مونودراما.. مأدبة فرويد.. عباس منعثر

عباس منعثر
2021 / 9 / 14

(عالم النفس سيجموند فرويد في مكتبه. ضمادة بيضاء على فكّه الأسفل تمنعه من الكلام. يجلس على كرسي معاقين. تدخل الآنسة)
الآنسة:
سعادتي برؤيتِكَ دكتور غطّتْ على كآبتي، مثلما غطّتْ نظرياتُك على أجيالٍ بكاملِها. الشبابُ يلتهمُ إفرازاتِكَ بشغف، تنوّمُهم مغناطيسياً وتُطلقُ الوحوشَ التي ركدتْ في دواخلِهم لقرون. بفضلِكَ أصبحت الثقافةُ شيئاً آخر. فيها من الخيالِ الفسيح والمفاجأةِ الصّادمةِ ما يجعلُكَ تَركُنُ إليها وإنْ إرتابَ بها عقلُك.
(فرويد يتحرك بكرسي المعاقين)
أنا شابةٌ خجولة؛ أو كائنٌ مُحتشِمٌ جداً إذا أردْنا الدّقة. بعد صدمتي الأخيرة، لم أَتَفَوه بكلمةٍ واحدةٍ في حياتي حتى إلتقيتُ بكَ الآن. لستُ من النوعِ الذي يُفصحُ عمّا في داخلِه. لأنّ ما بداخلي رهيبٌ غريبٌ عجيب. تمنيتُني مثل صديقاتي، يخلعنَ الثيابَ من نظرة. الواحدةُ منهنّ مَهبلٌ يمشي في الشّارع. على العكس منّي، إذا خلعتُ ثيابي تظهرُ الفضيحة. لكنّكَ دكتور أعطيتَني الأمل، وجَعَلتَ المُغرِقَ في الغرابةِ حقيقةً عِلمية، إذن حالتي مُمكنة ولستُ عنصراً شاذاً خارقاً للطّبيعةِ كما كنتُ أعتقد.
(فرويد يغلق الباب بالمفتاح)
سأعودُ إلى البدايات. كنتُ بويضة، وجاءَ حيمنٌ ما، غيرُ معروف، أو على الأقل لا تعرفُ أمي إسمَ أو شخصيةَ صاحبِه. حيمنٌ مجهولٌ خصّبَ البويضةَ وتحوّلتْ الى جنين. لا يفكرّونَ لحظةَ الشّهوةِ بجريمتِهم، فيقذفونَ الكائناتِ الناقصةَ إلى هذا العالم بلا تفكّرٍ وحساب. حتى العقولُ الحصيفةُ، دكتور، لم تُبرّرْ ولادةَ إنسانٍ كاملٍ وقويّ، في أَتمّ صحّةٍ وأجمل قالب؛ ويأتي غيرُهُ ممسوخاً عليلاً. لا أعلمُ حكمةً في ذلك.
(فرويد يتحرك بشكل دائري)
مُراهَقتي كانتْ صعبةً جداً. ولِدتُ في الرّيف حيثُ العمل أهمّ من الإنسان، وحيثُ ترتفعُ قيمةُ الفردِ بارتفاعِ رضوخِه. كنتُ ميّالةً إلى الإنطواءِ للدّاخل. هنا بدأَ الصراعُ بينَ الأنا والهو والأنا العليا، وكانتْ روحي هي الملعب. الهو يركلُني، الأنا العليا تَصدّني والأنا تتلاطخُ فيما بينهما، فيزدادُ إنسحاقي كلّما تصاعدَ هُتافُ الجمهور. في الأخير، تستحيلُ ذاتي مقبرةً تضمُّ بقايا الهو ومخلّفات الأنا العليا. أتمزّقُ بلا قدرةٍ على التماشي أو الإنصياعِ الكاملِ، تختلطُ الأشياء، يتعطّلُ الإدراكُ وتنتصرُ التقاليدُ والأعرافُ البالية.
(فرويد يطفئ أحد المصابيح)
أوّلُ مرّة تفتّقَ وعيي الجنسي كان لحظةَ إحتارتْ أُمي هل أرتدي البنطالَ أو التنورة. وهذهِ مُشكلةٌ حضاريةٌ دكتور. خاصةً إذا إختلطَ الحابلُ بالنابلِ وما عُدتَ تميّزُ الرجلَ من المرأة. هذا يقومُ بأدوارِ هذه، وهذهِ تقومُ بأدوارِ هذا. مجتمعٌ كهذا سينهار عاجلاً أم آجلاً لأنّ الإهتمام سينصبُّ على تفريغِ الرّغبةِ الجنسيةِ فلا تعودُ تُميّزُ حَلْقَ القِدرِ من عَجيزتِهِ، أو اللّذة الفموية من اللّذةِ الشّرجية!
(فرويد يطفئ المصباح الثاني)
ثاني مرّة تفتقَ وعيي الجنسي حينما شاهدتُ تَزاوجَ الخيول. كانَ فهمي محدوداً أيامَها. لغبائي، صدّقتُ ما تقولُهُ أُمي أنّ لقلقاً جاءَ بي في خِرقةٍ ووضعَني في المِدخنة. وهي المرّةُ الأولى التي أرى فيها ذَكَرَ الحصان. منظرُهُ مُحرجٌ للرّجالِ بصراحة. أفحلُ فحولِ البشرِ قَزَمٌ أمامَ هذهِ المُبالغة. فعلاً، هنا تشعرُ الفتاةُ بعقدةِ الخصاء، وتتمنى لو أنّ لها هذا الإمتدادَ الخارجيّ المَهيب.
(فرويد يطفئ المصباح الثالث)
آلمَني عناءُ الحصانِ وهو يحاولُ ركوبَ الفرس. جسدُهُ ثقيلٌ وسمينٌ ويحتاجُ أن يرفعَ قائمتيهِ الأماميتين كما تعلم. كُلّما أرادَ أن يولِجَ ذكرَهُ الطويلَ المُنتصب؛ تتقدّمُ الفرسُ ربعَ خطوةٍ إلى الأمام فيقع. تَعْرِف دكتور، صاحب الوزنِ الزائدِ مسكينٌ من ناحيتين: فهو سخريةٌ لأعدائِه، وعلى قلبِهِ بذلُ أضعافٍ من الجَهدِ في كلّ خطوةٍ عندَ الهرب.
(فرويد يشعل مصباحاً أحمر)
إحترتُ في أيّ واحدٍ منهما أرى نفسي. هل أتبنى مشاعرَ الحصان أم أتماهى مع أحاسيسِ الفرس؟ كان متوّتراً وهي متوّترة. عيناهُ تمتزجُ فيهما الرّغبةُ بالألم، وهي تُراوِحُ بين التمّتعِ والتمنّع. بعد عدّةِ محاولات، أصابَهُ الإجهادُ والتعب. تخيّل دكتور أنكَ حصانٌ في قمّةِ شهوتِك، وتلعبُ معكَ الأُنثى لعبةَ: هاكَ ولن تأخذَ شيئاً! كرامتُهُ إنتفضتْ فقرّرَ أن يحسمَ الأمر. رفعَ قائمتيهِ بكلّ ما فيهِ من قوّةٍ وكأنهُ يقفز. الفرسُ اللّئيمةُ إنحرفتْ الى اليمين، فسقطَ الحصانُ بثقلِهِ على جدارِ الزّريبة. في الجدارِ قطعةُ حديدٍ منسيةٍ، ناتئة، شجّت قضيبَهُ من المُنتصف. صرخَ صرخةً سمعَها أهلُ الجحيم. وبسببِ هلعِ الفرسِ ومحاولتِها التخلّصَ من هذا الموقفِ المُحرج، ظلّتْ ترفسُهُ رفساتٍ شديدةً قاسيةً حتى قضى نحبَه.
(فرويد يطفئ آخر المصابيح البيضاء)
عدا الخَصاءِ المُقترنِ بالحصانِ الرّاحل، وعلى مرّ حياتي، لم أشعرْ بالكثيرِ من العُقَد. ربما شعرتُ بعقدةِ ألكترا بعدَ أنْ قرأتُ كتابَكَ عنها. قبلَ ذلك لا. أنا متأكدةٌ من وجودِ العُقدة؛ لكنني لا أملكُ أباً حقيقياً. هو حيمنٌ خصّبَ وإختفى. طيّب، إذا ناديتُ على زوجِ أمي يا أبي، هل يُصبحُ أبي ويقعُ ضمنَ إطارِ هذهِ العقدة؟ وهل تبقى بنفسِ الإسم أم سيكونُ إسمُها عقدةَ زوج الأم؟ على هذا المنوال، ستكونُ هناكَ قبيلةٌ من العُقَد مثل عقدة إبنِ الخال وجارِ العم وما إلى هنالك. ثُمّ أشتهي بأيّةِ صفة؟ وبأيّ جُزءٍ من كياني؟ مع ذلك، جاءتْني عقدةُ ألكترا متأخرة، ولم أستمتعْ بها للأسف. زوج أمي عجوزٌ هَرِم، ماتَ وأنا في الصّفحةِ الثانيةِ من كتابِك.
(فرويد يشعل مصباحاً أحمر)
أخي شَعَرَ بعقدةِ أوديب. فقط، هناكَ معضلةٌ صغيرة. أمي بدينةٌ جداً، وقبيحةٌ إلى درجةِ يترددُ الشّيطانُ نفسُهُ في الوسوسةِ باشتهائها. ومما يستبعدُ الأمرَ أكثر: أخي مُقعَدٌ بشكلٍ كامل، مشلولٌ وأعمى. قضى حياتَهُ نائماً لا يدري من الحياةِ شيئاً. المؤكّد أنهُ أحسّ بلذةِ الشّرج. فالغائطُ الصّلبُ حسبَ نظريتِكَ سيُنجزُ أثناءَ خروجِهِ فعلاً جنسياً متكاملاً فيشعرُ المرءُ باللّذة. المعضلةُ هنا: برازُ أخي سائلٌ جداً جداً. وهو السببُ في ضربِ أمي لهُ ضرباً مُبَرّحاً كلّما بلّلَ الفراش. يظلُّ يصرخُ ويستنجدُ من غيرِ سامعٍ أو مُجيب.
(فرويد يشعل مصباحاً أحمر)
قصةُ أخي تُدللُ على نظريتِكَ بالحرفِ الواحد. فالذّاتُ العاجزةُ عن العدائية، تنسحبُ إلى داخلِها، تَستطيبُ آلامَها وتمارسُ المازوخية. وفي حالةِ ميلِها إلى التعصّبِ يحدثُ القتلُ بأبشعِ صورِه، أما العاكفونَ في الأديرةِ والكنائسِ فهمْ صورةٌ للإنسحابِ من الموقف. أخي وأمثالُهُ من العاكفينَ في الأَسرّةِ والمرضِ لم تُعطِهم الآلهةُ فرصةً كي يتخذوا موقفَهم من الحياة، لقد وجدوها جاهزةً فعاشوها كما هي.
(فرويد يشعل مصباحاً أحمر)
ومثل أخي الذي لم يُفصحْ لكنّ عينيهِ تنطقانِ، كانَ سؤالي الدائم: هل أَملِكُ فرصةَ العيشِ كإنسان، من غيرِ أن يشمَئزَّ الناسُ أو يسخروا؟ هل أمامي مصيرٌ مُختلف؟ وبعد أنْ أمثّلَ دوري في الحياةِ كما رَسَمَتْها الأقدارُ، هل سيقبلُني الربّ في ملكوتِهِ أم أنني تشويهٌ لفكرةِ إكتمالِهِ ويجبُ أن تَختبئ ويُغطّى عليها؟ تُرى إذا متُّ ستستقبلُني الفردوسُ أم الجحيم؟ وأي صنفٍ من النعيمِ سأنال؟ هذا برهانٌ دامغٌ على إجتماعِ الشيءِ ونقيضِهِ في مكانٍ واحد. الأبيضُ أسود في حقيقتِهِ، والخيرُ شَرّ، والخطأ صوابٌ والرّجل إمرأة.
(فرويد يجّهز مائدة عليها قماش أحمر)
تَعْلَم دكتور أنّ المرأةَ ترى مستقبلَها في جسدِها. الحبُّ كوّتُها المُشرعةُ على الوجود، بل هو صميمُ كيانِها بأكملِه. أما حبُّ الرجلِ فأحدُ مُكمّلاتِ شخصيتهِ ونافذةٌ من النوافذِ الكبيرة التي يطلُّ من خلالِها على العالَم. المرأةُ بالنسبةِ إلى الرّجلِ وسيطٌ سَلبي؛ بل أداة، وعاءٌ لتفريغِ الكبت. مهما نحاولُ تعويضَ ما نشعرُ بهِ من الدّونية؛ يتملّكُنا الخوفُ من الفشل، وعندما نتقيهِ ببعضِ الحيلِ الدّفاعيةِ يطلُّ مرّكبُ النقص، فيكونُ الحبّ حينَها هو الخلاص.
(فرويد يجلب زجاجة شمبانيا ويضعها على المائدة)
مع مجيئ الحبّ، تحضرُ الصّدمة: معرفةُ الذّات. بالحبّ تتكتشّفُ الأنانية، كارثةُ التملّك، أزمةُ إنفصالِ الأنا عن الآخر، مصيبةُ قياسِ الأشياء طبقاً إلى المَنفعة. لماذا لا ننظرُ من منظارِ أعدائنا؟ ولماذا هم أبناءُ زانية ونحن أبناءُ قديسات؟ أنا وأنتَ نعاينُ الوجودَ بعينٍ مزدوجة، من خلالِك ومن خلالي، وأنت تفعلُ ذلكَ أيضاً. لن تتقزّزَ مني لو أصبحَ ما يُقززُكَ منّي جزءاً منك. فأصابعُكَ التي تلعبُ باعضائكَ الجنسيةِ في الإستمناء هي نفسُها التي تضعُ اللقمةَ في فمِك. ستتسعُ رؤيةُ الإنسانِ، ويُبرّرُ للآخرينَ بالحماسةِ نفسِها التي يبرّرُ فيها لنفسِه. سينحسرُ الظّلمُ كثيراً لو فعلنا ذلك. الحيلُ الدّفاعية المُضادّة لا تسكت. بالأنانيةِ، يصونُ الإنسانُ سعادتَهُ عندما يُلْغي الآخرَ من داخلِهِ، فيكتملُ الرّضا ويرتاحُ من الضّمير.
(فرويد يوزع كأسين على طرفي المائدة)
الحبّ الأوّلُ كانَ من بعيد لبعيد. كأيّ فتاةٍ يجبُ أن تمرّ به. فهو حلمُ يقظة، نصوغُ فيهِ الأحداثَ كأنهُ فلمٌ رومانسي. ينفصلُ فيهِ الخيالُ عن الواقع. ودائماً ما ينتهي الحبُّ الأوّلُ لسببٍ واحد: أَنهُ لم يبدأْ أًصلاً.
(فرويد يجلب باقة ورد يضعها على المائدة)
الحبّ الثاني أقسى. توّحدتُ فيه. ذبتُ في عالمِهِ كما يخفتُ أسى الخسارةِ بالنسيان. وحسبتُهُ ذابَ هو الآخر. إعترفَ لي بحبّه. رسمَ مُستقبلاً ناصعَ التفاؤل. جاءني على حصانِهِ الأبيضَ كي نبدأَ الرّحلةَ في الغابةِ السّحرية. أَنقذَني من السّاحرة العجوزِ ومن الماردِ العملاق. جلبَ لي ماءَ الحياةِ، وأجلسَني من نومي بقُبلة. وضعَ الحذاءَ في قدمي وكانَ مُطابقاً لقياسي. نبّهتهُ على أنّ حبّي تيهٌ في صحراءِ. ظنّني أبالغُ وأدّعي الفَرادة. وَعَدَني: لن يقفَ في وجهِ حبِّنا شيء. صدّقتُهُ. وكشفتُ لهُ السرّ. هَربَ مُثبتاً بُطلانَ نظرياتِهِ كلّها.
(فرويد يبدأ بإشعال الشموع)
وكالعادة، يتبعُ الحبَّ الأفلاطونيّ الأوّل مطبٌّ عاطفيٌّ نحاولُ فيه تعويضَ الخيبة. كان حبيبي الثالثُ سَمِجاً غليظاً من النوعِ الذي يَستخدمُ ما يقعُ بين يديه. الآخرون عندَهُ فئرانُ تجارب أو أشياء ذاتُ إستخدامٍ واحد. لا يهمّ الرّجل أبداً سوى إستحصالِ لذّتِه. الرّجلُ خنزيرٌ ولو كانَ نبياً. وكما ألمحتَ دكتور في كتابِكِ عن موسى، جميعُ الأنبياءِ دَجّالونَ من آدمَ حتى آخرِ محتالٍ منهم. غايتُهم الوحيدةُ إصطيادُ الطّريدةِ وتزّعمُ القطيع. والموضوع كلّهُ تمثيلٌ في تمثيل. يمّثلُ دورَ المُهتم بعقلِ الفريسةِ وحصافتِها، ونظرُهُ مُنحصِرٌ في تكويرةِ الصّدرِ وما يبرزُ مِنْ تحتِ الثّياب. يتظاهرُ بالإندهاشِ من قُدراتِها؛ وعقلُهُ يُعابثُ عُذريتَها. فقط الغبيةُ بنتُ الغبية، الحمقاءُ بنتُ الحمقاء من تنخدعُ بالرّجل، أيّ رجل، لأنهُ لا أكثرَ من شهيةٍ مفتوحةٍ على الولائمِ ممتدةٍ من المُراهَقةِ حتى ينطمرَ في القبر. وهذا ما حَدَث: حبيبي الثالث عندما لم ينلْ ما أراد، هربَ هو الآخر.
(فرويد يشرب الكأس الأولى)
حاولتُ التعويضَ مع النساء؛ لم أفلحْ، مع القضيبِ الصناعي؛ لم يُشعرْني بالدّفء، مع الضّباعِ، مع الخنازير؛ خذلَني الإنتماء. فكّرتُ حتى في الدّيكِ ومالكِ الحزين ونقّار الخشب.
(فرويد يشرب الكأس الثانية)
إبتداءً من الخالقِ وإنتهاءً بعاملِ النظافة، كانَ كلُّ واحدٍ منهم يُحضّرُ مأدبةً لالتهامي. تماماً مثل مأدبةِ أفلاطون، تلكَ القرادةُ التي إعتاشتْ على لحمِ سقراط. وكي تتعمّرَ المائدةُ باللّحم والخمرِ والنّساء؛ كانَ على أمثالي أن يتقلّصوا ويختفوا. الإنسانُ نادلٌ في حقيقتِهِ، غايتُهُ تهيئةُ المائدة، كي يفترسَ ما أعدّهُ من طعام. وما الحبّ إلا فخّ مُمّوهٌ لإلتقاطِ الغزالةِ الشّاردة! ليبيدو، إيروس، ثاناتوس! والضحيةُ هي المرأة.
(فرويد يشرب الكأس الثالثة)
جئتُ هنا ليسَ طلباً للعلاج فحسب؛ بل كي أُفرّغَ ما بصدري، مثل الذي لم يَجِدْ مَن يُنصتُ إليهِ فتحدّثَ إلى بالوعةِ الصّرفِ الصّحي. ذلكَ العاثرُ لم يَعلمْ بأدويب أو ألكترا أو مبدأ اللّذة. كانَ عقلُهُ يختبلُ بسببِ فقدانِهِ لشيءٍ عميق. وحينَ أرادَ البوحَ لم يُجّهزْ لهُ الربّ، مثلي، إنساناً واحداً يُنصتُ إليه. هل يلجأُ الى الإنتحارِ أو الإنغماسِ في صَخَبِ الحياة أو القتلِ أو الحرب أو إلى بالوعةِ الصّرفِ الصّحي؟ إختارَ الأخيرةَ، وظلّ ينحبُ عندَ فتحتِها بعويلٍ يفطرُ القلب. يبدو أنّ الأُذنينِ من الزّوائد. لم يستخدمْهما مخلوقٌ لتخفيفِ وجعِ الخسارة. لكنّكَ دكتور، الوحيد في العالم، أصغيتَ لنا وعكستَ في مرآةِ الحقيقةِ ما أخفتْهُ البشريةُ من عيوبٍ وما طَمَسَتْهُ الأيدي المُهيمنةُ من فضائح.
(فرويد يذهب الى طرف المائدة)
إليكَ سِرّي: ما كانتْ حياتي إلا محاولةً لإخفاءِ حقيقتي، كما يُخفي المشلولُ عكّازتَهُ تحتَ قدميه. لقد تعاميتُ عن عيوبي لسنوات، وحانَ موعدُ الإنكشاف. حتى يرى العِلمُ عمقَ مأساتي، ها أنا أخلعُ ثيابي، عاريةً إلا من عُقَدي.
(الآنسة تتعرى)
أُنظرْ. لا إلى صدري؛ إنزلْ شبرينِ إلى الأسفل. جيد. ركّز. إضبطْ أعصابَكْ. تفضل. هذا ما أنعمتْ بهِ الطبيعةُ عَلَيّ!
(صدر الآنسة نافر ومتّسق للغاية. حين ينزل فرويد بنظره إلى سروالها يبرز عضو ذكري كبير)
إنتهت
...............................
(من كتاب مونودراما سيصدر قريبا)

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب