فهو نتاج ودور الوجود كلي وجزئي في أختلاف شكل الأستجابة تلك على وجوده، من هنا يمكننا أن نطرح معادلة تأريخية تتمثل في التالي(وجود + وعي = حاجة) تليها المعادلة التالية (حاجة + وعي = أستجابة ) لتنتهي المعادلة بمعادلة نهائية هي (أستجابة + فعل = تأريخ)، هذه المعادلة يمكن فهمها أكثر وأدق حينما نحدد على وجه الدقة ما نعني بكلمة الوجود بحديه الخاص والعام، أما بقية المفاهيم ومنها الوعي الذي لا يمكن تأويله أكثر من كونه إدراك تلقائي لما هو طبيعيا أن يدرك بالفطرة كصورة أولى عنه، ثم يتطور المفهوم تبعا لتطور الوعي الأول هذا.
فالتاريخ إذا هو وجودي لأرتباط الإنسان بوعي ما في الوجود بدأ من مراحله البسيطة حتى الترقي في ذلك ليصل إلى معنى أكثر دقة وأشد تخصصا، فالتأريخ بحسب الوعي ينقسم إلى ثلاثة أنماط، (مادة التاريخ) وهي الحدث بما حدث سواء كان مدونا أو متأولا أو حتى متصورا، وهذا هو الجزء الأكبر من التأريخ بمفهومه العام عند غير المتخصص أو دارس علم التأريخ، ثم يأتي القسم الثاني وهو (سيرورة التأريخ) بما فيه من علل وأسباب وتحليلات لنستنبط منها القوانين التاريخية (سنن وحتميات ونتائج تبرر وتفسر)، وهذه وظيفة التحليل المادي للتاريخ أو تحليل مادة التاريخ بعد أن جمعنا المؤرشف أو بحثنا عنها بين الدلائل والإشارات، أما القسم الأهم من التأريخ وهو ما يميز لموضوعه أهمية قصوى هو (فلسفة التاريخ) والبحث عن الحكمة التأريخية التي من أجلها كان الأهتمام اللافت للنظر عند الإنسان لدراسة التاريخ.
المعادلة التي أدرجناها قبل قليل تبدو أكثر أنطباقا على النمط أو الصورة الأولى من أقسام التأريخ (مادة التاريخ)، والتي بدون وجودها لا يمكن أن يكون هناك قيمة للصيرورة ولا للفلسفة، بوجود مادة التاريخ ينهض علم التأريخ على أنه وجود لمعطى ومعطى لوجود نستطيع أن نتابع صيرورته من خلال تلك المعادلات، وكمثال حقيقي منطقي أن وجود الإنسان الأول في طبيعة باردة أو حارة أوجبت عليه من خلال وعيه بأن درجة الحرارة أيا كان تصورها عنه تدفعه للبحث عن معالجة، هذه المعالجة مع ضرورتها تحولت إلى حاجة بحاجة إلى أستجابة لضمان البقاء، عند هذه النقطة يبدأ تأريخ جديد عنوانه نجاح أو فشل حينما تكون الأستجابة بفعل واعي لحاجة مولودة بالوعي هي الأخرى، النجاح وحده هو من يبرر التحول ويعطيه قيمته التأريخية ليكون جزء من تاريخ الإنسان في محاولة البقاء والأستمرار، إذا وجودنا وأشتراط قوانينه كان مبعث الوعي، والوعي هو الذي يقود لفعل الأستجابة وينتصر به الإنسان على وجوده.
لكن بين الوجود والوعي هناك علاقة أو رابط خفي متصل بالإنسان، بل هو من يمثل حقيقته الوجودية في الوجود لا يمكن إغفاله ولا يمكن أن نسند فعله للغير، هذا الرابط هو الأنا بكل مستوياتها وأثرها، فالوعي يبدأ منها وإليه ترجع الأسباب، بل ونستطيع أن نقول لولا الشعور بالأنا وممارستها وفرضها على الوجود لا يمكن أن نؤشر وجود وعي محدد بشيء، فالإنسان الأول كان الوعي عنده نتاج الشعور بالأنا والدفاع عنها، فهو في مرحلة بحث عن ما يلبي الرغبة في بقاء الأنا متحركة في أطار وظيفتها وتعبيرا عنها، لذا عندما نقول بأختلاف الوعي بين الإنسان والأخر إنما نشير لأختلاف نوعية الأنا وتعدد مرابها واختلاف في طريقة التعبير عنها، فالأنا عند القوي هي أصلا قوية ومتمردة وخارجة عن الحد الطبيعي، إذا هي من تصنع القوة وهي من تشجع على أستخدام القوة في وعي منتقي ومراد والعكس صحيح.
إذا نعود للمدرسة التجريبية التي تركز على دور التجربة في الفعل التأريخي وصناعته، ولكن قبل ذلك علينا أن نمنح العقل فرصة أولا لصنع الوعي وثانيا أستخدام هذا الوعي في الأستجابة والمعالجة، فالقضية دائرة بين العقل كمصدر إلهام للتجربة والأنا كفاعل مجوهر ومبتكر للوعي، فليس كل الحدث التأريخي تجريبي كما أنه ليس بالضرورة أن يكون فعلا عقليا مجردا تأمليا أو أستنباطيا أو أستكشافيا، إنها معادلة أخرة تربط العقل مع الأنا بمحركات الوجود التي تحتم على الإنسان ككل أن يتحرك في أتجاه معين لتحقيق أولا توافق مع الوجود وثانيا تسجيل نقطة لصالح تقدمه وتطوره الذي لم ولن ولا يتوقف طالما أن الوجود فيه الكثير من المجهول والكثير من التحول والتبدل ويملك ضرورات التطور بذاته.
حقيقة هنا يمكننا القول أن التأريخ العام للإنسان هو تأريخ الوعي عنده، أي أن التأريخ الحقيقي هو ما أدركه الوعي عبر المعادلات السابقة فنجح في ترجمتها من خلال الأستجابة والفعل والنتائج المتمخضة عنهما، قد يكون هناك أفعال تأريخية سجلها التاريخ نتاج لا وعي مقصود أو بلا إدراك متعمد لها في أول حدوثها، لكنها وإن كانت قليلة ونادرة لكنها أيضا تسجل على الوعي من جانبه المكبوت والمضمر ( اللا وعي الطبيعي)، فاللا وعي المباشر أو الوعي العميق له حضور جاد وفاعل في التجربة التاريخية وحتى في التأمل المجرد، أولا لأنه جزء من منظومة طبيعية تعمل بشكل متكامل مع الوعي المراد أو الوعي المقصود، وثانيا قيمة النتاج الذي ساهم فيه في تكوين هوية الإنسان الكونية.
أخيرا لدي سؤال وأعرف أجابته مسبقا لكنني أتوجه به لعقل القارئ الكريم فحواه (هل يمكننا أعتبار الإنسان مع وجوده هو تاريخ التاريخ؟ بمعنى هل من الضروري أن نقرن الوجود من وجهة نظر تأريخية لنشير به للإنسان كونه صانع وخالق متطور يبحث عن البقاء والتطور متعلقا بحلمه القديم أن يعود للجنة التي فارقها مرغما عنه)، أظن أن هذا السؤال ليس من باب الميثولوجيا ولا يتعلق بفكرتنا عما زودتنا به المعرفة الدينية، فالإنسان كائن حالم ومن بين أحلامه كانت فكرة الجنة السابقة والنعيم الذي لا يزول، نعم حتى أكثر الملحدين تطرفا في هذا الجانب يسعى لأن يجد نفسه يوما في جنة بشكل ما أو بصورة مثالية ليعبر فيها عن تمام رغبته في الخلاص من سجن الوجود المطوق به لا إراديا، الجنة إذا واحدة من حاجات الوعي بالوجود لكنها ما زالت مشروع أستجابة من خلال تراكم الفعل المؤسس لها وسينالها بالتأكيد سواء أكانت فعلا هناك جنة أو مجرد تصور ذهني حاكه فعل الأنا.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية