ضرورة الحكم الشعبي المحلي، من الماضي إلى المستقبل

المنصور جعفر
2021 / 9 / 14

هذا نص عن ضرورة الحكم الشعبي المحلي، في السودان من الماضي إلى المستقبل، وموجبيته لمختلف صور التنمية



1- طبيعة الأزمة الإدارية العامة الحاضرة:
المحور الاداري للأزمة القائمة في السودان منذ ما قبل الاستقلال إن كتلة عاملي الدولة وعددهم الآن حوالى 200 ألف موظف وعسكري (أقل من 0.5% من عدد السكان) تحتكر 90% من صرف الحكومة.


تتداخل هذه الحالة التي تشبه الهرم المقلوب مع قيام القطاع الحديث ذو البنوك والشاحنات والموانئ والضرائب والرسوم بعملية استعمار داخلي للقطاع التقليدي ونهبه بواسطة الضرائب والأسعار وبقيام القطاع الحديث باحتكار نسبي للامكانات الأولية للتنمية كتكامل التعليم، وحرية القرارات الادارية اللازمة لتخفيض الأضرار أو تطوير المنطقة. وبداية الاستعمارين فصل الشعب في محليته عن موارد وإمكانات تنميته مقابل التسول الخارجي للدولة وارتباط تمويلها بأشكال مختلفة من الإستعمار الحديث.



2- بداية الحل:
بدأ تغيير هذا الوضع في السودان أواخر الأربعينيات عندما عقد الاستعمار الإنجليزي المركز مؤتمر الإدارة وناقش تقسيم المديريات وسلطات المديرين، حيث بينت بعض نقاشات ذلك المؤتمر معالم فشل النظام القديم في إحداث تنمية متكاملة، قبل ذلك المؤتمر وبعده توالت مؤتمرات تطوير الإدارة.


كانت غالبية النقاشات والاقتراحات تتركز في نقطتين: التقطة الأولى: تقسيم الوحدات الإدارية القائمة وتأسيس وحدات إدارية محلية كثيرة تختص كل منها بشؤون مجتمعها منطقتها، والنقطة الثانية: تمويل هذه الوحدات وكسب وصرف كل منها للمال كحكومة مجتمع محلي.



3- القوة الشعبية:
كانت التظاهرات النقابية والوطنية في الأربعينيات قد جددت مطالب الشعب السابقة في العشرينات والثلاثينيات التي تتركز في تحسين الخدمات وربط الإدارة وتنظيم أعمالها بتحقيق أهداف المجتمع.


هزمت النضالات والتظاهرات الشعبية في أربعينيات القرن العشرين حلف الرجعية والإستعمار الذي تجسد بتجمع النخبة الطائفية والنخبة القبيلية ونخبة موظفي الحكم الإستعماري المركزي. وكانت تلك التظاهرات مع أعمال سياسية أخرى رافداً من روافد يقظة الشعور الوطني والقومي ضد الإستعمار الأوروبي في مختلف بلاد الشرق الأوسط.


أغلق توالي المقاومة النقابية والتظاهرات الشعبية تجمع الرجعية والإستعمار المسمى "الجمعية التشريعية" التي كانت جمعية ليبرالية مرتبطة بايديولوجيا حرية التملك والنشاط التجاري، وتمثل تعاون النخب الرجعية والاستعمارية في السيطرة على إمكانات تطور الشعب وتحرره من حالة البؤس داخل وضع الاستغلال التجاري الحديث في المدن وداخل وضع الإستغلال شبه الإقطاعي في الريف.



4- اللامركزية:
في العالم عبر آلاف السنين وفي السودان الحديث عبر عشرات السنين تواقفت مختلف الاتجاهات بما فيها إتجاه الحكم المركزي على أهمية اللامركزية في إدارة مناطق الدولة الشاسعة والتعامل الموجب مع تنوعاتها ومع ميل كل مجتمع إلى الاستقلال بشؤونه وحاجته في نفس الوقت للتعاون مع مجتمعات المناطق الأخرى في أمور المال والدفاع.


بدأ المركز الاستعماري اللامركزية الحديثة في السودان في السنوات العشرة الاولى لسيطرته بإلغاء أجزاء من الإدارة القبيلية، وتقسيم بعض مناطقها، وتأسيس نظام المراكز والمديريات وتفويض بعض السلطات إليها، ثم انتهى الأمر عام 1951 إلى إصدار قانون يؤسس مجالساً للمدن والأرياف تشرف على حسن سير الأمور فيها.


كانت تلك المجالس البلدية خمسة أنواع، غالبيتها شكلية وكان المخصص لمدن العاصمة وبعض المدن الكبرى كان شبه شكلي حيث كانت مجالساً مركزية التمويل والتوجيه. بعد سنوات بلغ عدد لتلك المجالس فقط 68 ثمانية وستون مجلساً بينما كان عدد تجمعات السكان مختلفة الأشكال حوالى 7000 سبعة ألف تجمع بشري تشمل: فرقان قرى، وقرى وأرياف، مراكز، حي، مدن صغيرة، مدن داخل مدن، مناطق زراعية كبيرة، أسواق، مدن كبرى مركبة من مدن صغيرة، حلال، منعزلات جبلية، ديار بدوية، مناطق تداخل..



5- تراكم الحاجات كشف ضعف تلك اللامركزية:
عبر عشرات السنوات تضاعفت حاجة الناس لتحسين حياتهم، ومع غياب التنمية، وفقر التمويل وزيادة الضرائب، وضح الخلل العام في أهداف هيئات الإدارة العامة وبان العجز في تنظيم أعمالها، وظلم السياسة التي تديرها.


من أهم معالم بؤس الإدارة العامة آنذاك إتجاه القوة ضد القاعدة الشعبية والضعف في إتجاه قمة السلطة: حيث كان معلوماً ضعف سلطات المديرين إزاء المركز ثم مجلس الحاكم العام، وجبروت سلطة نفس المدير وتمركزها أمام الوحدات المحلية الصغيرة، أيضاً ضعف سلطة المفتش أمام جبروت المدير وتلاشي حقوق المواطن أمام جبروت المفتش والمأمور ونائب المأمور.


في هذا الوضع التسلطي المضاد للشعب السودان زادت الصراعات الرأسية والأفقية في مجالات الإدارة والتنمية، بحكم جدل عناصرها وعلاقاتها وأشكالها وبتأثير الصراع الطبقي والوطني، وتوالت مؤتمرات الإدارة العامة وتنوعت قراراتها وتلتيقاتها في أشكال جزئية الصغيرة بعضها مضاد للإدارة الأهلية وبعضها مضاد للإدارة المركزية.



6- الصراع بين أساليب الإدارة العامة:
منذ الأربعينيات كان الصراع يزيد في كل أمور الدولة بين الأساليب الإدارية الثلاثة: أسلوب الحكم المركزي، أسلوب السيطرة القبيلية، وأسلوب الإدارة والمباصرة اللامركزية، الذي كان مهمشاً لكنه كان ينموء ببطء بحكم مباشرة مكانه، وبساطة خطواته، وسرعة قراراته، وكونه معبر عن أهل المنطقة مباشرة ضد انفرادية المركز وتكلفة الوصول إليه، وضد لجبروت ومحسوبية شيخ القبيلة وانفراده بكل شيء.


ضد الحالة الشكلية للمجالس البلدية في الخمسينيات والستينيات زادت حاجة الناس والمناطق للخدمات أي زادت الحاجة الى تنمية وتكوين مجالس جديدة فعالة تحدد الحاجات وتنظم تلبيتها بإدارة الموارد والجهود. ومن ثم زادت حاجة المجتمع والدولة لتكوين مجالس أكثر وزيادة نشاطها وإلى تحسين شؤونها المالية جمعاً وصرفاً.



7- قانون الحكم المحلي عام 1971:
مع تراكم تلتيقات وتعديلات ونشاطات تطوير الإدارة إبان أعوام الخمسينيات والستينيات تم تنظيم تكوين المجالس وحكوماتها المحلية وتحديد أهدافها وأعمالها وتمويلها بقانون تم إصداره عام 1971.


كان ذلك القانون خلاصة 70 سنة من تطور النشاط والخبرات والنقاش الإداري الحديث في السودان القائم على المهمة والخطة والميزانية والإنجاز ثم التقييم المحاسبي للزمن والموارد والصرف والدخل الماليين. لكنه كأي شهاب انطفأ بسرعة، بعد ان توهج بشدة في السودان والعالم الثالث كأساس لإتفاق الحكم الذاتي (for ) لجنوب السودان أو الحكم الذاتي في (of) جنوب السودان المعلن في 3 مارس عام 1972 ذلك الإتفاق الذي أصبح في دستور 1973 محوراً مضادا لرئاسية الحكم ووحدة قيادة الدولة.


كاختلافات وأزمات تكوين الدستور الأمريكي والدستور السوفييتي واختلافات وأزمات تكوين دساتير جنوب أفريقيا والصين والهند ونيجيريا، ظهر نفس الاختلاف المزمن على أسلوب أو طبيعة الادارة العامة لشؤون الدولة كصراع سوداني تجلى في اتجاهين متناقضين في دستور 1973 إتجاه اللامركزية الإدارية وربط النشاط الاقتصادي بها وقد قاد بيان ذلك الإتجاه د. جعفر محمد علي بخيت، واتجاه الثورة الفرنسية الليبرالي لتركيز قيادة الدولة وعدم تشتتها، وكان بيان أفكار ذلك الاتجاه النابليوني لدن د. منصور خالد.


على أية حال خلال عام واحد او عامين ضعفت فكرة الإدارة المحلية والمجالس الشعبية بتأثير الإرتفاع العالمي الهائل والمتوالي في أسعار النفط وافلاس الدولة (آنذاك أفلست غالبية دول التحرر الوطني المعتمدة على استوارد نفط رخيص) فمنذ ميزانية العام المالي 1974/ 1975 دخلت الدولة السودانية في مركزية تسول الدعم الخارجي مركزية طلبه وإنفاقه وأدى شرط حرية المضاربات التجارية الذي تفرضه الدول المانحة إلى هيمنة البنكين الكبيرين البنك الدولي وبنك فيصل على القدرة المالية للمجتمع والدولة.


أعاق عمليات التجفيف المالي العالمي وشروط لبرلة الإقتصاد وتسليم شؤونه إلى المضاربات التجارية تأسيس حكم محلي فعال في السودان فمن بين خمسة آلاف وحدة إدارية بدأ تكوينها تمتعت فقط ستة عشر وحدة مديرية بتمويل. وصارت الأموال الكثيرة التي تجمعها المحليات من المواطنين تسلم للمركز. أي إن الشروط الدولية والمركز حولت المجالس المحلية لوحدات جباية بدلاً لاتجاه تشكيلها كـ"وحدات تنمية"، علماً بأن إحتكار وزارات المركز أو مجلس الوزراء سلطة الترخيص للاستثمار منع سكان كل منطقة ومجالسهم الشعبية وحكوماتهم المحلية من إستثمار مواردهم.



8- نهاية الحكم المحلي وبداية الحكم الإقليمي:
الحكم المحلي الذي بدأ حياته بفتات ميزانية عام 1972 /1973 بدأ مواته بضيق ميزانية العام المالي 1974 /1975 وصار مجرد جبايات بميزانية العامين الماليين 1975 /1976 و 1977 /1978. وفي عام 1981 تم قتله بتوافق قوى المصالحة الاسلامية والصداقة الأمريكية على تأسيس نظام "الحكم الإقليمي". وهو نظام كان ولم يزل شكلاً أضخم لنظام المديريات. الواقع إن نظام الحكم الإقليمي ونظام المديريات نظامان قائمان على مركزة تجميع وصرف الموارد.



9- بقاء نخب الهيئات مع جفاف إمكانات الإزدهار:
مع شروط صندوق الدولي الخاصة بزيادة التحصيل ومركزة الإيرادات، وزيادة أخبار الفساد الحكومي في العاصمة والمدن، نشأت في الريف حالة مضادة لمركزة السلطات والموارد حيث لجأت هيئات الأقاليم وهيئات المحليات إلى سياسة التراخي في توريد الأموال إلى القمة الإدارية، وإلى "تجنيب" بعض الموارد وحفظها للصرف على شؤون بقاء النخب المحلية البيروقراطية والتكنوقراطية.


إزاء توحش المركز وضعف تنمية الأقاليم والمحليات وإنحصار نشاطهم في جباية الأموال إنحسر الارتباط بين المجتمع والدولة، ولجأ الناس إلى "الحل الفردي" بمضاربات تجارية بعضها بأسماء وواجهات قبيلية، وبمنظمات خيرية الإسم تجارية المحتوى. ومع زيادة الجفاف وصعوبة المعيشة وغياب الحكم الشعبي المحلي اللازم والضروري للتنمية الشعبية زادت أشكال التدهور وزادت معهما جرائم الفقر والإحتيال والفساد وزاد العنف الإثني السياسي ضد الحكومة المركزية أو ضد جماعات محلية، وبأثر هذا العنف زادت اضطرابات المعيشة والسياسة في العاصمة والمدن الكبرى، وصارت فعالية السودان في العالم جزءاً من الماضي.



10- اليد الواحدة لاتصفق لكن قد تفعل شيئاً:
بأي شكل لايستطيع شيخ قبيلة بمفرده ولايستطيع مجلس شعبي بمفرده إنجاز عملية تنمية متكاملة في منطقته الكبيرة، لأن التنمية نشاط متكامل يتحقق عبر مراحل زمنية بمجموعة عمليات منظومة بجهد هيئات المجتمع والدولة في مناطق ومجالات مختلفة.


لكن مجلس الشعب المحلي يستطيع تحديد وتجديد موارد التنمية في منطقته كتمهيد لتنميتها بالقدرة المحلية والعون الذاتي (ششنة: إمكان كثير من المجالس تمويل مدرستين، ومركزين صحي وثقافي، + تمويل النضافة، الطرق، والإسكان بتخصيص نسبة 33.33% من عائدات الدكاكين، المزارع، المناجم التي يصدق بها) أي بدون انتظار تمويل من المركز أو من دولة عربية أو غربية. فبسيطرة أهل المنطقة مباشرة على مواردهم عبر مجلسهم المحلي بإمكانهم بدء عملية محلية تنمية تستثمر الموارد المحلية المتاحة.


واقعياً، تزيد الحاجة إلى حكم الشعب لموارده ومعيشته وتنمية انتاج مختلف المناطق بحركة تعاونية تجمع مشاريع كل منطقة مع بعضها ومع مشاريع ونشاطات المناطق الأخرى وصولاً إلى حالة تكامل وتميز إقتصادي إقليمي يؤسس تجميعها تنمية شاملة.



11- تكوين المستقبل يبدأ من الحاضر:
في دولة مضطربة السياسة والتمويل يؤدي عدم تحكم الشعب في أموره وموارده إلى نقص في الاستثمار وتراجع إمكانات التقدم وإعادة انتاج التخلف. واقعياً يحتاج منع إنتاج التخلف الى استثمارات محلية أي إلى تأسيس مجالس شعبية محلية يرتب بها أهل كل منطقة شؤون معيشتهم وتطورهم.


وواقعياً يرتبط تأسيس هيئات الحكم المحلي من حيث العدد والنوع بمدى تعبيرها عن تفاعل أو تنافر الأوضاع القومية، والاثنية وثقافاتها مع أو ضد حالة الانتاج والاقتصاد ونشاط القوى الجماهيرية والفئوية في المنطقة وفي عموم الدولة. أي إن تكوين مجلس حكم شعبي في كل منطقة يدير بها أهلها شؤون مواردهم ومعيشتهم يرتبط بتلازم الدور السياسي للتنظيم الإدارة العامة والشكل الإداري للتنظيم السياسي لعملية التنمية الوطنية الشاملة.


الترابط بين الإدارة والسياسة والمعيشة والإقتصاد وثقافاتهم يحدد من صميم ظروف معيشة الناس وحاجات التنمية طبيعة الديموقراطية والبيروقراطية اللازمة لإشتراك سكان كل منطقة في تنظيم وإدارة مواردهم وشؤونها والنفع بها، بنظام شعبي محلي يجسد تداخل وترابط أفكار وفعاليات الديموقراطية والضبط الحكومي والمجتمع المدني وحركة الجمعيات التعاونية والاشتراكية مع المصالح المادية والقيم الإجتماعية لغالبية الكادحين في كل منطقة حكم شعبي.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية