تجربة الحرية والمجتمع العراقي

عباس علي العلي
2021 / 9 / 17

في واحدة من لمحاته النظرية يسطر الوردي خلاصة لما يراه من مفهوم الحرية والثورة في مجتمع مثل المجتمع العراقي فيقول (الواقع ان القبائل العراقية بوجه خاص، واهل العراق بوجه عام لم يكونوا يعرفون هذه النزعة (الحرية والاستقلال)، او يدركون لها معنى فهي نزعة حديثة لم تظهر في العراق الا في عهد متأخر جدا، وذلك بعد اتصال العراق بالحضارة الحديثة واقتباس بعض مفاهيمها ومصطلحاتها) ، فهو يرى أن تجربة الحرية تجربة غريبة وحديثة على مجتمع عاش منذ فجر التأريخ تحت سلطات مركزية شمولية، ولم يجرب في حاضره القريب والمتوسط شكلا من أشكال الحرية الأجتماعية، لذا يعد هذا المفهوم بالنسية له وبالأخص للمؤسسة الأجتماعية والدينية المتحكمة نوع من النزق التبشيري ذي المقاصد الخفية .
لكنه من جانب أخر نراه في مسألة الثورة يبتعد قليلا عن الواقع، فالعراق البلد الإسلامي الوحيد الذي لم تنطفي به أجيج الثورة وفكرتها منذ القدم، وما زالت أصداء ثورة الحسين في كربلاء تعشعش في الوجدان الأجتماعي الإسلامي وتحافظ على المقاومة الذاتية له كمجتمع منتفض دوما، وخاصة مع كل تجدد لمفهوم الثورة في مكان ما، ولولا العامل الديني الذي غذته الولائية الدينية وخاصة في الجزء السني من المجتمع العراقي لوجدت المجتمع العراقي على صفيح ساخن لا يقر له قرار، إلا أن مفهوم الخلافة والتجهيل والتغريب وسياسة إفقار العراق وسلب إرادته من قبل السلطة العثمانية، زاد من الشعور بالعجز في مقاومة دولة تعتبر العراق خاصرتها الرخوة بمقابل الإمبراطورية الإيرانية المتربصة .
الدكتور الوردي تجاوز هذا المفهوم في الإشارة التي أوردنا ومن خلال ما أقرأ فأجد أن الدكتور الوردي كان يقصد الربط الجدلي للحرية بالثورة أو الثورة المنتجة للحرية بالمفهوم الغربي متأثرا بالمدرسة الليبرالية الأمريكية، فهو يصنف هذا الوعي على أنه غريب عن مجتمع العراق خصوصا، وأظنه كان مصيبا لجهة النتيجة التي توصل إليها، فبعد نصف قرن من مقولته المشهورة تؤكد الوقائع العراقية أن الحرية وفق النموذج الليبرالي والناتجة عن تغير جذري لا يمكن أن تخدم شعبا لم يتبنى من قبل رؤية حضارية موحدة وقادرة على التجسد قبل ذلك، والشاهد المؤيد لهذا الأستنتاج ما حدث في المجتمع العراقي من فوضى وتخبط وإنهيارات أجتماعية ونفسية بعد عام 2003 .
المفهوم المسيطر على غالبية دراسات وأفكار ونظريات الوردي قوامها في الجانب الأجتماعي كما أسلفنا على مفهوم صراع البداوة والحضارة، وأن العراق يرزح تحت وطأة هذا الصراع وبالتالي ما لم تنهزم البداوة وتتجذر روح المدنية في المجتمع من خلال عصرنة مؤسساته التعليمية والفكرية والتربوية ومن خلال التدرج في الانصهار بين الوافد والحاضر، لا يمكن أن نشهد للحرية دورا مهما في ترقية أسس وأركان المجتمع، العلة في ذلك يعزوها لأن عوامل البداوة المتجذرة في النفوس سوف تنفلت من عقالها لتمارس سطوتها على المجتمع في ظل عدم توازن وتساوي لقيم المجتمع من خلال الإحساس بالتحرر من السلطة ومشتقاتها .
هذا التقييم وإن كان فيه جانب كبير وصحيح ولكن الخوف من عامل البداوة وهو العامل المركزي كما يظن في تخلف المجتمع العراقي لم يعد ذلك الخطر الداهم المؤثر، لأن البدو والبداوة قد أصبحت في جانب منعزل ومشلول التأثير مقابل تقوية روح القبيلة والعشيرة وامتداداتها داخل المدينة، هذه الأمتدادات تغذيها السياسة وتزرع بذورها توجهات في أحيان كثيرة نمطا من التفكير الديني القائم على التفريق بين الناس على أساس مقدار العلم الديني أو القرب من مصادره، أو في صحة مصادره وخاصة في المدن المحاطة بالريف وتتخذ من العلم الديني سمة أجتماعية .
القبلية هي اليوم تمثل التحدي مقابل الأغتراب والتغريب في الجانب الأخر، هما عنصرا التطرف في الحياة العراقية من جهة الوافد للمدينة وإن كان مع مرور الزمن يحاول الإندماج أو هكذا يبدو، لكن في المقابل هناك تطرف لدى البعض من أبناء المدينة أيضا من خلال الرفض التام لكل ما هو وافد، وهذا ما نشهده حاليا فيما يسمى بفوبيا الشروكية ومثلها فوبيا ابن الولاية وابن الريف (داخل السور وخارج السور) في الواقع النجفي مثلا، وبالرغم أن هذه الفوبيا أساسها عنصري والبعض منه طائفي، إلا أن من فجر المفهوم وأداره الصراع أولا هم المتطرفين الذي أستهواهم النمط الغربي في العيش.
الحرية كما نفهما ليست مجرد نتيجة من نتائج الثورة بل هي وعي أساسي في الشخصية الفردية قبل الثورة ينمو ويتكامل ويتجسد بسلوكيات ترعاها وتديرها أسس تربوية ومناهج تعليمية ومثل وممارسات يومية كي تبدو ناضجة وقادرة على أت تؤدي دورها الحيوي في حياة الشعوب، ومن هنا فكلما ترعرعت ثقافة الحرية وتكاثرت الممارسات الصحيحة لها وتنوعت وتجذرت، نجد أن الفرد الأجتماعي سرعان ما يندمج في الإطارات التي تصنعها محاولا الوصول إلى درجة التعبير الجاد والحقيقي عن نفسه بما يؤمن له هوية مميزة يستطيع أن يفخر بها، وهذا ما ينسيه بالتدريج كل القيم والعادات التي ورثها أو أستورثها من أجيال قادمة .
لقد أمن الدكتور الوردي في مفهومه للحرية ونظرته الليبرالية لها بما يسمى بالمدرسة الحتمية التي نجدها تتغلغل في تفكيره، ومن خلال ربط الإنسان بواقعه ربط لا يمكن بالسهولة الإنفكاك منه لأنه جزء من الطبيعة التي يعيشها، البدوي قليلا ما يتغير والمدني قليلا ما يقبل بالمد البدوي، هكذا يرى البدوي للحرية هي ما تعني له كم الانفلات من عين السلطة والقانون والإلتزام بالضابط الأجتماعي العام، مقابل التقيد بالخاص والخصوصي في مجتمعه وعين وقوة وسطوة أحكامه، أما المدني لا يمكنه أن يتنازل عن حقه في التقليد ومسايرة الغرب والنظر بعين أكثر جرأة من عين المجتمع للكثير من المواضيع وأيضا لأنه جزء من الطبيعة التي أنشأته .
لقد أمن بدور الطبيعة وربط بينها وبين الإنسان والحرية دون أن يلتفت إلى أن المدرسة الحتمية هي وجهة نظر، قد لا تكون دوما نظرا صالحا للأمور وأيضا أن الفطرة الطبيعية في الإنسان تعترف بالحرية، لذلك نحن جميعا نؤمن بأن الناس يولدوا أحرار سواسية، لكن المجتمع هو من يستعبدهم والمجتمع هو من يضع بصماته على السلوك الإنساني، فالطبيعة تعترف بالحرية وتنادي بها ولو أردنا الجدال، فالحتمية تؤدي دوما إلى أنتصار الحرية عند الإنسان لأنها حتم مستمد من الكينونة والفطرة .
الخلاصة التي وصل لها الوردي بعيدا عن جذور فكرته عن الحرية أن المجتمع العراقي ما لم يمنح التعليم والتدريب والشعور بالهوية العراقية التي تشكل أساس مهم في شخصية المجتمع وأعادة ترسيم حدود السلطة داخل عنصرها المدني وبحدود المدينة، لا يمكن أن يشعر الإنسان العراقي بالحرية، فحرية الفرد أساسها حرية المجتمع وحرية المجتمع تأتي من أعادة الوعي للعقل الفردي والجمعي، وإبعاد تأثير العقلية التأريخية عن مسارات التأثير والأستغراق التام في الزمن، بمعنى العيش بما يمنحه من رؤى وأفكار وقيم، بالنتيجة الحرية صناعة وفن وعلم لا يمكن منحه بقرار ولا نيله بالثورة .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي