تجربة ثورة ديسمبر ودروسها (10)

تاج السر عثمان
2021 / 9 / 16

تراكم المقاومة الجماهيرية بعد مجزرة فض الاعتصام

1
بعد مجزرة فض الاعتصام استمرت المقاومة الجماهيرية والتي تم رصدها في مقالات تابعت يوميات الثورة ، كما في الأمثلة التالية علي سبيل المثال لا الحصر :
- تم الإضراب العام الذي دعت له " قوى الحرية والتغيير" يومي الثلاثاء 28 مايو والأربعاء 29 مايو 2019 ، الذي أكد أن الجماهير ما زالت قابضة علي جمر الثورة ، والسير بها قدما حتى قيام الحكم المدني الديمقراطي، وبعد الاضراب العام جاءت مواكب 30 يونيو و13 يوليو وساحة "الحرية" هادرة ، والتي أكدت أن جذوة الثورة متقدة ، و لا بديل غير تسليم السلطة للمدنيين ، والفصاص للشهداء من مرتكبي مجزرة فض الاعتصام ، وتكوين لجنة التحقيق المستقلة الدولية.
- جاءت مواكب 21 أكتوبر 2019 هادرة وحاشدة ، حيث خرجت جماهير شعبنا في أكثر من 48 مدينة ومنطقة ، وتمت أكثر من 18 فعالية احتفالية بالعاصمة الخرطوم، إضافة للاقاليم وخارج السودان ، اكدت وحدة الجماهير حول قضايا ومطالب من صميم استكمال مهام الثورة ، والسير قدما نحو تحقيق أهدافها ، كما في الشعار " ثوار احرار حنكمل المشوار" ،" القصاص للشهداء" وشعارات " دم الشهيد ما راح "، ومتابعة المفقودين" ، ورفض الالتفاف حول لجنة التحقيق المستقلة في مجزرة فض الاعتصام ، وحل المؤتمر الوطني ومصادرة ممتلكاته ، وتفكيك التمكين والارهاب من مفاصل الدولة والإعلام والجامعات والمدارس، ومحاكمة الفاسدين واستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة .
2
- انطلقت مواكب 19 ديسمبر احتفالا بالذكرى الأولي لثورة ديسمبر 2018 هادرة ، بل كانت أكبر المواكب منذ اندلاع ثورة ديسمبر ، شملت المواكب : الخرطوم بمدنها الثلاث، مدني ، سنار، الدمازين، كسلا ، القضارف، بوتسودان ، الأبيض ، كوستي، عطبرة، ولايات دارفور، مدن الولاية الشمالية..الخ، وفي عطبرة احتشد الآلاف لاستقبال القطارات القادمة من الخرطوم ومدني في مواكب مهيبة وكرم فياض في استقبال الضيوف عبر عن كرم عطبرة الذي أشار اليه المثل: " عطبرة أم دالات رباية اليتامي ومقنعة الكاشفات" ، وابلغ وصف لضخامة المواكب وصف ثوار عطبرة لها بيوم " الحشد الأكبر"، والتي تميزت بالاتي:
لم تكن رد فعل لموكب ما يسمي ب" الزحف الأخضر" الهزيل مدفوع الأجر، بل كان تعبيرا عن اصرار ثوار ديسمبر علي مواصلة الثورة حتى تحقق اهدافها ، وانجاز مهام الفترة الانتقالية بنجاح ،والقصاص للشهداء، وتحقيق السلام العادل والشامل الذي يخاطب جذور المشكلة، والضغط علي الحكومة للاسراع في تنفيذ مطالب الثورة وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، كما عبرت الهتافات مثل : القصاص للشهداء ، الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية، محاسبة الفاسدين ، ضد المتاجرة بالدين في اول موكب للزحف الأخضر.الخ
3
- استمر النهوض الجماهيري بعد مجزرة فض الاعتصام الذي لعبت فيه لجان المقاومة دورا كبيرا ، فرغم ظروف جائحة " كورونا" والحظر، الا أن زخم إحياء الذكرى الأولي لمجزرة فض اعتصام القيادة العامة في العاصمة والأقاليم كان كبيرا، وجاءت المطالبات الغاضبة بالقصاص للشهداء ومتابعة المفقودين، ومحاسبة من أمر ونفذ تلك المجزرة البشعة، فكانت الوقفات الاحتجاجية في العاصمة والأقاليم التي قامت بها لجان المقاومة وتجمع المهنيين والجماهير، وحرق الإطارات ، والشعارات والمعارض ورسوم الجدران التي عكست بشاعة المجزرة وضرورة تحقيق العدالة، والحزن العميق علي الشهداء ، وصدرت بيانات لجان المقاومة والأحزاب السياسية وتجمع المهنيين والحركات المسلحة ، وشبكة الصحفيين ومئات المقالات الصحفية المنددة بالمجزرة ،اضافة للأمم المتحدة ، والسفارة الأمريكية بالخرطوم، والاتحاد الأوربي والمنظمات الحقوقية ، وأسر الشهداء ورئيس الوزراء . الخ التي طالبت جميعها بالاسراع في رفع نتيجة التقصي والقصاص للشهداء ومتابعة المفقودين، وتكوين لجنة التحقيق الدولية لمحاسبة المجرمين، كما أكدت الجماهير في وقفاتها الاحتجاجية أن الشعب أقوى والردة مستحيلة، بعد مواجهة منفذي المجزرة والمخططين لها بموكب 30 يونيو 2019 الذي هزم مخطط الانقلاب الدموي علي الثورة، وأبقي علي جذوتها متقدةً، وأنها ماضية في طريقها حتى تحقيق أهدافها وانتزاع الحكم المدني الديمقراطي.
4
- كما انطلقت مليونية 21 أكتوبر 2020 في العاصمة والأقاليم بهدف حماية الفترة الانتقالية وتصحيح مسارها وتحقيق أهداف الثورة، كما عبرت شعارتها في :
- القصاص لشهداء مجزرة فض الاعتصام ومتابعة المفقودين.
- الاسراع في تكوين التشريعي، وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي اصبحت لا تُطاق.
-السلام العادل والشامل الذي يخاطب جذور المشكلة.
- الحفاظ علي السيادة الوطنية ، والخروج من محور حرب اليمن والأحلاف العسكرية والاستخباراتية في المنطقة.
- رفض التطبيع مع الكيان العنصري الصهيوني ، وقد جسّد المتظاهرون ذلك في حرق العالم الاسرائيلي.
- كما طالب بعض المشاركين في الموكب بسقوط الحكومة التي فشلت في حل ندرة الوقود والخبز.
أغلقت السلطات في ولاية الخرطوم الكبارى والشوارع الرئيسية ، واغلاق كامل لوسط الخرطوم وانتشار الأجهزة الأمنية ، ولكن المتظاهرين ردوا بشعارات ( تقفل شارع تقف كبرى ياحمدوك جاينك دوغري)، ( حال البلد مقلوب .. حتى الرغيف معدوم).
حاول فلول الإخوان تخريب المواكب ولكن المتظاهرين ردوا عليهم بشعار " الجوع الجوع والا الكيزان)، واستطاع المتظاهرون السيطرة الكاملة علي الشارع.
أكدت الجماهير أنها قادرة علي حماية ثورتها، وتم دحض الدعاوي التي حذرت من الخروج في المواكب حتى لا يستغل الفلول الموقف وينقضوا علي الثورة، لكن تأكد أن الخطر علي الثورة من اللجنة الأمنية التي استخدمت العنف المفرط وقمعت المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع مما أدي لحرق بعض المنازل، إضافة لاستخدام الهروات والرصاص المطاطي والحي مما أدي لاصابة بعض المتظاهرين واستشهاد عدد في العاصمة والأقاليم مثل: محمد عبد المجيد محمد أحمد بالقرب من مستشفي شرق النيل أثر طلق ناري، ، واعتقال الشباب داخل الأحياء ، مما أعاد للاذهان أساليب القمع التي استخدمها النظام البائد لمدة ثلاثين عاما ولم تجد فتيلا وذهبت ريحه. كما تمّ الاعتداء علي فريق عمل قناة " سكاى نيوز" من قبل قوات شرطية، وتمّ ضرب أحد المصورين ، وتمّ منعهم من تصوير مسيرات 21 أكتوبر، وتفتيش الكاميرات لمسح الصور التي تمّ التقاطها، وذلك في استمرار لخرقها بعد التعديلات الأخيرة لادراج اتفاق سلام جوبا الذي تعلو نصوصه علي الوثيقة!!، مما يتطلب الادانة والشجب ومحاكمة الذي قمعوا المتظاهرين.
هذا اضافة للابقاء علي شركات عناصر النظام البائد وشركات الذهب والبترول والمحاصيل النقدية والاتصالات والماشية خارج ولاية المالية، والاستمرار في سياسة النظام البائد في القمع الوحشي للمتظاهرين ورفع الدعم وتنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي في تخفيض الجنية السوداني والخصخصة ، وربط البلاد بالمحاور العسكرية الخارجية والتفريط في السيادة الوطنية، وخرق "الوثيقة الدستورية".
وإن ما جري من قمع استمرار لخرق وثيقة الحقوق في " الوثيقة الدستورية" التي كفلت حق التظاهر والتجمعات السلمية،
كما أكدت مليونية أكتوبر وعي الشارع والثوار واهدافهم الواضحة لتصحيح مسار الثورة، وأن
مواكب مليونية 21 أكتوبر لها ما بعدها الذي يتطلب مواصلة التصعيد الثوري لمحاسبة قتلة الشهداء ، وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات ومحاسبة والي الخرطوم وإعادة هيكلة الشرطة والأمن ، واصلاح النظام العدلي ، وتصحيح مسار الثورة ، وقيام حكومة مدنية ديمقراطية تحقق أهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة.

5
- سجلت جماهير الشعب السوداني ملحمة بطولية ، حيث خرجت في مواكب هادرة في العاصمة والأقاليم بمناسبة الذكري الثانية لثورة 19 ديسمبر ، وملآت الشوارع وهتافات الثورة وشعاراتها تشق عنان السماء، التي ما زالت تنتظر الانجاز مثل : القصاص للشهداء، الشعب يريد اسقاط النظام، تسقط بس – تسقط وثيقة الدم ، تسقط لمن تظبط ، تقفل شارع .. تقفل كبري .. يابرهان جايينك دوغري ، تحسين الأوضاع المعيشية ، اسقاط حكم العسكر ومجلس شركاء الدم ، الويل للكيزان، يسقط برهان وحميدتي كمان ، سلم شركاتك وارجع ثكناتك، أي تسليم شركات الجيش والأمن والدعم السريع والاتصالات والمحاصيل النقدية لولاية المالية، وتكوين المجلس التشريعي والمفوضيات ، وأن يكون المجلس السيادي تشريفيا، والسلام الشامل والعادل الذي يخاطب جذور الأزمة، وحل المليشيات من دعم سريع ونكوين جيش قومي مهني موحد، وعودة المفصولين العسكرين والمدنيين، كل القوة القصر جوة. الخ.
كانت المواكب هادرة ومنظمة في شعاراتها وأهدافها رغم محاولة بعض العناصر الكيزانية المفضوحة لحرق شعار للحزب الشيوعي الذي وجد استهجانا واضحا من الجماهير.
جاءت المواكب هادرة وتعبيرا عن استمرار للصراع الذي قادته الجماهير في مليوناتها السابقة من أجل تحقيق أهداف الثورة التي واجهتها الحكومة بشفيها العسكري والمدني بالاهمال والبطء في تحقيق أهدافها والقمع، والتفريط في السيادة الوطنية ، واستمرار ارسال قواتنا لحرب اليمن، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وفتح البلاد للقواعد الروسية ، والاتفاقات العسكرية والأمنية مع أمريكا ، والمخطط المرفوض لخصخصة ميناء بورتسودان وتأجيرها ، وغير ذلك من الهوان الذي الحقه حكم العسكر بسيادتنا الوطنية ، ورفع الدعم عن السلع حتى اصبحت الحياة لا تطاق، وعدم تحقيق القصاص العادل للشهداء، وتسليم البشير ومن معه للجنائية الدولية، والبطء في تفكيك التمكين ، واصلاح النظام العدلي والقانوني وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ، وعدم اجازة قانون النقابات الذي يحقق ديمقراطية واستقلالية الحركة النقابية، ورغم الدعاية المضادة لقوي "الهبوط الناعم" ، أن المواكب يجب أن تكون احتفالية لا لتحقيق أهداف الثورة واسقاط النظام ، وأن الدعوة لاسقاط النظام قفزة في الظلام ، كما في تصريح محمد الحسن التعايشي !!.
استطاعت المواكب أن تصمد وتستمر وتمكنت من الوصول للقصر الجمهوري في الخرطوم وطوقوه من كل الاتجاهات، والمجلس التشريعي في أم درمان ، وبرزت شعارات الاعتصام أمام القصر الجمهوري والبرلمان حتى اسقاط حكم العسكر.
كما رفضت الجماهير جرائم التعذيب والاختطاف التي ادت لتعذيب بعض الشباب من لجان المقاومة في بيوت للاشباح حتى الموت ، مما أدي لخروج جماهيري مهيب لتشييع الشهداء ، كما في شهيد الكلالة نوري، وارتفعت المطالبات بحل قوات الدعم السريع ، وكل المليشيات التي تتبع للحركات وكتائب الظل والدفاع الشعبي وغبرها ، وجمع كل سلاحها في يد الجيش ، وتكوين جيش قومي مهني موحد، يوفر الأمن للمراطنين ، لا لقمعهم وارهابهم.
6
هكذا رغم المصاعب والعقبات التي تقف في طريق الثورة ، الا أنها تجدد نفسها باستمرار منذ اندلاعها في ديسمبر، ما أن يخبو نارها حتى تشتعل من جديد ، كما في المواكب والاضرابات والوقفات الاحتجاجية والاعتصامات السلمية لتحقيق أهدافها ومطالبها ، وما يجري من تصعيد ضد سياسات الحكومة الاقتصادية التي خضعت تماما لتوصيات صندوق النقد الدولي التي سار عليها النظام البائد ، وكانت النتيجة المزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية والزيادات الكبيرة في أسعار الوقود والكهرباء والخبز والدواء، وهي نفس سياسات النظام البائد ،لقد أصبحت الحياة جحيما لا يطاق، وفشل الحلول الأمنية في وقف تجارة العملة ، وشل نشاط الفلول فيها حتى تجاوزالدولار حاجز (450) جنيها، مع ارتفاع أسعار السلع والضروريات ، وانهيار القطاعات الإنتاجية ، والخلل في السياسة التجارية التي لا تعود فيها عوائد الصادر لبنك السودان، وتخبط الحكومة الإداري ، وعدم تحركها للجم التدهور الاقتصادي، بل تصر علي عدم تغيير العملة ، واستمرار شركات الجيش والأمن والدعم السريع والاتصالات والمحاصيل النقدية وشركات الماشية والذهب خارج ولاية المالية.
هذا اضافة لتفاقم الصراعات داخل السلطة حول المحاصصات في التشكيل الوزاري والوظائف القيادية في الخدمة المدنية.
كما استمر التصعيد المشروع الذي تقوم به لجان المقاومة وتجمع المهنيين والنقابات والجماهير في الأقاليم باعتصاماتها للمطالبة بتحسين وتوفير خدمات التعليم والصحة والأمن ، وقانون ديمقراطي للنقابات، والغاء القوانين المقيدة للحريات، وجمع السلاح ،ولجم العصابات المنفلتة، الذي له أسبابه الموضوعية، فهو اصلا لم يتوقف منذ اندلاع الثورة ، واستمر تراكمه مثل :استمرار الاعتصام بعد الانقلاب ، مواكب 30 يونيو 2019 بعد مجزرة فض الاعتصام ، وذكري أكتوبر ، والذكري الأولي لثورة ديسمبر ، ومواكب العدالة ، الذكري الثانية لمجزرة فض الاعتصام .الخ، والاضرابات والوقفات الاجتجاجية، واستنكار انتهاكات حق الحياة ، وضد سجون الدعم السريع التي يمارس فيها التعذيب حتى الموت، والمطالبة بوقف ذلك ، وحل مليشيات الدعم السريع وبقية المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش المهني القومي الموحد ، وجمع السلاح وحصره في يد القوات المسلحة ، وبسط الأمن في كل ربوع البلاد.
هكذا ظلت جذوة الثورة متقدة ، من خلال استمرار تراكم المقاومة الجماهيرية بعد مجزرة فض الاعتصام ،والتصعيد ضد سياسات النظام الاقتصادية التي أدت للمزيد من التدهور الاقتصادي ، مع تأكيد المقاومة السلمية حتي اسقاط تلك السياسات، وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية ، ودعم الدولة للسلع الأساسية والتعليم والصحة والدواء ، وتوفير فرص العمل للشباب ، بالتوجه للمشاريع الإنتاجية الزراعية والصناعية والخدمية، وقيام البديل المدني الديمقراطي الذي يحقق دولة المواطنة التي تسع الجميع، وتحقق السلام الشامل والعادل، وأن المقاومة الجماهيرية المتصاعدة مع المزيد من التنظيم للجان المقاومة وانتزاع النقابات والاتحادات ، وتمتين تحالف وتنظيم قوي الثورة والاستفادة من دروس تجربة قطع الطريق أمام الثورة، سوف تصل حتما للنصر المؤزر،وتحقيق أهداف الثورة ومهام الفترة الانتقالية. .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي