من المُلام؟ كيف نشأ الخلاف بين قادة الصين الماويين، والاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأُخرى (2)

مالك ابوعليا
2021 / 9 / 14

الكاتب: الصحفي السوفييتي أوليغ ايفانوف

ترجمة مالك أبوعليا

مُعارضة التعاون مع الدول الاشتراكية سنوات الستينات
سيكون من قبيل البديهية القول أن تنسيق السياسات الخارجية للدول الاشتراكية يصب في صالح السلام وحرية الشعوب وأنه مظهر من مظاهر الأممية في أكثر صورها وضوحاً. يُعزز هذا التنسيق من أمن الدول الاشتراكية ويجعل من الممكن التأثير بشكلٍ فعالٍ أكثر على مسار التطور العالمي لصالح السلام والديمقراطية والاستقلال الوطني والاشتراكية.
تم تحديد السمات الأساسية لمسار تنسيق السياسات الخارجية للدول الاشتراكية في الستينيات بوضوح منذ عام 1957 في تصريح اجتماع مُمثلي الأحزاب الشيوعية والعمالية للدول الاشتراكية وفي بيان السلام، وكذلك في البيان والنداء الى شعوب العالم الذي تبنته الأحزاب الشقيقة عام 1960. حققت المنظومة الاشتراكية العالمية نجاحاً ملموساً في متابعتها سياستها السلمية وتمكنت من شل الطموحات العدوانية للامبريالية. لعب دور ايجابي في هذا التعاون الذي حصل في السياسة الخارجية بين أكبر دولتين اشتراكيتين في العالم، الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية. كان لهذا التعاون أساس قانوني دولي سليم، وهو معاهدة الصداقة والتحالف والمُساعدة المُتبادلة السوفييتية الصينية المؤرخة في 12 شباط عام 1950.
ولكن منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينات، عندما حددت بكين أهدافها كقوة عُظمى على الساحة العالمية، بدأت الحكومة الصينية في اتخاذ اجراءات مُنفصلة تتعارض مع الخط العام للنضال الاشتراكي العالمي من أجل السلام. كما أُعلِنَ في بكين في أوائل الستينيات "كانت الحرب الباردة والتوتر الدولي مُفيدين للغاية في تثقيف الشعب". وزُعِمَ أن تفاقم التوتر الدولي هو "امتياز" لأنه "يُمكن للأحزاب الشيوعية، في ظروف التوتر الدولي، أن تتطور بسرعة أكبر ويُمكن أن يزداد مُعدل تطورها"، وبالتالي كان التوتر الدولي "أمراً مُفيداً". أدلى ماوتسي تونغ بتصريحات بهذا المعنى ولم يتردد في التصرف وفقاً لذلك.
انتقد مُمثلو الصين (ليو شاوكي Liu Shaoqi، جو انلاي zhou enlai، دون شاوبين Deng Xiaoping وغيرهم) من على منصة المجلس العام للاتحاد العالمي لنقابات العمال الذي اجتمع في حُزيران عام 1960 موافق الأحزاب الماركسية اللينينية بشأن مسائل الحرب والسلام والتعايش السلمي ونزع السلاح في محاولة لفرض خطهم السياسي المُغامر على الدول الاشتراكية. لقد دافعوا عن سياسة بناء علاقات بين الدول على غرار سياسة (العين بالعين والسن وبالسن)، ورفضوا المفاوضات كوسيلة لتسوية النزاعات، زاعمين أن التفاوض مع الامبرياليين هذا "من شأنه أن يخدع البشرية" وانتقدوا بقسوة سياسة الدول الاشتراكية المتضافرة في النضال من أجل نزع السلاح باعتبارها "غير مُجدية بل وضارة". أفشى القادة الصينيين عملياً، بلجوئهم الى اسلوب ماوتسي تونغ في "الهجوم المُفاجئ"، أسرار الجوانب الأساسية لتكتيكات واستراتيجيات السياسات الخارجية للدول الاشتراكية لجمهورٍ عريضٍ من غير الشيوعيين دون أي مُناقشة أولية لهذه المسائل بين اللجان المركزية للأحزاب المعنية.
على الرغم من جميع مُحاولات الحزب الشيوعي السوفييتي والأحزاب الماركسية اللينينية الأُخرى القيام باجراءات تسوية الأمور، فقد استمرت قيادة الحزب الشيوعي الصيني في فرض مسار سياسته الخارجية على الحركة الشيوعية العالمية خلال الاجتماعات الثنائية والمتعددة الأطراف (في موسكو وبوخارست).
في نهاية عام 1962 وبداية عام 1963 شنّت قيادة الحزب الشيوعي الصيني هجوماً ايديولوجياً جديداً ضد الحزب الشيوعي السوفييني والحركة الشيوعية العالمية. تم شن هجوم مسعور على السياسة الخارجية للدول الاشتراكية الهادفة الى تجنّب حرب نووية، وهي مُشكلة خطيرة في السياسة الدولية.
في وقت أزمة الكاريبي عام 1962 أصبح من الواضح أن قادة بكين كانوا على استعداد للتضحية بجميع المُثُل والقيم بما في ذلك السلام العالمي من أجل أهدافهم السياسية. عندما كان التهديد الأمريكي الخطير باستخدام القوة يحوم فوق كوبا وكان العالم على شفا حربٍ نووية، كان القادة الصينيون يُحاولون علانيةً اثارة صراع دولي واسع النطاق.
في البداية عندما كان الوضع الدولي متوتراً بشكلٍ خاص وكانت هناك حاجة مُلحة لتشكيل جبهة مُشتركة لصد الأعمال العدوانية الامبريالية الأمريكية، امتنع قادة الحزب الشيوعي الصيني عن اتخاذ اجراءات فعالة وعملية لدعم كوبا، على عكس الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية الأُخرى. أي فضّلَت القيادة الماوية أن تلعب لعبة الانتظار عندما كانت الأمور مشتعلة، حتى يكون لها الكلمة الأخيرة، بغض النظر عن النتيجة.
ولكن عندما خفّ التوتر وتحولّت الأمور نحو الأفضل، أطلقت الصين فجأة حملةً صاخبةً "من الدعم القوي لنضال الشعب الكوبي من أجل استقلالها وسيادتها". في الوقت نفسه، زعمت الدعاية الصينية أن موقف الاتحاد السوفييتي كان ضاراً لكوبا. أظهر القادة الصينيون معارضتهم لتسوية أزمة الكاريبي من خلال المفاوضات السلمية وكانوا يودون أن يدفعوا الاتحاد السوفييتي وكوبا الى الأعمال المشحونة بالصراع العسكري، وحاولوا اثبات "صواب" وجهات نظرهم حول هذا الموضوع وبالتالي الهجوم على سياسة التعايش السلمي. نشر المُمثلون الصينيون افتراءاتٍ لا حصر لها مُعادية للسوفيين حول أزمة الكاريبي في المُنظمات الديمقراطية العالمية وفي مُختلف المحافل الدولية.
كان الماويون يريدون اثارة صدام عسكري بين الاتحاد السوفييتي والولايات المُتحدة، ولكي يظلوا خارج المحرقة الحاصلة دون أي خسائر. في هذا الصدد، نشرت الصحافة الرأسمالية عدة تصريحات مُثيرة للاهتمام.
كتبت صحيفة نيويورك تايمز في 7 تشرين الثاني عام 1962، على سبيل المثال، أن بكين كانت منذ فترة طويلة على استعداد للقتال حتى آخر أمريكي وآخر روسي.
فشل القادة الصينيون، خلال فترة الوضع الخطير في منطقة البحر الكاريبي، في تقديم أية مُقترحات بنّاءة من شأنها أن تضمن مصالح كوبا وتجنب نشوب حرب عالمية جديدة. علاوةً على ذلك، بعيداً عن فعل كل شيء للمساعدة في تسوية الأزمة، بدأت بكين عملياتها العسكرية على الحدود الصينية-الهندية في تلك الأيام على وجه التحديد، وبالتالي خلق يؤرة توتر دولي جديدة. كانت هذه الاجراءات شهادة بليغة على الأهداف الحقيقية للقادة الصينيين. وقد استفادوا من وضع كان فيه انتباه كل العالم ينصب على الأزمة الدولية في منطقة الكاريبي من أجل تحديد أهدافهم القومية.
بالاضافة الى ذلك، في مُحاولة لتشويه السياسة الخارجية اللينينية للدول الاشتراكية، عارضت بكين في عام 1963 بشدة معاهدة موسكو التي تحظر تجارب الأسلحة النووية في الغلاف الجوي وفي الفضاء الخارجي وتحت سطح البحر، والتي كانت، على الرغم من طابعها المحدود، النجاح الأول في الكفاح الطويل الذي خاضته الدول المُحبة للسلام وجماهير الشعوب العريضة في جميع أنحاء العالم ضد خطر الحرب النووية. كانت هذه الوثيقة مُهمة للغاية لمواصلة البحث عن طُرُق لتسوية القضايا الخلافية بين الدول ذات الأأنظمة الاجتماعية المُختلفة، وهي قد أثارت استجابة واسعة وحصلت على دعم كبير في جميع أنحاء العالم. أخضعت الحكومة الصينية هذه الوثيقة لهجمات مسعورة، في الوقت الذي كانوا يغضون فيه النظر عن حقيقة أن الرأي العالمي كان ينظر الى هذه المعاهدة على انها انجاز رئيسي لسياسة التعايش السلمي. أصبح موقف الصين الهيستيري واضحاً في تشرين الأول عام 1964، عندما اختبرت الصين أول قنبلة ذرية، ولا زالت الصين مُستمرة، الى يومنا هذا في اجراء تجارب نووية في الغلاف الجوي. أثّر التساقط الاشعاعي الذي نتجَ عن التجربة التي أُجرِيَت في تشرين الأول عام 1980 على سكان اليابان والولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مما أدى الى عاصفة احتجاجات في هذه البلدان وفي جميع أنحاء العالم.
كان من الواضح، أن تصرفات القادة الصينيين على الساحة الدولية، في تلك السنوات، كانت تهدُف الى دق اسفين في حركة التضامن الافروآسيوية، ووضعها في مواجهة مُجتمع الدول الاشتراكية، والوقوف مع القوى الامبريالية بشكلٍ مُباشر في العديد من القضايا. وبالتالي، لم يكن الأمر مُجرّد انحراف عن السياسة الخارجية للدول الاشتراكية، ولكن اعادة توجيه جوهرية لسياسة الصين الخارجية. أصبحَ من الواضح أكثر فأكثر أن الصين تتخلى عن المواقف الطبقية في سياساتها الخارجية وتقوّض جبهة النضال المُشترك ضد الامبريالية ونصب تلك السياسة ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأُخرى.
بدا موقف بكين تجاه الاتحاد السوفييتي، الذي لم يدّخر أي جهد لمساعدة الصين في بناء الاشتراكية، أكثر من كونه موقفاً غريباً، وخصوصاً أن موقف الاتحاد السوفييتي الدولي في الدفاع عن مصالح الصين كان معروفاً بشكلٍ عام. يكفي أن نتذكر أن الاتحاد السوفييتي أرسَلَ تشكيلات ضخمة من المقاتلات السوفييتية لحماية الجمهورية من غارات العدو الجوية بناءاً على طلب الحكومة الصينية في عام 1949-1950 (ناهيك عن فترة ما قبل الثورة)، وبالتالي ضمان سلامة شانغاهاي أحد الماركز الصناعية الرئيسية في البلاد واحباط هجمات القوات الأمريكية وقوات تشانغ كايشي. في أيلول عام 1958، أثناء أزمة تايوان الخطيرة، حذّرَت الحكومة السوفييتية الحكومة الأمريكية صراحةً من الاتحاد السوفييتي سيعتبر الهجوم على الصين بمثابة هجوم على الاتحاد السوفييتي وأن على الحكومة الأمريكية أن تتحمل كل العواقب المُترتبة على ذلك. بالاضافة الى ذلك، كان قادة الحزب الشيوعي الصيني في ذلك الوقت يتحدثون الى ما لا نهاية عن الأهمية الاستثنائية للصداقة السوفييتية-الصينية. كتب ماو تسي تونغ أن "توقيع معاهدة الصداقة والتحالف والمساعدة المتبادلة بين الصين والاتحاد السوفييتي، لا يعني تقديم مساعدة هائلة في بناء الصين، لكنه أيضاً ضمانة قوية ضد العدوان ومن أجل الحفاظ على السلام والأمن في الشرق الأقصى وفي جميع أنحاء العالم(1).
الكلام كلام والحقائق حقائق. في أوائل الستينيات من القرن الماضي، بدأ الحزب الشيوعي الصيني بالفعل في انتهاك المعاهدة السوفييتية الصينية المؤرخة في 14 شباط عام 1950. وقد تهرّب الصينيون باصرار من الوفاء بالمادة 4 من المعادة التي دعت الى اجراء مشاورات "حول جميع المسائل الدولية الرئيسية التي تؤثر على العلاقات المشتركة الصينية والسوفييتية". أخفَت الحكومة الصينية نواياها باطلاق النار سواحل الجُزُر البحرية في مضيق فورموزا عام 1958 وفَشِلَت في ابلاغ الحكومة السوفييتية بالعمل العسكري الصيني المتهور ضد الهند، أو بموضوع المحادثات الصينية الأمريكية التي بدأت عام 1955، وانتهكت الصين كذلك التزاماتها في نقاطٍ كثيرةٍ أُخرى.
من جانبها، التزمت الحكومة السوفييتية بدقة بأحكام المُعاهدة فيما يتعلق بالمشاورات المُتبادلة وتبادل المعلومات السسياسية الأجنبية. قدّمَ الحزب الشيوعي السوفييتي بانتظام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية مواد كثيفة حول النقاط الرئيسية فيما يتعلق بالوضع الدولي والسياسة الخارجية السوفييتية. من عام 1960 الى عام 1963 فقط، تلقّى الحزب الشيوعي الصيني أكثر من 140 مادة من المعلومات الشفوية والمكتوبة.
كانت العلاقات السياسية الخارجية للحزب الشيوعي والحكومة السوفييتية مع الصين تستند دائماً الى الثقة والاهتمام العميق بتنسيق جهود البلدين على الساحة الدولية.

1- Renmin ribao, February 14, 1951.

ترجمة من كُتيّب:
Who is to blame? How differences arose between china s maoist leaders and the USSR and other Socialist Countries- Oleg Ivanov
Novosti Press Agency publishing House 1981

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب