وهم القوة وكتابة التأريخ....

عباس علي العلي
2021 / 9 / 14

في قضية التأريخ وروايته وخاصة التأريخ المختلف عليه وفيه ومنه ببواعث عقدية أو فكرية وحتى السياسية لا يمكننا الوثوق به مهما كانت مبرراتنا أو قناعتنا لأنها هي أصلا محكومة بذات الأزمة، أزمة الثقة بالكاتب الراوي وبالمنهج والغاية والباعث وصولا لأزمة الرسالة التي يريدها أن تصل لذهن المتلقي ومن وراء ذلك أن تتحول مع الزمن إلى حقيقة لا جدال فيها ولا نقاش، ساعد في تأزيم الأزمة ذاتها منطق الحدث أصلا أو لنقل محركات الحدث وتفاعلاته في الواقع ومن الواقعة التاريخية أيضا، فكثيرا ما تهمل جوانب أساسية من وراء الحدث لتحل محلها إملاءات الكاتب الراوي أو الراعي الرسمي له، عندها تمتزج الخيالات مع المقدمات لترسم للحدث صورة مغايرة عن الأصل تحمل معها فكرة أو ربما مشروع لفكرة ستكبر وتتطور كلما زاد إيمان الناس بهذه الصورة وفحواها ورسالتها.
بغض التاريخ هو ممارسة سياسية يصنعها القوي ويخضع لمنطقها الضعيف المغيب، وبعض التاريخ رسائل عابرة للزمن تحمل في طياتها ما يجب أن يكون ولو على حساب الحقيقة، إذا التاريخ يخرج بهذه المنطقية لا يخرج من كونه علم ولا من كونه معرفة إنسانية، لكن يخرج طبيعيا من كونية الحدث وصدقيته، المؤرخ الذي يكتب التاريخ وفقا لمنهج وهدف ووسيلة وإن كانت غير صادقة فهو علمي بمنى أستخدام وسائل العلم ليقول لنا شيء يريده، لا ليقول الحقيقة كما أن بعض العلول تستغل قوانينها الخاصة لتصل بنا لنتيجة ما قد لا تكون بالضرورة هي المطابقة لافتراض مسبق وهذا ما يسمى بوهم العلم....
هناك حقيقة يتحدث بها غالبية علماء التأريخ بشقيه العميق والعريض وهذا التقسيم لا يعتمد على الزمن فقط بل يشير للمكان والحال أيضا، فالتأريخ العميق الذي يبدأ من قراءات تصورية ذهنية منطقية مسنودة بقوانين الرياضيات والفلك والذرة إلى تصور أخر يتعلق بالعودة إلى ذات النقطة التي تسبق حدث الأنفجار العظيم في دورة زمانية تكوينية مترابطة ومتكاملة وفقا لفيزياء الكم، أما التاريخ العريض فهو تاريخ الإنسان وهو ينتشر في الأرض ليشكل مجتمع ثم مجتمعات ليعود ويشكل عالمه الواحد أخيرا بعد أن أستوعب التجربة من أن حتمية التاريخ تقول هذا.
إن التاريخ العريض وإن كان حدث أجتماعي معرفي لكنه من جانب أخر مرتبط بعمق بالسلطة وشكلها وقوتها في تزييف التاريخ وتسجيله وفقا للصورة التي تريدها، هذا يقودنا للقول وبلا تحفظ على أن تاريخ الشعوب هو تاريخ السلطة والقوة والسياسة والمصالح الأكثر قوة، والأهم من ذلك كله أنه في غالب تفاصيله المدونة يراعي احترام ظاهرة التفاوت وينتصر للطرف الأقوى وليس الأذكى أو صاحب الحق، بجعل التفاوت الاجتماعي أمراً طبيعياً بالإشارة إلى الدونية على أنها لا تليق أن تكون جزء من تاريخ النخبة العليا والتي تحل وجودها ومعناه محل المجتمع ككل ومعناه، نخبة المصالح والسياسة والنفوذ الذي يمكنه أن يسخر الكاتب الراوي على أن يكتب قصته بمزيد من التزويق والتشويق حتى لو كانت المفردات المدونة لم تحدث أصلا، نخبة قوة السلطة وسلطة القوة الت تكمن في العرش والمعبد وأصحاب السيف الأكبر في الميدان، والذي يخرج منتصرا دوما حتى لو كان الأنتصار هذا عار على الإنسانية.
لا أجادل في قضية أخرى تتصل بالموضوع التأريخي عندما تكون الحقيقة صورة من صور القوة أو أن الحق بمعناه المادي هو من تجليات مفهوم القوة، لذلك فالتاريخ عندما يستعرض الحقيقية التأريخية إنما يستعرض قوة القوة في أن تكون منطقه الخاص ووجهها هو الأكثر تناسبا مع مهمة التأريخ كما ندرسه ونتعاطى به على أنه سجل السلطة والسياسة والنفوذ والمصالح، إننا إذا نكتب تاريخ القوة ولا نكتب تاريخ الإنسان طالما ان الإنسان نفسه ينحاز دائما إلى شكل القوة وفعلها حتى لو كان ممن عدمها أو أفتقدها، لأنه لا يتردد في أن يفعل ذلك لو تغيرت الأماكن وتبدل الأشخاص، الإنسان كائن جبار بالقوة لا بالحق لأن الحق لا يسمح له أن يتجبر أو يطغى، فالتاريخ ليس صراعا بين الخير والشر بقدر ما هو صراع بين القوة ومشروع قوة.
السؤال الطبيعي الذي قد يثار هنا أن التركيز على دور القوة في كتابة التاريخ قد يكون مبالغا فيه لا سيما مع حقيقة وجود مدارس وأتجاهات بحثية تؤشر لدور الإنسان ككائن فاعل وصانع للتاريخ، وبالأخص ذلك الجزء الذي يهتم بسيرورة التاريخ وتطور المجتمعات وهو الأقرب لعلم الأنثروبولوجيا، ودراسة تاريخ المجتمعات الأولية الذي يعتمد على الأركيولوجيا كعامل أساسي ومهم في بناء روايته العلمية، فهي دراسات تأريخية علمية اكثر من كونها روايات تأريخية كتبت أو دونت تحت سطوة القوة وموضوعها، والجواب هنا لا ننفي حقيقة أن هذا الجزء من التاريخ وافتراضاته ونتائجه هو نسبيا بعيد عن ما تحدثنا عنه أو أشرنا له خاصة إذا كان الباحث التأريخي لا يملك مشروعا مسبقا لنفي حقائق وتثبيت أوهام تتعلق بالعنصرية الجنسية أو تستند لتفاسير دينية محدودة يريد إدخالها في المشروع التاريخي هذا.
التاريخ إذا يركز في مضمونه على المنظور الحدوثي برؤية كاتبه ووفقا للسياق الذي يرتكز عليه هو وليس بالضرورة سياق الحدث نفسه، حيث من الضروري جدا أن يفهم المؤرخون طبيعة قوانين الماضي بشروطه الخاصة من خلال فهم أي ظاهرة تاريخية سواء كانت حدثاً، أو فكرة، أو قانوناً وحتى لو كانت عقيدة أو تفاعل حدث ديني وفقا لما يستكشفه بالمنطق من سياق السيرورة للتخلص من الصورة المسبقة، ليتجرد عنها كونه يتعامل مع زمن وحدث لا يتصل به ولا بسياق الحاضر وقوانينه، فهم السياق وتقديره مهم في النظر بالقضية التأريخية كونها هي اصلا جزء من شبكة من القيم والمعتقدات المترابطة التي تحدد ثقافة ومعرفة وقواعد عصر ما، ومن بين المعارف الإنسانية كان المأمول فيها أن يكون التاريخ هو المعرفة الانضباطية الأكثر أهمية لفهم التغيير وتفسير التغيرات والتحولات المجتمعية، لذلك يسعى المؤرخون الأكثر تجردا وألتزاما بحرفية العلم لتفسير السببية التاريخية المحركة للتطور بالإضافة إلى فهم كيف ولماذا حدث التغيير داخل المجتمع بالأسباب والعلل الحتمية.
يقول أحد دارسي التاريخ ما معناه أن الخاصية الفريدة التي تميز التاريخ أولا بنطاقه المتعدد المواضيع والأهداف، فكل موضوع له تاريخ خاص ويمكن تحليله وتفسيره وتعليله من منظور تاريخي محدد وسياق مختلف بكونيته وتكوينه الحدوثي، ومن المعترف به عمومًا أنّ فهم الماضي بجدية ومحايدة وتجرد تام بعيدا عن إسقاطات الدارس الشخصية والزمانية وحتى المكانية أمر أساسيّ لفهم حركة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل على أساس السياق والسنة التاريخية، وأيضا يوفر تحليل التاريخ كمنجز بشري بظروفه وتحولاته المجردة وتفسيره العلمي سياقًا أساسيًا لتقييم السياسة لمفهومها إدارة مجتمع وقيادة تحولات سلبية أو إيجابية في صنع واقع وصور الثقافات المعاصرة، كما ويُوفر التاريخ نظرة فريدة من نوعها في الطبيعة البشرية والحضارة الإنسانية من خلال رؤية العالم من خلال عيون الآخر الذي لم يتسنى له النظر بنقدية معاصرة له، وأن نواجه سجل الإنجاز الإنساني بكل ما فيه دون أنحياز أو أنتقائية لموضوع خارج عنه أو غير متصل به على أقل تقدير، بل وأيضًا إدانة الفشل البشريّ والقسوة والوحشية التي مارسها الإنسان ضد نفسه وضد وجوده وقوانين الحركة الشمولية المتحكمة بالكون، وما من شك أن الدراسة العلمية للتاريخ تزودنا بإطار موضوعيّ غنيّ لفهم الحالة الإنسانية والتصدي للأسئلة والمشكلات الأخلاقية، وبذلك الفهم نستطيع معرفة ما هو علم التاريخ وما هي أهميته.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب