حكومة ميقاتي تولد على أنغام رقصة المساومات بين ماكرون ورئيسي

حسن خليل غريب
2021 / 9 / 17

قبل أن تبصر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي النور، نقلت وسائل الإعلام، في الأسبوع الماضي، أنباء عن اتصالات هاتفية جرت بين الرئيسين الفرنسي والإيراني، ماكرون وابراهيم رئيسي. وأشارت الأنباء إلى أن مضمون الاتصالات تتناول قضايا عديدة ذات علاقة بقضايا العرب القومية، وذلك للاتفاق على إرساء قاعدة على أرضية المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، التي ستُستأنف في فيينا في الأيام القادمة. وأشارت التقارير إلى أنهما يتبادلان اعتراف كل منهما بمصالح الآخر، بحيث يكون ما يدفعه أحدهما للآخر مما يزعم أنه حصة له من الغنيمة العربية.
على خلفية تلك الاتصالات ومضمونها، يمكن للمتابع أن يتصوَّر ويستنتج ما جرى من محادثات فرنسية إيرانية سواءٌ أكانت حول تفصيل القضايا العربية التي تناولتها، أم كانت حول تبادل المواقف والاتفاق عليها.
من المعلن أن المفاوضات التي تجري في فيينا، خرجت من كونها مباحثات تقنية، يتم تحديد شروطها القائمة على منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، إلى مباحثات تتناول قضيتين أخريين، وهما: منظومة الصواريخ البعيدة المدى، والتهديد الإيراني للأمن القومي لعدد من الأقطار العربية. ولعلَّ القضيتين الأبرز اللتين تتم المساومة عليهما، هما: القضية العراقية من جهة، والقضية اللبنانية من جهة أخرى.
بداية الكلام تنطلق من حقيقتين ثابتتين تتلاقى عليهما مصالح الطرفين، وهما: أنهما عضوان استعماريان في ورشة المساومة على توزيع المصالح في الوطن العربي، وهما يتصرفان بملك ليس لهما، وإنما يستخدمانه كما لو أنه ملك لهما. وما كان لأي منهما قدرة على التصرف بما هو عربي، لو لم يكن الراعي العربي عدو الغنم.
حواضن الأجنبي تتحمل المسؤولية:
نتيجة للعمى المذهبي الذي تغرق فيه بعض الشرائح الاجتماعية في كل من العراق ولبنان، استطاعت فرنسا، قديماً ولا تزال، أن تحتضن واحدة منها. وحديثاً استطاعت إيران أن تحتضن أخرى. وتعمَّقت علاقات الحاضن والمحضون إلى الدرجة التي سلَّمت تلك الشرائح الطائفية أمرها بالكامل لمن زعمت أنها حامية لها.
وبناء على ذلك، واستطراداً، فإن الواقع يؤكد أن العراق ولبنان يمثل حاضنة بعضها سياسي، وبعضها شعبي، لكل من فرنسا وإيران. ولذلك يستخدم كل من الطرفين حاضنته كورقة ضغط على طاولة المساومات في فيينا. ومن أجل حصول إيران على أفضل الشروط في الاتفاقية المفترضة مستقبلاً، لا بدَّ لها من أن تمر عبر بوابة الأطراف الدولية المشاركة في المفاوضات، وإن فرنسا تمثل أحد تلك الأطراف، ولذلك كان من الطبيعي أن يتواصل الرئيس الإيراني مع الرئيس الفرنسي. ويؤكد الواقع أيضاً أن لفرنسا – ماكرون مصالح اقتصادية في العراق، وفي الأولوية منها الاستثمار في البترول العراقي. وإنه من أجل الحصول على عقود نفطية، لا بُدَّ له من أن يمر عبر البوابة الإيرانية. وهذا ما أكَّدت عليه دعوة ماكرون إلى المشاركة في (مؤتمر جوار العراق) الذي عقد في بغداد في الأسبوع الفائت، والذي سرح فيه ومرح بدءاً من زيارة كنيسة الموصل انتهاء بزيارة مرقد الإمام الكاظم في بغداد. وتناسى أن طائرات فرنسية هي التي أسهمت بشكل كبير في تدمير أحياء الموصل. كما تناسى أن العراق مسروق من قبل النظام الإيراني، وعلى الرغم من ذلك، فكان ماكرون وكأنه يتودد لذلك النظام من أجل الحصول على عقد نفطي في العراق لصالح شركة توتال الفرنسية.
ماكرون يبيع مبادئ الثورة الفرنسية ببئر من النفط:
لا شكَّ بأن الثورة الفرنسية كانت الرائدة في التاريخ العالمي، من حيث مبادئها التي كانت قدوة في التاريخ الحديث والمعاصر. كانت هكذا لأن الطبقة المثقفة، من مفكرين وسياسيين أحرار عشقوا الحرية، وناضلوا من أجلها، وكانوا قادة الثورة وليس غيرهم من التجار والغوغاء. ولا شك أيضاً بأن المفكرين الفرنسيين نهلوا من الثقافة العربية عندما ترجموا كتب ابن رشد، وابن سينا والفارابي والكندي،،،، واستفادوا منها في صياغة أفكار الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وقد ألقت ثورتهم إشعاعاتها التنويرية والنهضوية على الثورة الفكرية والسياسية في العالم. يومذاك لم يركض أي مفكر فرنسي وراء الصفقات التجارية، والمساومات السياسية. بينما على العكس من ذلك، فهذا ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، يرتد على مبادئ ثورة فرنسا، ويبيعها لقاء حصول الشركات الفرنسية والتجار الفرنسيين على عقد اقتصادي من هنا، أو عقد من هناك.
تجري الصفقات التي يعمل ماكرون للحصول عليها، حتى ولو كان العقد على حساب الشعب العراقي وآلامه وتهجيره وسرقة ثروات بلده. وحتى ولو كان على حساب الشعب اللبناني الذي عانى الفقر والمرض من أحزاب السلطة الفاسدة الحاكمة في لبنان. فإذا به يكافئ رئيسي بالاعتراف بـ(حكومة ميقاتي)، كسباً لرضى النظام الإيراني الذي ينام على حلم أنه يحكم لبنان بواسطة أذرعه في لبنان. والأغرب من كل ذلك، فهو يستجدي تلك العقود من نظام إيراني طائفي يشهر سيف التكفير لمن يعارضه من دول دينية أخرى، أو من دول مدنية. يعترف بها على الرغم من أنها تتناقض مع مبادرته الأولى شكلاً ومضمونا.
لقد تواطأ ماكرون مع نظام ديني سياسي ديكتاتوري يسرق ثروات الشعوب. نظام طالما ثار المفكرون الفرنسيون ضد أمثاله عندما أرغموا الكنيسة، ورجال الكهنوت إلى العودة إلى كنائسهم، والاعتراف بأن (الدين لله، والوطن للجميع). والذي كان مقدمة لمبدأ (حق الشعوب باختيار أنظمتها، وحقها بتقرير مصيرها).
مبادئ الثورة الدينية السياسية ترغم مبادئ الثورة الفرنسية للعودة إلى ما قبل اندلاعها:
وبناء على تلك الوقائع، تتم المساومة العجيبة الغريبة بين الرئيسين الفرنسي والإيراني. ومن أوجه الغرابة في تلك المساومات الهاتفية، هو أن الطرف الإيراني يساوم على ثروات أرض لا يملكها بحكم الشرعية الدولية والإنسانية والأخلاقية والدينية من جهة، ومن جهة أخرى إن الطرف الفرنسي يعرف تلك الحقائق ولكنه يُصرُّ على أن يساوم إيران للحصول على تلك المصالح، حتى ولو كانت المساومة تجري مع معتدٍ ومحتل وفارض سيطرته على العراق بواسطة قوة ميليشياوية شرعن تشكيلها بقوة الاحتلال.
وأما الغرابة في سلوك الطرف الإيراني فإنه، بالإضافة إلى الحصول على أفضل شروط لتجديد الاتفاق النووي، فإنه يعمل على ترسيخ أوراق إمساك حلفائه بالقرار اللبناني، ولأنه استناداً إلى امتلاك فرنسا حاضنة سياسية واقتصادية في لبنان، يعمل النظام الإيراني على المقايضة بينه وبين الدولة الفرنسية، يأخذ منها مباركتها تشكيل حكومة ميقاتي في لبنان على الرغم من أنها بعيدة كثيراً عن مبادئ المبادرة الفرنسية التي أعلنها ماكرون بنفسه في العام الماضي. فعلها ماكرون لقاء ما سوف يحصل عليه في العراق.
إذا كان الراعي عدو الغنم:
في سوق المساومات بين الدول الكبرى، والأقل منها شأناً، لا بُدَّ من إعادة ترديد ما قاله الشاعر المتنبي: (مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ). فأن تشتري بنا تلك الدول وتبيع فهذا شأن المناهج المعرفية في التاريخ التي تؤمن بأن الحق للأقوى. وأما منهج النظام الطائفي السياسي، وأنظمة التوريث السياسية، فتؤمن بمنهج (الاستقواء) أي الالتحاق بمن هو قوي. وأما منهج الشعوب التي تعمل على التغيير، فتؤمن بـ(أنه ليس هناك أقوياء، بل هناك ضعفاء).
وأما ما هو سائد في النظام الطائفي السياسي في لبنان، فهو منهج (الاستقواء)، أي أنه في هذا النظام القائم على التفتيت الطائفي، فقد جعل لبنان بدلاً من أن تتحد طوائفه لتشكل قوة وطنية، فقد فسَّخها وجعل منها شراذم ضعيفة تحتاج كل منها إلى من يحميها. فأخذت تلك الشراذم تتبارى بمن تحتمي به من دول الخارج. والأشد غرابة من كل ذلك، أن كل شرذمة تحصل على مصادر القوة تتباهى بتفوقها على الآخرين وتستقوي عليهم، وتتلذَّذ باستخدام قوتها الفائضة من أجل تطويعهم.
إن الشراذم الطائفية في لبنان، وكَّلت عنها أميراً تحسب أنه يحميها. كما حسب كل أمير أنه راعٍ لطائفته، فراح يجزُّ صوفها. وشكَّل مجموع الرعاة مجلساً يتوافقون على طاولاته ينظِّم فسادهم وسرقاتهم للشعب. واستكملت الدائرة الكبرى حلقاتها بأن كل واحدة من الدول التي تفرض حمايتها راحت تجز صوف رعاة الطوائف، تارة بتنازل سياسي وتارة أخرى بتنازل اقتصادي، وتارة ثالثة بتنازل عسكري. ونتيجة لهذه الهرمية صعوداً أو نزولاً، يكون الشعب هو الضحية. وتتحمل فيه مناهج الشرذمة الطائفية المسؤولية في كل ذلك. ويصح فيه قول الشاعر سليمان العيسى: (لا يُلام الذئب في عدوانه إذا كان الراعي عدو الغنم).
واختصاراً، فقد هانت نفوس رعاة الطوائف في لبنان، وهانت معهم نفوس الطوائفيين من أتباعهم. ولما سهل الهوان عليهم، أصبحوا جميعاً ضعفاء، الأمر الذي حسبت الدول الراعية فيه أنها قوية، بينما العكس هو الصحيح، لأنهم ليسوا أقوياء بل لأننا نحن الضعفاء حينما استسلمنا لأوامرهم، وقمنا بتنفيذها لقاء حفنة من مال أو سلاح.

الحل في الثورة التي تعتقد بـ(أنه ليس هناك أقوياء، بل هناك ضعفاء):
ولأن موضوع مقالنا محدود بتحليل المساومات التي تجري بين إيران وفرنسا، نطرح السؤال التالي: هل هما دولتان قويتان فعلاً؟
بالنسبة لفرنسا، تستمد قوَّتها في لبنان من البيئة الحاضنة لمنهجها الاقتصادي والسياسي والتربوي. ولذلك يمكنها أن تساوم إيران على إعطائها ثقلاً في حكومة ميقاتي. ولو لم تكن فرنسا تمتلك تلك الحاضنة لما كان بمقدورها أن تبيع إيران ما لا تملك في لبنان. ولهذا فقد باركت فرنسا تشكيل حكومة أقل ما يُقال فيها أنها جاءت على النقيض من المبادئ التي تضمنتها وثيقة ماكرون بعد زيارته إلى لبنان بعد انفجار المرفأ في الرابع من آب من العام 2020.
وبالنسبة لإيران، لم تصل إلى هذا المستوى من القوة في الوطن العربي، لو لم تمتلك حاضنة في العراق وسورية ولبنان واليمن، وبعض شراذم في كافة أقطار الوطن العربي، وهي التي تستخدمهم في تهديد هذه الدولة أو تلك من أخصامها. فأسباب قوة إيران هو ضعف الحاضنة الشعبية العربية التي تنازلت عن قرارها السيادي في تلك الأقطار لمصلحة النظام الإيراني. ولولا ذلك لما تمكنَّت إيران من بيع جزء من ثروات العراق لفرنسا مقابل الحصول على تأييدها في ترسيخ قوة حلفائها في لبنان.
ثوار تشرين قلبوا المعادلة:
وبالنتيجة، ليس هناك قوي، بل هناك ضعيف. وتلك قاعدة ثابتة من قواعد الثورة في لبنان والعراق، التي انطلقت بزخم مشهود له في تشرين الأول من العام 2019.
لقد أعلنت الثورة سلميتها حتى في مواجهة (بلطجة) أحزاب السلطة لتعطي الأنموذج الديموقراطي السليم.
وأعلنت رفضها لنظام المحاصصة الطائفية لأنها البوابة المفتوحة دائماً أمام ابتزار الخارج للعرب، تحت مبادئ (الاستقواء بالخارج).
وأعلنت كذلك أن من يريد بيع نفسه على حساب كرامته الوطنية والقومية والإنسانية، فهذا شأنه. ومن أراد أن يكون مطية لدولة خارجية، تبيعه وتشتري به، فهذا شأنه. أما وأن يوهم، هذا الأمير الطائفي أو ذاك، مؤيديه بأنهم أصبحوا أقوياء فهم بالحقيقة أضعف مما يحسبون، لأن القوي الخارجية لن تتعامل مع الضعيف معاملة الند للند، بل على طريقة التابع للمتبوع، وعلى طريقة الآمر للمأمور.
وإن الثوار، وإن كانوا بتشكيل (حكومة ميقاتي)، مع أن يتنفس اللبنانيون بعض الوقت من هول الكوارث التي لحقت بهم في السنتين الفائتتين، يعلنون الآن، أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي جاءت نتيجة تسويات ومساومات بين الرئيسين الفرنسي والإيراني وسكوت حلفائهما من القوى الدولية والإقليمية. وما ضر الرئيسين ماكرون ورئيسي، في أن تكون تلك الحكومة (حكومة وحدة الأحزاب الفاسدة)، التي كانت السبب في انهيار لبنان الكارثي. والذين ما إن خرجوا شكلاً من باب الحكم، مشيَّعين برضى (الأقوياء في عقد الصفقات على حساب مصالح الشعوب)، حتى دخلوا من شبابيكه ممثلين بملائكتهم في الوزارات.
وإلى أن يثبت العكس، ولن يثبت، فلكل حادث حديث. ولن يكون موقف الثوار سكوتاً عن مفاسد جديدة قد ترتكبها الحكومة الجديدة، ولعلَّ في الأولوية منها إخفاء معالم الفساد التي كانت السبب في وصول لبنان إلى مراحل الانهيار على شتى الصعد، والأكثرها دلالة وصول 75% من اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية