ستورمي

منير المجيد
2021 / 9 / 16

«كي لا تشعر بالوحدة». عدّل «سامي» المرآة الصغيرة داخل القفص. وضع المزيد من الحبوب، وصبّ ماءً طازجاً في الحاوية. «أنا ذاهب إلى المدرسة، كن ولداً مطيعاً». لوّح بيده للعصفور «ستورمي»، بعد أن دفع بحقيبة المدرسة على كتفيه.
سامي بدأ سنته الدراسية الأولى، وكان غاية في السعادة، لأنّه يتعلّم أشياء كثيرة وصار له أصدقاء جدد أيضاً.
في أحد الأيّام، تحدّثت المعلمة عن الرفق بالحيوان. «العصافير، مثلاً، لا تنتمي إلى الأقفاص. يجب أن تعيش حياتها على نحو طبيعي وتطير بين الأشجار». قالت المُعلّمة. «هل لدى أحدكم عصفور في قفص؟». سألت المُعلّمة وامتنع سامي عن رفع يده. خَجِلَ.
فكّر سامي بستورمي وشعر بالحزن.
في طريق عودته إلى البيت قرّر إطلاق سراح ستورمي. الأمر صعب، لكن كلام المُعلّمة كان مُقنعاً.
وضع سامي القفص على الشرفة. فتح بابه بهدوء مُتيحاً له حرّيته. تردّد ستورمي قليلاً لكنه طار وحطّ على شجرة قريبة، وبعد أن نظر حوله بعينين صغيرتين، رفرف بأجنحته وطار بعيداً.
«يا لذكائك وشطارتك. كيف تعلّمت الطيران هكذا». قال سامي، وازداد حزنه.

ارتحل ستورمي من مكان لأخر، وطار من بلدة لبلدة، ومن غابات رطبة باردة إلى غابات دافئة، من شجرة إلى شجرة.
حاول التقرّب من مجموعة من العصافير علا هرجها وارتفع صوت زقزقتها، لكن المجموعة تركت خلافاتها وهدّدته، فاضطر إلى الإبتعاد عنهم. «يشبهونني تماماً، لكنّهم لا يحبونني». قال ستورمي لنفسه.
تعلّم كيفية إلتقاط البذور ونقر الفاكهة وانتشال الديدان.
حاول صبّي قتله بتسديد بارودته وأطلق عياراً كاتماً باتجاهه، لكن الصبي لم يكن صيّاداً ماهراً فأخطأه.
صار خبيراً مع الأيّام في تجنّب الأخطار.
رأى بعينيه انزلاق هضبة كبيرة، جرّاء أمطار غزيرة انبثقت من غيوم رصاصيّة ثقيلة، لتغطّي بلدة وادعة في الوادي، بينما كان يحمي نفسه تحت ورقة شجرة.
طاردته طيور بمناقير معقوفة أثارت فيه الرعب. رأى طيراً آخر أكبر بكثير أطلق من جوفه أثقالاً سقطت على مدينة فأحالتها إلى كتلة من النار والدخان.
قابل في ترحاله أشياء لم يفهمها. شاهد زلازل وأمواج عاتية بلعت سفناً صغيرة عليها حشد كبير من الناس، وفيضانات وحرائق مُرعبة في الغابات، وأطفال يشبهون سامي يبحثون عن أشياء على أكوام قمامة بحجم جبال.

ظلّ سامي يُفكّر بستورمي، ويراه في أحلامه. كان يذرف دمعاً أحياناً، ثم يتمنّى أن يكون بخير.
يوماً، قبل أن يذهب إلى المدرسة، نظر إلى القفص بحزن ودمعت عيناه. حينما التقط حقيبته المدرسية ألقى نظرة على الشرفة التي شهدت إطلاق سراح عصفوره، وهناك كان ستورمي ينظر إليه حَذِراً.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا