مونودراما.. كريستوفر مارلو.. عباس منعثر

عباس منعثر
2021 / 9 / 16

(في بيت ألينور بول، كريستوفر مارلو منطرح على الأرض. إنكرام فرايزر يجلس على كرسي. مارلو ثمل جداً، يقف ويجلس قبالة فرايزر. لسبب مجهول ينادي مارلو على فرايزر يا مستر جونز!)
مارلو:
صديقي العزيز مستر جونز (إنكرام فرايزر يمتعض) نحنُ في بيت ألينور بول في 30 آيار سنةَ 1593. الجو مشحونٌ بالتوتر، الغيومُ الرّماديةُ تستنبئُ بفاجعةٍ مُريعة. ثمّةَ حدثٌ قويّ على الأبواب. مؤكداً، ستقتلُني في نهايةِ المونولوج بعد مشاجرةٍ عنيفةٍ والسّببُ المُعلَنُ: عدمُ سَدادِ ديونٍ مُتراكِمة. أعتذرُ سيدي المؤلف، أفسدتُ عليكَ الحبكة. ولذلكَ سبب: الظّلمُ ثُلاثيّ الأَبعاد. (لإنكرام فرايزر) ألا يكفي يا مستر جونز أنني أدفعُ الثمنَ مرّةً في حياتي الخاطفةِ السريعة، ومرّةً فيما سُطّرُ عنّي من تلفيق، ومرةً حينَ يستغلّني مُؤلّفٌ مُبتدئ؟! أتركُ الحكمَ لضميرِك. (إنكرام فرايزر يدخن). سأَتجاوزُ عن وجودِكَ أمامي صامتاً طيلةَ الوقتِ مستر جونز، سأتغاضى عن ثرثرتي وحدي وكأنني مجنونٌ، سأَغفرُ إستجلابي من قَبري إلى هنا وتفتيقَ الجراح، وأَعتبرُهُ شيئاً طبيعياً أن أكونَ ثملاً، لأنني أُفرطُ في الشّراب والتدخين. غير ذلكَ مرفوض. لا أسمحُ للسّيدِ المؤلف ولا لأحدٍ مهما كانَ أن يتلاعبَ بسريرتي. (إنكرام فرايزر يحتسي الخمر). للموتى لسانٌ أيضاً. لن أتوانى لحظةً عن بيانِ إستنكاري وشَجْبي لأيّةِ فكرةٍ أو جملةٍ أو كلمةٍ أو حرفٍ يوضعُ على لساني لضروراتِ التشويقِ والإثارة. سأَعترض. لن أَعِدَ بالإلتزام.
(الوضيع الرّوح ينالُ مجداً)
بلا مُقدّماتٍ، أنا كريستوفر مارلو. شاعرٌ وكاتبٌ مسرحي من العصر الإليزابيثي. أبي صانعُ أحذيةٍ من أصلٍ وضيع. نحنُ 10 أبناء، أنا الأكبرُ بينهم بعد وفاةِ أختي الكبرى. كنتُ ربيبَ بيئةٍ سيئةِ السّمعة: لي أختانِ عابثتانِ وماضٍ غير مشرّف. أنْ توجدَ وسطَ إنحلالٍ عائلي وأختين كأكبرِ ساقطتينِ في البلدة، وتعاشرَ السّفلةَ والسّقطة، لن تُصبحُ قديساً أو كاهناً؟ النتيجةُ المُحتملةُ أنْ تكونَ متمرداً. وهو ما حصل بالفعل. فالحياةُ لغةٌ أجنيةٌ والجميعُ لا يحسنونَ هجاءها. (إنكرام فرايزر ينظر إلى السقف). لحظة! بصرفِ النظرِ عن صفاقةِ المؤلفِ وتصويري وكأنني سعيدٌ بهذا الوصفِ المَهين، أحبُّ إخبارَكَ مستر جونز أنّ وجودَ الإنسانِ في ظروفٍ قاهرةٍ يُجبرُهُ أحياناً على مصيرٍ لا يُريدهُ بالضّرورة. فلو أنني إبنُ أبيكَ لكنتُ أنت، أو كنتُ أميراً أو حفيدَ قيصر ولما إضطررتُ إلى مُعاشرةِ الأراذلِ والأوغاد. (إنكرام فرايزر ينقر بأصابعه على الطاولة). أتقنتُ اللاتينيةَ وترجمتُ أوفيد، التي مُنِعتْ من الطّباعةِ بداعي الإساءة، مثلّما هاجموا مسرحيةَ إدوارد الثاني بسببِ الشّذوذ. للبطلِ علاقةٌ مِثليةٌ بأحدِ أعوانِهِ المُقرّبين. أما مسرحية تمبرلين فقد دشّنت العصرَ الإليزابيثي. كانت مسرحيةً ناجحةً بحقّ. صَنَعَتْ إسمي. فيها عرفتُ الشّعورَ بالمجد. كنتُ في الـ23 من عمري. في تمبرلين، إنتقلَ الرّاعي من القَعرِ إلى التاج، من الظلّ إلى الضّوء. مَنْ يرتفع هكذا بلا إعتدالٍ سيفقدُ التوازن، ويحسبُ الدّنيا كلّها تحتَ قدميهِ، وسيكونُ طبيعياً أن يفقدَ البصيرة. هو وهمُ السّلطة. أنتَ على كُرسيّ في بيتِكَ المُتضعضع، وأنتَ على عرشِ المملكة؛ لا تتشابهان. لقد إنتصرَ وفتحَ الممالِكَ، كَنَزَ الأموالَ ودانتْ لهُ الرّقاب؛ وآخرتُها؟ لا تستطيعُ إنجازاتُ العبقريّ أو القائدِ العظيم أن تصدّ ذلكَ الكيانَ الغامضَ المُكتَسِح: شبح الموت. هذهِ محطّاتٌ مهمةٌ من حياتي. (إنكرام فرايزر يبحلقُ في الفراغ). نتوّقف هنا مستر جونز. لا أجدُ تبريراً لهذهِ الإستطراداتِ المُستهلَكةِ من سيرتي الذاتية. كان من المفترضِ أن نبدأَ من الذّروةِ بدلَ اللفّ والدّوران. إمممم! يُمّهِدُ المؤلفَ للنهايةِ المُفجعةِ على حسابي؛ ويُريدُ منّي أن أرضى بدورِ الفريسةِ المُستسلمةِ لأنيابِ الضّباع!
(مضاجعو الذّكور لا يرثونَ ملكوتَ الله)
بشأن الشّذوذ، (إنكرام فرايزر يهرش لحيته) لا أرى ضيراً في موقع الفاعل أو المفعول. لأيّ سببٍ نعدّهُ أَمراً طبيعياً حين نولِجُ في المرأة، ونُسمّيهِ مع الرّجلِ إنحرافاً يستأهلُ النبذَ والإزدراء؟ (إنكرام فرايزر يتمّخط). هي العمليةُ ذاتُها، حلقةٌ وعمود. كانت المِثلية جُنوحاً لمجموعةٍ من المنبوذين؛ وسيأتي يوم يجتمعُ الأسوياءُ في أقبيةٍ سريةٍ للمطالبةِ بحقوقِهم المُغتصبة. (إنكرام فرايزر يستشيط غضباً). في طفولتي، ربيّتُ حمامتين: ذكر وأنثى. فرّخا عن حمامتين. مات الفَرَخ الذّكر وبقيت الأنثى. كبُرَتْ. مرّت الأشهر. نسيَ الأبُ أنها إبنتُهُ، جامَعَها. فقّسَ البيض، وهكذا دواليك. (إنكرام فرايزر يحكّ رأسه مستغرباً). عن إذنِكَ مستر جونز. أنا ربيتُ حمامتين؟ يا ناس، يا عالم، هذهِ قضيةٌ مُختلَقةٌ ومكذوبةٌ. أتبرأُ منها أمامَ مسامعِكم. وأرجو من المؤلفِ أن لا يُلقي بتجاربِهِ الشّخصيةِ وعقدِهِ النفسيةِ على حضرتي. يكفي ما في شخصيتي الأصليةِ من خللٍ حتى تُضيفَ إليها من خيالِكَ وإحسانِك! (يعود إلى إنكرام فرايزر) إنطلاقاً من تجربتي مع الحمام، وتزاوجِ الأبِ مع إبنتِه، أريدُ تنبيهَكَ إلى شيءٍ مهمّ جداً. الطّبيعة نفسُها لا تهتمّ بقوانينِنا، واللّذة فعلٌ حيوانيّ بحت، طفيفُ الصّلةِ بالعقلِ والأخلاق. وهنا ينعتقُ السؤالُ من عقالِهِ: لماذا نضطهدُ المُخالف؟ أعليهِ أن يَفنى أما بالإحتقارِ أو الإهمالِ أو بخنجرٍ أو بإطلاقة؟ مستر جونز، لكلامي مغزى. أرجو التركيز. الإختلافُ ليسَ مُبرراً للموت. اليوم أعداء؛ غداً أصدقاء. دوامُ الحالِ من المُحال والدّنيا دوّارة. ما يريحُ التعساء، أن يكونَ لهم في التعاسةِ شُركاء. إتفقنا؟ ومسألةُ الشّذوذ لم تَثبُتْ إطلاقاً. ضعْ ذلكَ في حسابِكَ من فضلِك!
(قالَ الجاهلُ في قلبِهِ: ليسَ إله)
أنا مُلحِد. إستحوذَ الشّيطانُ على روحي. لم أعدْ مؤمناً بما يؤمنونَ به. لذلك أُجدّفُ في المسرحياتِ والمنشوراتِ السّرية. تجديفي ردةُ فعلٍ على رَفضي للخديعة. أَمشي في طريقي إلى الهلاك، مثلَ دكتور فاوست. أعلمُ ذلك. الهلاكُ أرحمُ من المستنقعِ الإيماني الآسن. (إنكرام فرايزر يستاء). كم هي مُضحكة الطقوس، أفعال الكنيسةِ، التعميد، العفو، الثياب الكهنوتية! والأحقرُ من كلّ ذلك: الخضوعُ للكاهن. هو كلبٌ يعوي من أجلِ أهدافِه. القصّةُ بالنسبةِ له قصّةُ سُلطةٍ وسياسة. جهادٌ من أجلِ المكانةِ والمال. يصوّر الأبيض أسود والأسود أبيض. هل أدفعُ أنا، والمُغَرّرُ بهم، ضريبةَ إمتلاءِ كرشِ الكهنةِ وجيوبِهم؟ (إنكرام فرايزر ينفعل). مستر جونز، تمّهلْ ولا تحكم على الهذرِ السّابق. راجعْ مسرحياتي وسترى كيفَ أرسمُ الجنّةَ والجحيم. أرفضُ إتهامي بالدّعايةِ للكاثوليكية والإلحاد كما يُلّمحُ المؤلفُ الأفّاق. ضعْ هذا أيضاً في حسابِكَ وخفّفْ من إنفعالِك. لا تجعل الإعتقادَ الدّيني يفصلُ بينَنا كبشر. ما يجمعُنا دائماً أكبرُ مما يفرّقُنا. إنهُ القلب، التآزر، الترابطُ الإنساني.
(الكلّ باطلٌ وقبضُ الرّيح)
كنتُ نيزكاً، جئتُ خاطفاً وغادرتُ خاطفاً. إنطوتْ صَفحتي بمكيدة. نجحَ المتآمرونَ لأنّ القاتلَ هو القاضي. إذا أكثرتَ من المَشكوكِ بهم ومن الدّوافعِ والتخمينِ في أيةِ قضية، ينتَفي تحديدُ الجاني. (إنكرام فرايزر يشرب). الأسباب مُعقدّةٌ في حالتي: العشقُ الذي دفعَ سيدةً إلى تأجيرِ قاتلٍ كي تُبعدَني عن زوجِها. خشيةُ مالكِ الأراضي من الإدانةِ إذا إعترفتُ تحتَ التعذيب. الظنُّ بأنّ مسرحياتي تنطوي على دعايةٍ كاثوليكية. القتلُ الخطأ تحتَ تأثيرِ الخلافِ في إستحصالِ الدّيون. التضحيةُ بالجاسوسِ قبلَ إنكشافه. خوفُ أعضاءِ مجلسِ الملكةِ الخاص من إنكشافِ إلحادِهم. إنزعاجُ إليزابيث بسببِ سلوكي الإلحادي التخريبي. الغيرةُ والحسدُ من علاقتي بسيدةٍ راقية. القلقُ من إذاعةِ أسرارٍ يَمتلكُها رجلٌ ذو درايةٍ بخبايا المطبخِ الخفي، بصفتِهِ كاتبَ رسائل الملكةِ الخاصة! كأنكَ تصطادُ سمكاً بيديكَ في ليلةٍ عاصفة. في زوبعةٍ كهذه، ستغيبُ الحقيقةُ مهما كانت ناصعة. كانَ صراعاً بين الأفاعي؛ ذهبَ طائرُ السّنونو ضحيةً له. (إنكرام فرايزر يشرب ثانية). مستر جونز، بعيداً عن سردِ المؤلفِ المُريب لمُلابساتِ مَقتلي؛ نتفقُ على أنها نزوةٌ بشرية. دعنا نتأمل بالعواقب، بالألم، بالمعاناةِ التي سبّبتْها، ونتراجع. توجد إمكانيةٌ حتى للشّيطانِ بالعودةِ إلى رُشدِه. وهذا خطأُ فاوست. أعطتْهُ الطّبيعةُ قدراتٍ خارقة، وحذّرتْهُ في إشاراتٍ واضحة؛ أهملَها واستمرَّ مثل قشّةٍ في تيار جارِف. (إنكرام فرايزر يبصق جانباً). أنا نفسي أُنكرُ على نفسي عُنجهيتي مع فاوست. لم أتركْهُ حرّاً يختارُ طريقَهُ؛ بل أُجبرتُهُ على الخاتمةِ المُحتّمة؛ وقد ندمتُ على ذلك.
(لا تشمتْ بموتِ أحد. أذكر أنّا بأجمعِنا نموت)
أقولُ لمن يتشفّى بموتِ المُلحدينَ أمثالي فَرَحَاً بتحققِ عدالةِ السّماء: إصحَ يا نائم! إذا كانَ المرضُ عقوبةً فأنتَ أيضاً تمرضُ مثلنا بل أشدّ منّا أحياناً، وإذا كانت الشّيخوخةُ قَصاصاً فلن تهربَ منه، مثلَ الموتِ الذي لا يُستثنى منهُ أحد. هل لكَ أن تشنّف أذني بالإجابةِ على السّؤالِ التالي: أين جزاءُ الطّغاةِ والسّفاحينَ على مرّ التاريخ؟ لقد ماتوا على فراشِهم بعد أن قضوا 90 عاماً بهناءٍ وسعادة. ألا تكونُ عدالةُ السّماءِ سريعةً ومُستعجِلةً إلا معي بحيثُ تخطفُني في ريعانِ الشّباب؟ دعكَ من هذا، مُهرطقٌ بائسٌ مثلي وإقتصّتْ منهُ السّماء، كيفَ تعاملتْ عدالةُ السّماء مع مستر إبليس؟ تَرَكتْهُ طليقاً، زوّدتْهُ بقابليةٍ مُذهلة مع تسهيلاتٍ غير محدودة وبأعوانٍ قادرينَ على إختراقِ الأستارِ والنفوسِ والأرواحِ، وسمحتْ لهُ بإغواءِ وإفسادِ البشريةِ كلّها. كان تأثيري مُقتصراً على ثُلّةٍ من أصدقاءِ السّوء؛ وشيطانُ السّماء هو من تُعلّقونَ على رقبتِهِ كلَّ أخطاءِ الوجود. (إنكرام فرايزر يلتقطُ شيئاً وقع تحت الطاولة). دعكَ من هذا أيضاً، وهل الأنتقامُ حاضرٌ في الأوبئةِ العامةِ والحرائق التي تأكلُ الأخضرَ واليابسَ أو في بُركانٍ يُدّمر القرى؟ ما هو رأيكَ في إنهيارِ كنيسةٍ على مؤمنينَ مُتعبّدينَ في لحظةِ نشوةٍ إلهية؟ الوباءُ الكبير لم يُميّزْ بين زنديقٍ وطفلٍ وشيخ. (نوبة سعال لإنكرام فرايزر). أوه مستر جونز أعذرني، لقد أدخلتُكَ في مَعمعةٍ لا دخلَ لكَ فيها. لا أريدٌ أن أُلغي وجودَكَ؛ لكنّ المؤَلفَ يستخدمُني كي أُعبّرَ عن آرائهِ، وهي مصيبةٌ أن تقعَ بين يدي صانعٍ مُحتال. في الحقيقة، أنا نادم. رَفَعَني موجُ الحياةِ إلى القمّةِ وأَنزلَني بلمحةٍ إلى الحضيض. لو كانَ لي أن أعيشَ حياتي من جديد، لعشتُها بطريقةٍ مختلفة، وأجّلتُ موتي 20 سنةً على الأقل. وأنتَ مستر جونز لا تستسلم للقدر، لا تلتزم بالمرسوم وتُعيدُ فعلتَكَ نفسَها. تمّرد. هل جئتَ لتجلسَ صامتاً كالتمثال ثمّ في الختام تطعنُ وتهرب! غَيّرْ مصيرَك!
(يا حزقيا: أُزيدُ على أَيّامِكَ خَمسَ عَشرةَ سَنةً)
بعدَ هذهِ العِشرة، أتوّقعُ أن نتصافحَ أنا وأنتَ، فقد صحا ضميرُكَ أخيراً وعَدَلتَ عن فكرتِكَ الطّائشة. لا تُفكّرْ بأنانيةٍ كونَهم سيُخرجونَكَ براءة من الحَجزِ بعدَ الجريمةِ بشهر. (إنكرام فرايزر يشير إلى الخارج إشارة سريعة). أرى في عينيكَ نظرةَ رضى وقناعة. إرفض الرّضوخَ لرّغبةِ القتل. إدحض الهرطقةَ بالهرطقة، وحارِب الكلمةَ بالكلمة. إذا خِفْتُم على الأسرارِ، أقطعُ لكم عهداً بعدمِ إفشائها، والدّيون تُدفع. تَعْلَم مستر جونز أنّ أفدحَ الخصوماتِ تُحلُّ بالعقل. ماذا إستفادت البشريةُ من القتل؟ وهل هو هيّنٌ أنكَ بثانيةٍ واحدةٍ تُنهي روحاً بشرية؟ (إنكرام فرايزر يعاود الإشارة إلى الخارج إشارة سريعة). هناك إنسانٌ يقضي على آلافِ الأرواحِ برمشةِ عين؛ وآخرُ يُزيلُ الحشراتِ الصّغيرةَ عن طريقِهِ لكي لا يؤذيها. هل هذا إنسان وهذا إنسان؟ ما الشّيءُ المُشتركُ بينهما، ولماذا يبدو الإنسانُ أحياناً وحشاً قاسياً لا رحمةَ ولا كرامةَ ولا إعتبارَ لشيء عندَهُ؛ وأحياناً تنحني لهُ الملائكةُ من رقّتِهِ وإنسانيتِه؟ إلى من تُريدُ أن تنتمي؟ (إنكرام فرايزر يشرب كأسه بسرعة). القضيةُ كالتالي مستر جونز: يُريدُ المؤلفُ إرضاءَ التاريخ أو نزعة العقابِ أو الفرضية الأرجح. بينما نحنُ من يعيشُ الآن وليسَ هو، أنا وأنتَ هنا، لا سيطرةَ لأحدٍ علينا. لماذا نُذعنُ لهُ ولا تكونُ لنا شخصيتُنا المُستقلّة؟ لماذا نقبلُ بالموتِ كنهايةٍ تقليدية؟ لا تنسَ أن هناكَ روايةً على أنني خرجتُ من الحانةِ وإختفيتُ، ثم عدتُ بشخصيةٍ مستعارةٍ إسمها شكسبير. بعيداً عن كلّ ذلك، أنا الآن في الـ29 من عمري. ترجمتُ أوفيد وكتبتُ تمبرلين ودكتور فاوست ويهودي مالطا، إستخدمتُ الشّعرَ المُرسلَ وأوسعتُ مدى المسرحِ لاستقبالِ الفلسفة. تخيّلْ.. تخيل لو أنني آخذُ فسحةً أطولَ من الزّمن ماذا يُمكنُ أنْ أُضيفَ من أفكار وأُنجزَ من عوالِم! على الأقلّ يصححُ الخيالُ ما أفسدَتْهُ الأيام. ألا يبدو كلامي مُقنعاً؟ إترُكْني يا مستر جونز لشبابي وطموحاتي. أنتَ مثلي من ورق، وستختفي. لا تجعلْ صورتَكَ في التاريخ بشعةً ومُنحّطة. إنتصرْ لنفسِكَ ودعْني أذهب. سأقفُ مستر جونز؛ أرجو أن تبقى جالساً في مكانِك. لا أرغبُ أن أجرحَ صدغَكَ أو تجرحَني فوقَ الحاجب. أتمنى أن يكونَ وقوفُكَ الآن لتبادلِ التحيّة وليسَ لأيّ شيءٍ آخر. آمل أنّ نظرةَ عينيكَ هي طبيعةٌ شرسةٌ فيها؛ لا لتصميمِكَ على فعلٍ مُفاجئ. وضعُكَ ليدِكَ في جيبِكَ مستر جونز دليلُ راحةٍ نفسيّةٍ، على ما أتمنى، وليسَ إخراجاً لسكينٍ مسمومة.
(إنكرام فرايزر يطعن مارلو ويهرب)
القوّةُ رمزُ الوجود، الطّموحُ شَبحٌ يُرعِبُ العالم. كانَ على فمِهِ كلماتٌ لم يقلْها بعدُ، وآمالٌ يُضارِعُ بها السّماء.
(يقع مارلو صريعاً على الأرض)
إنتهت
.....................
(من كتاب مونودراما سيصدر قريبا)

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية